"نصر (من) الله"... عن محدّدات بناء شخصيّة القائد وإمكانيات توريث الكاريزما

"نصر (من) الله"... عن محدّدات بناء شخصيّة القائد وإمكانيات توريث الكاريزما

"الصور التي تُرينا العالم هي أيضاً ما يُعمينا عن النظر إليه". هذه الفكرة التي يقولها ريجيس دوبريه في كتابه "حياة الصورة وموتها" تنطبق بشكل ما على صورة القائد السياسي كما يراها محبّوه.

ـ يجلس بين أصدقائه متحدثاً بفخر عن ابنه ذي الثلاث سنوات الذي اعتاد تقبيل صورة الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله المزروعة بالقرب من مدخل المنزل الواقع في الضاحية الجنوبيّة لبيروت. الصورة، الممهورة بعبارة "لبّيك يا نصر الله"، هي أول ما يصادفه الداخل إلى المنزل وآخر ما تقع عينيه عليه عند المغادرة.

ـ يفاخر الرجل الخمسيني، الذي يعيش في قرية بقاعيّة نائية ذات غالبيّة مسيحيّة، بأنه المسيحيّ الذي "تزيّن منزله صورة لنصر الله... متر بمتر". من يراه يرصد شبهاً في الشكل بينه وبين نصر الله. نظاراته الطبيّة وطريقة تشذيب ذقنه تُظهران محاولاته للتماهي مع شكل "أبو هادي"، كما يحب تسميته، كما لو كان قريباً أو صديقاً.

ـ حين سألتها صديقاتها في الجامعة عن رجل الأحلام كيف تراه، أجابت دون تردّد: "أريده شبيهاً بالسيّد حسن". استدركت أن لا أحد يشبه الرجل بضحكته وعينيه وعفويته، وقالت "ربما في عالم آخر. ولكم هي محظوظة تلك التي تقترب من سيّد المقاومة، ولو أصبحت له خادمة".

ثلاثة مشاهد من ضمن مشاهد كثيرة لا يمكن حصرها توضح الصورة السحرية الأخاذة التي يمتلكها أمين عام حزب الله حسن نصر الله في وعي جمهوره ومحبّيه.

حالة حسن نصر الله تشكّل مادة خصبة للنقاش حول أساليب بناء صورة القائد ومأسستها واستخدامها كوسيط. وتعدّدت الدراسات حول دور السياقات الاجتماعية والسياسية والثقافيّة في بناء تلك صورته على مراحل، بدأت مذ اختير أميناً عاماً لحزبه عام 1992، خلفاً لعباس الموسوي الذي اغتالته إسرائيل في العام نفسه.

قبل أيام قليلة، تناقلت وسائل الإعلام العبرية تصريحاً ليعقوب باراك، الضابط الرفيع في سلاح البرّ الإسرائيلي، قال فيه إن اغتيال نصر الله يحقق انتصاراً حاسماً لإسرائيل في الحرب المقبلة.

لم يكن هذا التهديد جديداً في مضمونه، فقد تكرّر في مناسبات مختلفة قبل حرب تموز 2006 وبعدها، حتى أن تصفية نصر الله اعتُبرت أحد أهم أهداف تلك الحرب.

لكن مثل هذا التصريح، وبعيداً عن أبعاده (ثمة مَن اعتبره تهويلاً بحرب جديدة ومَن رأى أنه اعتراف بتعذّر هزيمة حزب الله عسكريّاً)، يعيدنا إلى محوريّة شخصيّة نصر الله في الحالة التي أنشأها حزبه وأهميّة البحث في مسار صناعتها وما آلت إليه اليوم.

وتفيد مراجعة مسار صعود نصر الله في الإجابة عن أسئلة متكررة على شاكلة: هل يعتمد نجاح حزب الله واستمراريته على كاريزما نصر الله أم أن الحزب الذي نجح في سدّ الفراغ الذي خلّفه اغتيال عباس الموسوي بنجاح، سيجد من يُكذّب المتخوفين من غياب نصر الله يوماً ما؟ وهل كاريزما الأمين العام لحزب الله هبة "إلهيّة" أم أنها نتيجة صناعة اجتماعيّة وثقافيّة وإعلاميّة متقنة؟

كاريزما القائد والدور المزدوج

في "دليل التسويق السياسي" (1999)، يقول كنوت بيرغمان ووُلفرام ويكرت "في الأوقات العصيبة، يساعد القائد الكاريزماتي على إعطاء معنى لاتجاهين: الموضوعي والعاطفي"، ليصبح "مديراً وقائداً".

نصر الله، كزعيم لحزب الله ورمز له، يلعب هذا الدور المزدوج. يساعده في ذلك كونه أول زعيم لحزب الله في عصر الميديا الحديثة.

وكما يمكن رؤية نصر الله، باعتباره نتاجاً للبيئة السياسية والإعلاميّة للحزب، تعتمد صورته الفريدة كذلك، حسب مديرة مركز "كارنيغي" سابقاً لينا الخطيب في دراستها "استراتيجية حزب الله في إدارة الصورة" (2012)، على كونها شخصيّة وسيطة (بالمعنى الإعلامي للكلمة) وعلى الكاريزما الحقيقية التي يمتلكها. ومن المفيد كما تقول الخطيب إيلاء الاهتمام بهذين الجانبين.

في ما يخص الوساطة الإعلاميّة (Mediation)، نلجأ هنا إلى جون كورنر وديك بيلس في كتاب "الميديا وإعادة تصميم السياسة". اعتبرا أن مشاريع الوساطة الشخصية السياسية تتجلى في ثلاث طرق مختلفة: الرمزية، الصوت والحركة. وكلها تتمحور حول الأسلوب: الرمزية في صورة القائد، والصوت في الطريقة التي يتكلم بها مع الجمهور (وما يقوله)، والحركة في ما يُقدِم عليه من إجراءات وتفاعلات (غالباً تجري هندستها). ونصر الله أظهر إتقانه للمستويات الثلاثة.

أما على مستوى الكاريزما، فقد قدّم مايكل هاكمان وكريغ جونسون (2004) قائمة تضمنت السلوكيّات الخمسة التي تجعل الأنصار يقعون تحت تأثير كاريزما الزعيم: امتلاك رؤية فريدة من نوعها لكنها قابلة للتحقق، التصرف بطريقة غير تقليدية، إظهار الاستعداد لمواجهة المخاطر، إظهار الثقة والخبرة، والقدرة الشخصية. مرة أخرى، حسب الخطيب، تطابق صورة نصر الله العناصر الخمسة جميعها.

أقوال جاهزة

شارك غردلا يزال حسن نصر الله يستثمر في رصيد إنجازات الحزب الماضية. مع ذلك تبقى الأسئلة مطروحة. ماذا إن غاب عن القيادة؟ هل سيجد الحزب شخصاً بالكاريزما نفسها؟

شارك غردحالة أمين عام حزب الله حسن نصر الله تشكّل مادة خصبة للنقاش حول أساليب بناء صورة القائد ومأسستها واستخدامها كوسيط

منذ تعيينه أميناً عاماً في مطلع التسعينيات من القرن الماضي، وتحديداً في الفترة التي أعقبت تحرير جنوب لبنان عام 2000 مروراً بالحرب مع إسرائيل عام 2006، نادراً ما غاب نصر الله عن الفضاء العام.

كانت إطلالاته الإعلاميّة تحظى بحفاوة مميّزة على الساحة الإعلامية اللبنانيّة عموماً، وليس فقط في وسائل الإعلام التابعة لحزبه (قناة المنار/ جريدة العهد/ إذاعة النور). يتم الإعلان عنها مسبقاً كحدث سياسي على درجة بالغة من الأهميّة، تقتضي متابعة طارئة واهتماماً شديداً. وفي بعض الأحيان، يخرج نصر الله وسط جمهوره مستعرضاً قوته في تحدي التهديدات الإسرائيلية باغتياله.

وهنا تشرح ليزا ويدين أهميّة الاستعراضات السياسيّة في تأمين رضى الجمهور وكسب ولائه عبر "ترسيخ الأفكار السياسية الهامة على الملأ". ودور الوساطة هذا، كان قد رأى ديك بيلز (2003) أنه يخلق إحساساً واهماً بالحميميّة بين الزعيم والقيادة، ويردم الفجوة التقليدية بين النخب والجماهير وبين الرسمي والشعبي.

ما يعزز ذاك الإحساس بالحميمية هو لغة مدروسة يستخدمها نصر الله في خطاباته: عربية فصيحة تظهره خطيباً مُفوّهاً، وأخرى عامية محببة، تتخللها النكات، تقرّب خطابه من كافة الشرائح.

وترى أستاذة الإعلام والاتصال السياسي في جامعة SOAS البريطانية دينا مطر أنه تمّ العمل على صناعة صورة نصر الله ومأسستها وتأكيد شرعيتها عبر استراتيجية اتصال سياسي معقدة ومتطورة، واكبت تطور حزب الله منذ صعوده عام 1982.

النشأة ومراحل القيادة

تفنّد مطر، في بحثها "نصر الله: صناعة الصورة والخطاب"، أبرز المحطات التي أسهمت في تكريس صورة نصر الله كقائد.

عند اغتيال الموسوي، كانت ثمة أصوات خائفة من وقع خسارة القائد على الحزب، لكن الموسوي كان عرّاب نصر الله في النجف حيث كان يدرس الشريعة.

تزامن اختيار نصر الله أميناً عاماً لحزبه مع تحوّل في صورة هذا الحزب من حركة مقاومة إسلامية تعمل خارج النظام اللبناني إلى حزب لبناني يلعب وفق القواعد السياسية اللبنانية. وأيّد نصر الله هذا التحوّل وشارك حزبه للمرة الأولى في الانتخابات النيابية عام 1992، وكانت الأولى بعد انتهاء الحرب الأهليّة.

كما بدأ نصر الله حملة هدفت إلى توسيع نطاق عمل حزب الله، تضمّنت تطوير الخدمات الاجتماعية والتعليمية والاتصالات في بيئته، فضلاً عن الاستثمار المكثف في مختلف المنابر الإعلامية.

أتت "عناقيد الغضب" ومجزرة قانا عام 1996 لتسلط الضوء على دور حزب الله الأساسي في ردع إسرائيل، وكرّست وسائله الإعلامية دوره السياسي في الدفاع عن لبنان ومحاربة رسائل الدعاية الإسرائيلية، حسب ما ذكرت زاهرة حرب في كتابها المنشور عام 2011 تحت عنوان: "قنوات المقاومة: دعاية التحرير، حزب الله ووسائل الإعلام" Channels of Resistance: Liberation propaganda, Hezbollah and the media.

بينما أعطى تفاهم نيسان، الذي اعتُبر انتصاراً لحزب الله، نصر الله مساحة تفاوضيّة أوسع.

بين ليلة وضحاها عام 1997، اكتسبت صورة نصر الله زخماً إضافياً. لم يكن أحد يعلم عن مشاركة نجله البكر هادي في القتال. ومع إعلان استشهاده، كتب كثر عن تضحية نصر الله بابنه، وعدم تفضيله على الآخرين (في مفاوضات تبادل الأسرى وجثامين الشهداء)، مستحضرين قادة عرب يُغرقون أبناءهم في النعيم والدلال، ويرسلون عامة الشعب إلى القتال.

عزّز ذلك صورة تواضع نصر الله وزهده. هو ابن بائع الخضار المولود في منطقة برج حمود الشعبية، ويقضي حياته في مخبئه الدائم، يفضل النوم على فراش صوفي أرضاً، ولا ينعم برفاهية الحياة كالقادة الباقين، وكل ذلك من أجل "الدفاع عن كرامة لبنان".

وشكّل عام 2000 نقطة التحول المفصلية، مع تحرير جنوب لبنان من الاحتلال الإسرائيلي. احتفل الحزب الذي تمكن من إجبار إسرائيل للمرة الأولى على الانسحاب من أرض عربية بـ"النصر التاريخي". وألقى نصر الله خطاب النصر على آلاف المحتشدين في مدينة بنت جبيل الحدودية.

وفي حرب 2006، بقيت عبارة "أنظروا إليها تحترق" حاضرة لفترة طويلة كدليل على وفاء الرجل بوعوده.

الحرب الأخيرة كان قد سبقها اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، ما أثار نعرات مذهبية في لبنان وطرح سلاح المقاومة على طاولة البحث، لكنها أتت لتشكّل آخر محطات الانتصار "التاريخية" لحزب الله.

أسهمت الحرب في تحويل نصر الله إلى قائد عربي بامتياز، ودخلت صوره إلى منازل عرب كثر. "رغم أن لبنان تكبّد ضحايا بشرية ومادية باهظة، نجح نصر الله في تكريس "النصر الإلهي" في تلك الحرب، ووعد بإعادة ضاحيته (ضاحية بيروت الجنوبية) أفضل مما كانت"، كتب نيل ماكفاركوهاروغ في "نيويورك تايمز" حينذاك، معتبراً أن نصر الله تفوق على عبد الناصر وصدام حسين وياسر عرفات في حربه ضد إسرائيل باعتباره "القائد الذي يفي بوعوده".

ترافق ذلك مع استثمار هائل للنصر الإلهي في أناشيد المقاومة التي بُثّت بشكل متكرر مرفقة بمقاطع من خطابات نصر الله، وخُلقت حالة غنائية/ شعرية عابرة للحزب، كما حصل مع غناء جوليا بطرس لرسالة "أحبائي" التي أرسلها نصر الله إلى "المجاهدين"، وقصائد الشاعر عمر الفرا الشعبية.

نجح نصر الله في أن يكون "واحداً منا" وفي الوقت عينه في أن يصبح "العادي الاستثنائي"، تقول لينا الخطيب، لافتة إلى حادثة المواطنة اللبنانية ريم حيدر التي قالت خلال حرب تموز إن حلمها الحصول على عباءة السيّد التي تعرّق بها وهو يحميها ويحمي أولادها. أرادت أن تعطي للجميع حصة من ذاك العرق الذي يحمل العزة والكرامة، كما قالت.

أرسل إليها السيّد العباءة، ووُثقت القصة في فيديو أنتجته قناة المنار تحت عنوان "العباءة". بدت حيدر وهي تحمل هديتها القيمة في ما يشبه الرغبة الإيروتيكية، حسب وصف لينا الخطيب. ظهرت حيدر، ومعها نساء كثيرات، أكثر انصهاراً بنصر الله: كرجل وكفائق للطبيعة وشبه مقدّس.

تحديّات الكاريزما

بعد أسابيع على انتهاء الحرب، بدأ حزب الله يواجه تحدياً جديداً، مع اتهام أعضاء منه بالتورط في اغتيال الحريري. ثم أتت أحداث 7 أيار عام 2008 لتزيد من حدّة الكلام عن ضرورة سحب سلاح حزب الله.

بموازاة ذلك، نشطت الحملات الإعلامية للتأكيد على دعم بيئة المقاومة لحزب الله وعلى وجوده كمكوّن سياسي لبناني فاعل، بموازاة كينونته كحركة مقاومة ضد إسرائيل.

ما ساعد نصر الله سابقاً على تجاوز الموروثات السياسية والأيديولوجية في لبنان، بدا أقل تأثيراً مع بدء الانتفاضات العربية. تخطى الحزب مراحلها الأولى في تونس ومصر، ثم البحرين، بأقل خسائر ممكنة، لكنه دخل لاحقاً في المستنقع السوري الذي هزّ مصداقيته وصورة نصر الله كزعيم عربي.

وزاد من تلك التحديات انعكاس مشاركته في سوريا على الداخل اللبناني، وتبعاتها على النسيج الاجتماعي ضمن بيئته، إذ فرضت الحرب السورية الممتدة والطاحنة تعبئة مذهبيّة أشدّ وطأة من تلك العقائدية التي كان يعتمدها حزب الله للحشد ضد إسرائيل، وأثرت سلباً على شخصية-هيبة المقاتل لديه والتي كان هذا الحزب قد نحتها بحرص شديد، وتباهى بها طويلاً (أخلاقيات المقاتل وسريّة العمل).

وسط هذه التحديات، لا يزال نصر الله يستثمر في رصيد إنجازات الحزب الماضية. مع ذلك تبقى الأسئلة مطروحة. ماذا إن غاب نصر الله عن القيادة؟ هل سيجد الحزب شخصاً بالكاريزما نفسها؟

ما سبق يُظهر أن القائد وكاريزماه قابلان للصناعة، ولكنه يظهر كذلك أن الظروف تلعب دوراً مفصلياً في تلك الصناعة، فالقائد المحتمل الذي فاتته مراحل النصر التاريخية هل يمكن أن يكون له التأثير نفسه حين يستلم حزباً يصارع أزماته الداخلية والخارجية؟


هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

التعليقات

المقال التالي