ما وراء فيلم زياد عيتاني "الهوليوودي"... مخالفو "العقل الأمني" متهمون بالعمالة حتى تثبت براءتهم

ما وراء فيلم زياد عيتاني "الهوليوودي"... مخالفو "العقل الأمني" متهمون بالعمالة حتى تثبت براءتهم

بعد أكثر بقليل من ثلاثة أشهر على توقيف الممثل المسرحي اللبناني الشاب زياد عيتاني بتهمة "التخابر والتواصل والتعامل مع العدو الإسرائيلي"، انقلبت الرواية رأساً على عقب لننتقل من رواية شاب يتعامل مع العدو إلى قصة بوليسية بطلتها قيادية أمنية فبركت ملفاً من أجل الترقّي الوظيفي.

أي شخص في هذا البلد يمكن أن يذهب ضحية مؤامرة بوليسية. المطلوب بسيط: نافذ يقرر أذيتك، صحافي يسوّق لرواية النافذ، والرأي العام الجاهز لتلقف أية رواية، وللعب دور القاضي، خاصة إذا كانت التهم بوليسية-بورنوغرافية.

المعلومات الحديثة المنتشرة تتحدث عن قيام المقدّم في قوى الأمن الداخلي سوزان الحاج حبيش بفبركة ملف لعيتاني من خلال توظيف هاكرز لاختراق حساباته على وسائل التواصل الاجتماعي وخلق اتصالات بينه وبين شخصية وهمية جرى تعريفها على أنها إسرائيلية تريد تشغيله، وأُعطيت اسماً هو "كوليت فيانفي".

والقصة، بحسب المعلومات الحديثة، قصة انتقام من عيتاني الذي أخذ "سكريت شوت" للايك وضعته الحاج، في أكتوبر الماضي، على تغريدة للمخرج شربل خليل يسخر فيها من قرار السماح للمرأة السعودية بقيادة السيارة، ما تفاعل وتسبب بخسارتها وظيفتها على رأس مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية في قوى الأمن الداخلي.

ولكن، لمزيد من التراجيديا، وبحسب معلومات، فإن الحاج أخطأت في تحديد هوية الشخص الذي تريد استهدافه، فمن وثّق إعجابها بتغريدة خليل ليس الشاب المسرحي زياد عيتاني بل مدير موقع "أيوب نيوز" الإلكتروني المقرّب من اللواء أشرف ريفي والذي يحمل نفس الاسم.

وأخيراً، وبعد نقل ملف التحقيق من المديرية العامة لأمن الدولة إلى شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي، بتدخل من سياسيين، ظهرت معطيات جديدة. والآن، سوزان الحاج موقوفة بناء على إشارة قضائية للاشتباه بتلفيقها الملف برمّته.

أبعد من تهمة "شخصية"

قضية تلفيق ملف أمني لمواطن لبناني قضية خطيرة جداً، ولكن اللافت في قضية زيادة عيتاني، أن المُلفّقين لم يكتفوا بذلك، هم المعتادون على حصد الضحايا بالمئات. لم يرضوا بضحية واحدة واتجهوا إلى شيطنة شريحة واسعة من اللبنانيين العاملين في المجال العام، وهذا ليس بريئاً البتّة بل هو في صلب القضية.

ما ينبغي مساءلته الآن، هو العقل الأمني الذي حبك رواية "عمالة" عيتاني.

كان يمكن أن تكتفي القصّة الملفّقة بالحديث عن شاب جنّدته إسرائيل للقيام بعمل أمني. ولكن لا. لم يكتفِ عقل الملفّق بذلك. حبك قصّة عن طلب "الموساد" من عيتاني "العمل على تأسيس نواة لبنانية تمهّد لتمرير مبدأ التطبيع مع إسرائيل، والترويج للفكر الصهيوني بين المثقفين" (بيان أمن الدولة بتاريخ 25 نوفمبر)، وجرى تداول أسماء إعلاميين قيل إنهم "كانوا أهدافاً سعى عيتاني إلى التقرّب منها بغية جمع المعلومات عن توجّهاتهم السياسيّة والحزبيّة" (بيان أمن الدولة بتاريخ 28 نوفمبر).

أقوال جاهزة

شارك غردأي شخص في لبنان يمكن أن يذهب ضحية مؤامرة بوليسية. المطلوب بسيط: نافذ يقرر أذيتك، صحافي يسوّق لرواية النافذ، والرأي العام جاهز...

شارك غردملفّقو قضية زياد عيتاني لم يكتفوا بأذيته كشخص. اتجهوا إلى شيطنة شريحة واسعة من اللبنانيين. لذلك، ما ينبغي مساءلته الآن، هو العقل الأمني الذي حبك الرواية

وهكذا، يتوسّع أذى القنبلة التلفيقية الانشطارية فلا تصيب شخصاً واحداً فقط بل تطال مجموعة واسعة من أصحاب آراء فكرية وسياسية تخالف آراء العقل الأمني الملفّق.

ففي الرواية الصحافية البوليسية التي نسبها كاتبها إلى مصادر، أبلغت كوليت عيتاني بأن "عليه اختيار أهدافه على أساس توجهاتهم اللاعنفية وأن يكونوا متحررين وليبراليين وداعمين للسلام في الشرق الأوسط. أما الغاية فكانت جمعهم في تيار سياسي وإعلامي فاعل يروّج للسلام والحل على أساس إقامة دولة فلسطينية، ولاحقاً التطبيع مع إسرائيل".

"بووم". كل لاعنفي ومتحرّر وليبرالي صار في دائرة الاتهام.

وفيها أيضاً أنها أبلغته "أنها ستقوم بحجز إقامة في فندق البستان لتنزل فيه... بمعية شخص سيقوم بمساعدته وتدريبه وتطوير مهاراته الأمنية".

"بووم" ثانية. منظمات المجتمع المدني التي تُجري تدريبات صارت أيضاً في دائرة الاتهام. فاختيار اسم فندق البستان ليس بريئاً لأنه مكان كثيراً ما تستأجره هذه المنظمات لتنظيم ورش عمل.

أما في الرواية الثقافية البوليسية، فجاء: "إن الثقافة، كما نردد منذ سنوات من دون أن نلاقي آذاناً مصغية، مجال صراع حيوي واستراتيجي يوازي في خطورته المواجهة العسكريّة. فهل نسمح بتحويل الابداع والمبدعين إلى حصان طروادة لاختراق قلعة الوعي الوطني... بعد اعترافات زياد عيتاني... سنكون أكثر شراسة وارتياباً".

"بووم" ثالثة. مواجهة أصحاب الرأي المخالق لا تقل أهمية عن المواجهات العسكرية، وفيها كل شيء مبرّر.

تسلسل "المؤامرة"

بأعصاب باردة جرى كل شيء. ألقت المديرية العامة لأمن الدولة القبض على عيتاني في 23 نوفمبر الماضي "بعد الرصد والمتابعة والاستقصاءات على مدار شهور داخل الأراضي اللبنانية وخارجها، وبتوجيهات وأوامر مباشرة من المدير العام، اللواء طوني صليبا"، بحب بيان أصدرته.

سُجّلت له اعترافات "بالصوت والصورة" أقرّ فيها بما نُسب إليه، وقال محاميه إنها انتُزعت تحت التعذيب. أُحيل على القضاء في 28 نوفمبر. ادعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي بيتر جرمانوس عليه في 29 نوفمبر بجرم التعامل مع إسرائيل، وحيازة المخدرات وأحاله على قاضي التحقيق العسكري الأول رياض أبو غيدا. مثل أمام قاضي التحقيق وتراجع عن "اعترافاته".

في الثاني من آذار، أوقفت سوزان الحاج، إلا أنه حتى الآن، يبدو أن الصراع بين المديرية العامة لأمن الدولة وبين شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي لم يُحسَم. فوزير الداخلية اللبنانية نهاد المشنوق غرّد قائلاً: "كل اللبنانيين يعتذرون من #زياد_عيتاني. البراءةُ ليست كافية"، معلناً براءة عيتاني.

ولكن قبل ساعات قليلة من ذلك، أصدرت المديرية العامة لأمن الدولة بياناً قالت فيه إن "إثارة قضيّة عيتاني من جديد، في هذا التوقيت المتزامن مع اقتراب الاستحقاقات النيابية، هي خدمة كُبرى لإسرائيل يُسديها أطراف وجهات مشكوك بانتمائها الوطني وبثقتها بالمديريّات الأمنية".

المرجّح أن يُفَكّ أسر زياد عيتاني قريباً. ستنتهي قضية الشخص ولكن ستستمر قضية أشخاص كثيرين "يرتاب" عقلٌ أمني-ثقافي بهم و"يستشرس" لتشويه سمعتهم.


حسن عباس

محرر القسم السياسي في رصيف22. كاتب وصحافي لبناني متخصص في الشؤون السياسية. قبل رصيف22، عمل وكتب في مؤسسات إعلامية لبنانية ودولية عدّة، وأجرى أبحاثاً تركّز على كيفية تحقيق الاستقرار في مجتمع متنوّع. يمكن التواصل معه عبر فيسبوك وتويتر.

التعليقات

المقال التالي