العالم فشل في وقف "جحيم" الغوطة ولم ينجح سوى في "إدارة" عمليات القتل

العالم فشل في وقف "جحيم" الغوطة ولم ينجح سوى في "إدارة" عمليات القتل

خفت صوت الانتقادات لما يجري في غوطة دمشق الشرقية بشكل كبير بعد فترة سمعنا فيها من مسؤولين دوليين عبارات مثل "مذبحة"، "إبادة وحشية"، "جحيم على الأرض"، "أقبح وجه للإنسانية"، "ذبح المدنيين بشكل جماعي من أجل تنفيذ أهداف سياسية وعسكرية"... يبدو أن الأغلبية رضيت بقرار مجلس الأمن الأخير الذي حوّل "الجحيم" إلى ميدان للقتل المنظّم.

شبح الموت فوق الغوطة

76 شخصاً بينهم 21 طفلاً و13 مواطنة قُتلوا في الغوطة الشرقية بعد صدور قرار مجلس الأمن الدولي، في 24 فبراير، والعشرات أصيبوا، ليصل عدد ضحايا القصف الذي يستهدف المنطقة منذ 18 فبراير إلى 611 قتيلاً بينهم 149 طفلاً و89 مواطنة (حتى مساء الأول من آذار).

لم يتوقف القصف ولم يبتعد شبح الموت عن أبناء الغوطة. كل ما جرى هو موافقة الروس على هدنة يومية لمدة خمس ساعات يومياً فقط، من الساعة التاسعة صباحاً حتى الساعة الثانية من بعد الظهر، وبدأ سريانها في 27 فبراير، من أجل تسهيل وصول المساعدات إلى المدنيين وفتح ممر إنساني لخروجهم.

استخدام التفاهمات الدولية

نجح الروس في إدارة سير المعارك العسكرية على الأرض السورية لصالحهم من خلال آلية مناطق "خفض التوتر" التي اتفقوا عليها في أستانا مع تركيا وإيران في العام الماضي. فالغوطة الشرقية كانت إحدى هذه المناطق، وسمح اتفاق أستانا للنظام السوري وحلفائه بالحفاظ على نوع من الهدوء في هذه المنطقة إلى حين استكمال استعداداتهم للسيطرة عليها.

وكان الموعد المناسب الذي ارتأوه هو 18 فبراير حين فتحوا أبواب الجحيم على مدنيي الغوطة، بالتزامن مع تعزيزات عسكرية استُقدمت إلى المنطقة لخوض معركة السيطرة عليها بقيادة العميد في قوات النظام سهيل الحسن، الملقّب بـ"النمر". والحجّة: توفير الأمن لأبناء دمشق وضواحيها الخاضعة لسيطرة النظام من قذائف فصائل الغوطة الشرقية (سقط 122 قتيلاً بسبب هذه القذائف، بينهم 18 طفلاً و14 مواطنة، منذ 16 نوفمبر 2017، إضافة إلى أصابة أكثر من 663 شخصاً).

وبعد سقوط أكثر من 500 قتيل، أثار موتهم موجة غضب دولية عارمة، اتجه الروس نحو تخفيف الاحتقان من خلال الموفقة على قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2401، ولكن بعد تطويعه لصالحهم.

نص القرار في فقرته الأولى على "وقف الأعمال العدائية دون إبطاء... لمدة لا تقل عن 30 يوماً متتالية في جميع أنحاء سوريا". ولكنه ترك مجالاً لاستمرار العملية العسكرية من خلال تأكيده أن وقف الأعمال العدائية لا ينطبق على العمليات العسكرية ضد "داعش، والقاعدة، وجبهة النصرة، وجميع الجماعات الأخرى، والمشاريع والكيانات المرتبطة بالقاعدة أو داعش، وغيرها من الجماعات الإرهابية، كما حددها مجلس الأمن".

وكان استثناء المجموعات التي وصفها بأنها "مشاريع وكيانات مرتبطة بالقاعدة أو داعش" قد أضيف على مشروع أولي للقرار لتفادي الفيتو الروسي.

كما ترك القرار لطرفي الصراع الاتفاق "على حالات التوقف الإنسانية وأيام الهدوء، ووقف إطلاق النار والهدنة المحلية"، واضعاً المزيد من أوراق القوة في يد الروس، الطرف الأقوى عسكرياً على الأرض السورية.

ومن هنا، لم يكن غريباً أن يخرج، مباشرة بعد صدور القرار، رئيس أركان الجيش الإيراني الجنرال محمد باقري ليقول إن "أجزاء من ضواحي دمشق التي يسيطر عليها إرهابيون غير مشمولة بوقف إطلاق النار و(عمليات) التطهير ستستمر هناك".

أقوال جاهزة

شارك غردخفت صوت الانتقادات لما يجري في غوطة دمشق الشرقية بشكل كبير... يبدو أن الأغلبية رضيت بقرار مجلس الأمن الأخير الذي حوّل "الجحيم" إلى ميدان للقتل المنظّم

شارك غرديبدو أن النظام السوري سائر نحو تنفيذ السيناريو الذي رسمه في حمص وحلب: السماح بإدخال مساعدات أقل من حاجة السكان والسعي إلى تفريغ الغوطة الشرقية من أكبر عدد ممكن من المدنيين

عملياً، لم يحمِ قرار مجلس الأمن أي فصيل معارض مسلّح وازن. فحتى جماعتا أحرار الشام وجيش الإسلام وصفهما وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بأنهما شركاء لجبهة النصرة.

وكان المركز الروسي لمراقبة وقف إطلاق النار في سوريا والذي يديره الجيش الروسي قد قال قبل أيام من إصدار مجلس الأمن قراره إن المحادثات مع المسلحين لإنهاء العنف انهارت، لأن "الدعوات التي وجهها المركز... إلى الجماعات المسلحة غير القانونية في الغوطة الشرقية لوقف المقاومة وإلقاء سلاحها وتسوية وضعها لم تسفر عن أية نتائج"، وهذا يكشف بوضوح النتيجة التي يسعى الروس إلى تحقيقها من معركة الغوطة الشرقية.

وليس استخدام الروس للقرارات الدولية لصالحهم سراً لا يعرفه أحد. فقد اتهم قائد القيادة المركزية الأمريكية جوزيف فوتيل موسكو بأنها "تلعب دور كل من مشعل الحريق ورجل الإطفاء، إذ تشعل التوترات بين كل الأطراف في سوريا... ثم تلعب دور المحكم لحل النزاعات في محاولة لتقويض وإضعاف المواقف التفاوضية لكل طرف".

ولكن لا يوجد أي طرف دولي يريد وضع ثقله في الميدان الروسي كما تفعل روسيا، ولذلك يكتفي الجميع بتفاهمات على إدارة الموت بشكل لا يثير الغضب العارم.

معركة الغوطة

واللافت أن الاشتباكات البرية لم تبدأ إلا بعد صدور قرار مجلس الأمن، في استراتيجية ربما أُريد منها تأمين غطاء دولي للمهاجمين من قوات النظام والميليشيات المتحالفة معها.

فهذه الاشتباكات بدأت في 25 فبراير، حين راحت قوات النظام السوري والميليشيات المتحالفة معها تتقدّم لتحقيق مكاسب على الأرض، فالتحمت مع جيش الإسلام على محاور في القطاع الجنوبي الشرقي من الغوطة الشرقية، ومع جيش الإسلام وحركة أحرار الشام الإسلامية على محاور في البساتين الممتدة بين حرستا ودوما، ومع فيلق الرحمن على محاور في حي جوبر الدمشقي ومحاور أخرى في عين ترما.

وتتزامن هذه الاشتباكات مع استمرار عمليات قصف مناطق الغوطة الشرقية المختلفة لمدة 19 ساعة يومياً (باستثناء ساعات الهدنة الخمس شبه الهادئة).

ويشبه سيناريو الهجوم الحالي على الغوطة الشرقية سيناريوهي السيطرة على مدينتي حمص وحلب. الاستراتيجية نفسها اعتمدت: قصف عنيف يدفع المدنيين إلى الرغبة في الفرار من مناطقهم هرباً من الموت وخلق نزاعات بين المدنيين وبين الفصائل المقاتلة التي ترفض توقيع اتفاقيات مصالحة مع النظام.

حالة إنسانية حرجة

حتى اللحظة، لم تصل الإمدادات الإغاثية إلى حوالي 400 ألف مدني يعيشون في الغوطة االشرقية المحاصرة منذ عام 2013، في ظل معاناة من نقص حاد في المواد الغذائية والطبية، خاصة مع تضرر 10 مراكز طبية وإسعافية ومستشفيات في موجة القصف الأخيرة.

هدنة الخمس ساعات الروسية لا تكفي. "من المستحيل إدخال قافلة إنسانية في خمس ساعات. لدينا خبرة طويلة في جلب المساعدات عبر خطوط القتال في سوريا ونحن نعرف أن مجرد المرور من نقطة تفتيش قد يستغرق ما يصل إلى يوم على الرغم من موافقة كل الأطراف مسبقاً. ثم يتعيّن عليك تفريغ حمولة السلع"، قال مدير إدارة الشرق الأوسط باللجنة الدولية للصليب الأحمر روبرت مارديني.

الآن، يبدو أن النظام السوري سائر نحو تنفيذ السيناريو الذي رسمه في حمص وحلب: السماح بإدخال مساعدات أقل من حاجة السكان والسعي إلى تفريغ الغوطة الشرقية من أكبر عدد ممكن من المدنيين، لأن تقلص عدد المدنيين المحاصَرين هنالك سيدفع المجتمع الدولي إلى الترحيب بتسوية على حساب المجموعات المسلحة وبعض المدنيين المتبقّين.

وسيكون ذلك سهلاً في ظل الدمار الواسع الذي أصاب الغوطة الشرقية، نتيجة القصف الذي يطالها منذ فترة طويلة. فقد أظهر تحليل صور جوية نشره معهد الأمم المتحدة للتدريب والبحث (UNITAR) في الأول من مارس واقع الدمار الحديث الذي لحق بمساحة 62.5 كيلومتراً مربعاً من الغوطة الشرقية، في الفترة الواقعة بين الثالث من ديسمبر 2017 و23 فبراير 2018.

وبيّن المسح أن أضراراً جسيمة طالت 29% من هذه المنطقة في الفترة المذكورة، إذ دُمّرت المباني بشكل كامل أو تضررت بشدة، وأضراراً محدودة طالت 24% منها.

لذلك، يركّز الروس على دعاية قصف فصائل المعارضة لممر خروج المدنيين، وقتل مسلحيها لأشخاص يحتجّون للمطالبة بتسهيل خروجهم، ولعلّها صحيحة فهؤلاء يعرفون أن خروج المدنيين يعني نهايتهم ما يدفعهم إرادياً أو بغير إرادتهم إلى استخدام الناس كرهائن ودروع بشرية.


حسن عباس

محرر القسم السياسي في رصيف22. كاتب وصحافي لبناني متخصص في الشؤون السياسية. قبل رصيف22، عمل وكتب في مؤسسات إعلامية لبنانية ودولية عدّة، وأجرى أبحاثاً تركّز على كيفية تحقيق الاستقرار في مجتمع متنوّع. يمكن التواصل معه عبر فيسبوك وتويتر.

التعليقات

المقال التالي