بن سلمان في بريطانيا... رهانات اقتصادية حوّلت لندن إلى مدينة تشبه الرياض

بن سلمان في بريطانيا... رهانات اقتصادية حوّلت لندن إلى مدينة تشبه الرياض

قبل وصول ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى لندن، استيقظ البريطانيون على مشهد لم يألفوه من قبل: لافتات ترحّب بزائر أجنبي ملأت الشوارع والميادين الرئيسية في مدينة الضباب.

"مرحباً بولي العهد، إنه يحضر التغيير إلى السعودية، إنه يصنع سعودية جديدة نابضة بالحياة، إنه يفتحها على العالم"... عبارات كُتبت على لوحات دعائية كانت في استقبال ولي العهد السعودي.

ودفعت كثافة الحملة الدعائية المرافقة لزيارة الأمير السعودي بعض البريطانيين إلى تشبيه لندن بالرياض.

وتساءل البعض عن الميزانية التي أنفقها اللوبي السعودي على هذه الدعاية الواسعة.

كان واضحاً أن الحكومة البريطانية هدفها توقيع اتفاقيات اقتصادية مع الرياض، وفي سبيل تحقيق ذلك لم تجد مانعاً من السكوت عما يعتبره البعض انتهاكات لحقوق الإنسان، خاصةً أن السعودية هي "القوة الأكبر سياسياً وديبلوماسياً واقتصادياً في الشرق الأوسط"، حسبما وصفها مكتب رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي.

فرشت بريطانيا السجادة الحمراء لولي العهد، قبيل فتح النقاش حول ملفات سياسية واقتصادية ساخنة خلال الزيارة التي تستمر ثلاثة أيام، وسبقتها زيارته لمصر وسيعقبها توجهه إلى الولايات المتحدة.

مخرج سياسي من "فخ اليمن"؟

ستتطرق محادثات البريطانيين مع بن سلمان إلى الأزمة اليمنية التي تواجه الرياض بسببها اتهامات من منظمات دولية بـ"ارتكاب جرائم ضد الإنسانية"، في حين تُعَدّ بريطانيا ثاني أكبر مورد للأسلحة إلى السعودية بعد الولايات المتحدة.

وكانت ألمانيا قد قرّرت وقف تزويد المملكة الخليجية بالأسلحة، وهو ما علّق عليه وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، في 23 فبراير الماضي، بقوله: "لا نحتاج إلى أسلحتكم... سنجدها في مكان آخر".

ومنذ بدء الحملة العسكرية على اليمن عام 2015، انتعشت الخزينة البريطانية بعائدات بيع أسلحة للسعودية تساوي قرابة أربعة مليارات دولار.

وعلى هامش الزيارة، نقلت وكالة "رويترز" عن وزير الخارجية البريطاني، بوريس جونسون قوله إن بلاده ستسعى إلى عقد اجتماع في الأمم المتحدة للبحث عن "حل سياسي في اليمن".

أقوال جاهزة

شارك غردبن سلمان في لندن... جنت بريطانيا منذ بدء الحملة العسكرية على اليمن نحو أربعة مليارات دولار كعائدات لبيع أسلحة للسعودية، والآن تطمح إلى إبرام عقود واتفاقيات بمئة مليار دولار

شارك غرداستيقظ البريطانيون قبل يومين على مشهد لم يألفوه من قبل: لافتات ترحّب بزائر أجنبي ملأت شوارع لندن مرحبة ببن سلمان، ما دفع بعضهم إلى تشبيه عاصمة بلادهم بالرياض

وطالب أعضاء في مجلس العموم الحكومة بإنهاء تعاونها مع السعودية في اليمن، بينهم زعيم حزب العمال جيريمي كوربن الذي قال، خلال جلسة لمجلس العموم شاركت فيها ماي، إن بريطانيا شريكة في "جرائم حرب تقع في اليمن حسب الأمم المتحدة".

وذكر كوربن أن المستشارين العسكريين البريطانيين "يوجّهون المعارك"، بينما ركّزت رئيسة الوزراء البريطانية على القول إن "علاقاتنا تاريخية... ونرى إصلاحات في السعودية ونشجع ذلك".

بين "رؤية 2030" و"بريكست"

تمرّ بريطانيا بمرحلة حرجة وستتكبّد تكلفة اقتصادية كبيرة مع قرب خروجها من الاتحاد الأوروبي، في حين أطلقت الرياض خطة "رؤية السعودية 2030" الطموحة لإحداث نقلة في تاريخ المملكة تحرّر اقتصادها من الاعتماد على صادرات النفط.

ومن هنا، تجد لندن والرياض الظروف مناسبة لشراكة تساعد الأولى على تخطي أزمة "بريكست"، وتوفّر للثانية مساهمة شركات بريطانية في مشاريعها.

وحسب "بي بي سي"، هنالك احتمالات واردة بإبرام عقود واتفاقيات بمئة مليار دولار بين البلدين خلال هذه الزيارة. وأعرب وزير الخارجية البريطاني عن أمل بلاده في الحلول محل الولايات المتحدة بل حتى تجاوزها من حيث استقبال الاستثمارات السعودية التي تتجاوز 400 مليار دولار في الولايات المتحدة.

وقال رئيس مجلس الأعمال السعودي-البريطاني، المهندس ناصر بن محمد المطوع، إن بريطانيا، على مستويي الحكومة وقطاع الأعمال، تولي اهتماماً بالغاً بزيارة ولي العهد السعودي "بصفته أحد أبرز القادة العالميين".

وأضاف: "تعيش المملكة العربية السعودية أجواء تصحيح انتقالية، تتمثل في رؤية 2030 التي ستقفز بالحياة الاقتصادية والاجتماعية إلى العالمية... وفي المقابل، يحتّم خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عليها البحث عن شركاء مهمين، في مقدمتهم المملكة العربية السعودية. وهذا ما يفسر توالي الزيارات رفيعة المستوى من المسؤولين البريطانيين إلى السعودية، وفي مقدمتهم رئيسة الوزراء تريزا ماي".

مُصلح أم عكس ذلك؟

قاد بن سلمان سلسلة تغييرات لتحديث بلاده فاجأت العالم، ودعا إلى "الإسلام الوسطي المعتدل والمنفتح على جميع الأديان". ولكنه يواجه انتقادات تتعلق بملفات حقوق الإنسان.

طالب المدير التنفيذي لمنظمة هيومن رايتس ووتش كينيث روث حكومة بلاده بمساءلة السعودية عن انتهاكاتها في اليمن.

وتساءلت صحيفة "الغارديان": هل يبدو الرجل مُصلحاً أم دموياً؟، مشيرة إلى أنه أجرى إصلاحات، منها تغييرات لصالح المرأة، وأطلق حملة لمكافحة الفساد قُبض خلالها على 159 من أبرز رجال الأعمال والأمراء السعوديين، قبل أن يطلق سراحهم بعد دفعهم مبالغ مالية كبيرة.

وأضافت: "ما التغييرات التي أحدثها في السعودية؟ الناشط الحقوقي رائف بدوي ما زال متحجزاً، ورغم إعلانه تدمير أصحاب الآراء المتطرفة، لكن التشدد ما زال مُسيطراً على حياة المواطنين، التظاهرات ما زالت ممنوعة، النساء لم يحصلن على حريات مماثلة للرجل".

وتابعت: "قال إنه سيعمل على أن تكون الحرب في إيران قبل أن تكون في السعودية، لكنه يقاتل مليشيات الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن، وذلك بأسلحة بريطانية وأمريكية وأسترالية، في نزاع أدى إلى مقتل آلاف الناس، وآلاف الجوعى وآلاف الموتى بسبب الكوليرا".

ولفتت إلى أن بن سلمان قطع علاقات بلاده مع قطر وأخل بالسلام الإقليمي في المنطقة، بينما يعزز علاقاته مع بريطانيا والولايات المتحدة، اللتين تدعمانه وتتغاضيان عن انتهاكات حقوق الإنسان، خاتمةً تقريرها المصور بالقول: "بالنظر إلى كونه الحاكم القادم للمملكة... ما الذي يمكن أن يفعله بعد ذلك؟".

احتجاجات ضد الزيارة

تقول مجموعات حقوقية إن معدلات أحكام الإعدام تضاعفت منذ أن أصبح بن سلمان ولياً للعهد في يونيو الماضي، ففي الأشهر الثمانية الأولى بعد تسلمه هذا المنصب تم إعدام 133 شخصاً مقابل 67 أُعدموا في الأشهر الثمانية السابقة على ذلك.

وأطلقت منظمة "ريبريف"، ومقرها في لندن، حملة توقيعات بالتزامن مع زيارته إلى العاصمة البريطانية، لمطالبته بتخفيف أحكام صادرة ضد 18 شاباً، بسبب تظاهرهم ضد الحكومة، وأوضحت أن بعض هؤلاء صدرت بحقهم أحكام بالإعدام، وقد يكون البقية عرضة لنفس المصير أيضاً.

ويأتي هذا في وقت شارك المئات في تظاهرة أمام مقر الحكومة بوسط لندن، للاحتجاج على العمليات الحربية التي يقودها التحالف العربي الذي تقوده السعودية ضد الحوثيين في اليمن.

وانتقد البعض الانتهاكات الحقوقية التي ترتكبها السعودية، ونشروا صوراً لحملة إعلامية مضادة ترفض الترحيب بحفاوة ببن سلمان.

وطالب البعض ماي بتذكير بن سلمان بقضية رائف بدوي.


رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي