الحكومة المصرية في مواجهة وسائل الإعلام الأجنبية... دفاع عن المهنية أم تقييد للحريات؟

الحكومة المصرية في مواجهة وسائل الإعلام الأجنبية... دفاع عن المهنية أم تقييد للحريات؟

أثار وثائقي بثته هيئة الإذاعة البريطانية BBC، في 23 فبراير الماضي، جدلاً كبيراً في مصر، وذلك بعدما أشار إلى حالة شابة مصرية تدعى "زبيدة"، قالت أمها إنها اختفت قسراً منذ عشرة أشهر، قبل أن تظهر الفتاة في أحد البرامج الحوارية وتنفي الواقعة من أساسها.

وفي اليوم التالي، نشرت الهيئة العامة للاستعلامات التابعة لرئاسة الجمهورية بياناً "يفنّد أكاذيب بي بي سي"، تحدثت فيه عما وصفته بـ"تناقضات وانحياز سلبي، وانتهاك لكل المعايير المهنية في مجال الصحافة والإعلام"، داعيةً المسؤولين المصريين وقطاعات النخبة إلى مقاطعة هذه الوسيلة الإعلامية.

وتبع ذلك إصدار النائب العام المصري قراراً بمتابعة وضبط وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي التي تبث الأكاذيب والأخبار غير الحقيقية، مرجعاً ذلك إلى "محاولة قوى الشر النيل من أمن وسلامة الوطن"، لترد بي بي سي بأنها "ستناقش الشكوى بشأن الوثائقي مع السلطات المصرية في الأيام المقبلة".

هذه الواقعة لم تكن الأولى من نوعها. سبقتها وقائع مشابهة واجهت فيها الحكومة، ممثلة في الهيئة العامة للاستعلامات بشكل أساسي، وسائل إعلام أجنبية، لنفي أو تصحيح معلومات نشرتها الأخيرة في تقارير وتغطيات صحافية. وزادت حدة التوتر بين الطرفين، في ظل تراجع مؤشر حرية الصحافة في مصر خلال العام الماضي.

تضارب أرقام "حادث الواحات"

في بيان لها، أدانت "هيئة الاستعلامات" تغطية وكالة رويترز وشبكة بي بي سي، لحادث الواحات الإرهابي في أكتوبر الماضي، بسبب نشرهما أرقام قتلى الشرطة استناداً إلى مصادر أمنية غير محددة، إذ قالت الأولى إن عددهم بلغ 52 قتيلاً، وذكرت الثانية أنهم 53، بينما حصرت الرواية الرسمية التي أعلنتها وزارة الداخلية، عصر اليوم التالي للحادث، عدد ضحايا الاشتباكات بـ16 فرداً من قوات الشرطة المصرية، بينهم 11 ضابطاً.

وردت وكالة رويترز على انتقاد الحكومة المصرية لتغطيتها للحادث قائلة إن "ثلاثة مصادر أمنية أبلغت رويترز أن ما يصل إلى 52 من الشرطة قُتلوا في اشتباكات أطلق فيها المسلحون صواريخ على قافلة للشرطة"، وهو ما أكدت عليه أيضاً بي بي سي في تقرير لها عن هذا الاعتداء.

ولكن "هيئة الاستعلامات" واصلت انتقادها تغطية رويترز وبي بي سي، وخاطب رئيسها ضياء رشوان الوسيلتين الإعلاميتين طالباً منهما القيام بأحد أمرين: إما نفي ما سبق نشره من أرقام والاعتذار عن عدم دقتها، أو إثبات صحتها بنشر أسماء "هذا العدد الكبير من الضحايا المزعومين".

ولوحظ بعد ذلك أن الوسيلتين راحتا تعتمدان الأرقام الرسمية خلال التغطيات اللاحقة.

"تسريبات" نيويورك تايمز

في يناير الماضي، نشرت صحيفة نيويورك تايمز تقريراً للصحافي ديفيد كيركباتريك، قال فيه إنه حصل على تسريبات لمكالمات بين ضابط مخابرات مصري يُدعى أشرف الخولي وشخصيات إعلامية وفنية، لإعطائهم تعليمات بشأن توجه الدولة في ما يخص قرار نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس.

أقوال جاهزة

شارك غردقبل البي بي سي، وقعت خلافات بين السلطة المصرية وبين رويترز ونيويورك تايمز... هل هناك "استهداف ممنهج لمصر"؟

شارك غردصراع على تغطية وسائل الإعلام الأجنبية للشؤون المصرية... هل يحاول النظام المصري دائماً استغلال أخطاء الإعلام الأجنبي، للترويج لفكرة "استهداف الدولة المصرية"؟

انتقدت الهيئة العامة للاستعلامات هذا التقرير، وقالت إنه لم يقدّم للقراء أدنى دليل على أن هذا الشخص ينتمي إلى المخابرات المصرية، قبل أن تُلحق ذلك ببيان آخر تنفي فيه وجودة شخص في جهاز المخابرات يدعى "النقيب أشرف الخولي".

واقعة أخرى مشابهة حدثت بعدما نشرت الصحيفة تقريراً في فبراير قالت فيه إن إسرائيل نفّذت خلال عامين أكثر من 100 ضربة جوية داخل الأراضي المصرية بموافقة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، إذ ردّ المتحدث العسكري العقيد تامر الرفاعي على هذه المعلومات نافياً صحتها، في تصريحات صحافية، ولكنه لم يصدر بياناً رسمياً بذلك.

أخطاء أم تجاوزات؟

"انحياز منهجي". هكذا وصف الخبير الإعلامي ياسر عبد العزيز الأداء الإعلامي لهيئة الإذاعة البريطانية تجاه مصر، إذا قال إن الأخطاء التي ترتكبها المؤسسة في تغطيتها للشؤون المصرية أصبحت متكررة وتصب في اتجاه واحد وهو اتجاه "الإضرار بموقف الحكومة المصرية".

وأضاف عبد العزيز لرصيف22: "كباحثين نرى أن هذا الاتجاه يُتّخذ عن عمد لأن وسائل الإعلام يمكن أن تخطئ ولكن هذه الأخطاء يجب أن تحدث في جميع الاتجاهات وليس في اتجاه واحد"، متابعاً: "بفحص الوثائقي الأخير بحسب دليل الإرشادات التحريرية الصادر عن هيئة الإذاعة البريطانية نجد أنه منحاز بشدة وينطوي عن مخالفات مهنية واضحة".

في السياق ذاته، رأى الصحافي الألماني فولكهارد فيندفور، رئيس جمعية المراسلين الأجانب في مصر، أنه سواء وقعت المؤسسة الإعلامية في خطأ مهني عن عمد أو لا، فالمشكلة في الخطأ ذاته، مؤكداً لرصيف22 أن القانون هو ما يحكم أي خلاف بين المؤسسات الإعلامية والحكومات في الدول الديمقراطية.

على الجانب الآخر، يرى مقرر لجنة الحريات السابق بنقابة الصحافيين المصريين خالد البلشي أن الأخطاء المهنية واردة في أية مهنة، وهذا لا ينفي أن هناك مسؤولية تجاه المؤسسات التي تخطئ، ولكن تضخيمها يهدف من وجهة نظره إلى "الطعن في الإعلام".

وأكد البلشي لرصيف22 أن حل المشكلة لن يأتي بدعوات المقاطعة، ولكن بمنح المزيد من الشفافية وبحرية إتاحة المعلومات، وليس بافتعال معارك هدفها "إيصال رسالة بأن المساحات المتبقية للإعلام لن تكون موجودة"، على حد وصفه.

وأشاد أستاذ الصحافة في الجامعة الأمريكية بالقاهرة حسين أمين برد "بي بي سي" على بيان النائب العام الأخير، مؤكداً لرصيف22 أنه رغم وقوع هيئة الإذاعة البريطانية وغيرها من المؤسسات الأجنبية في أخطاء، إلا أن الحوار هو أفضل طريقة لتجاوز هذه الأخطاء، بعيداً عن دعوات المقاطعة.

النظام يستفيد؟

يتعرّض النظام المصري للعديد من الانتقادات من منظمات حقوقية، كان آخرها مطالبة منظمة "هيومن رايتس ووتش" السلطات المصرية بالإفراج فوراً عمّن وصفتهم بأنهم أشخاص "اعتُقلوا بسبب انتقاد السلطة أو مشاركتهم في نشاط سلمي، وإسقاط تصنيفهم على لوائح الإرهاب".

ورأى عبد العزيز أن الأخطاء المهنية التي تقع فيها المؤسسات الإعلامية الأجنبية تخدم الحكومة، وتعزز ذرائع معسكر الموالاة، مضيفاً أنها تقدّم "خدمة جليلة للحكومة المصرية".

وأضاف لرصيف22: "قرار النائب العام إذا أتى في ظرف طبيعي لكان من الواجب توجيه النقد له، لأنه يضغط على هامش الحريات، ولكنه جاء في سياق مواجهة الحكومة المصرية للأخبار المفبركة وأنماط التغطية المنحازة".

أما البلشي، فيؤكد أن النظام يحاول دائماً استغلال أخطاء الإعلام الأجنبي، للترويج لفكرة "استهداف الدولة المصرية"، موضحاً أنه من الطبيعي أن تبرز هذه الوسائل تجاوزات تُتهم فيها الحكومة مثل التعذيب والاختفاء القسري.

سيناريو الحجب

في تقرير لها، في ديسمبر الماضي، رصدت مؤسسة حرية الفكر والتعبير ارتفاع عدد المواقع المحجوبة في مصر إلى 496 موقعاً على الأقل منذ مايو 2017، من بينها مواقع صحف ومواقع إخبارية، وأخرى موالية لجماعة الإخوان المسلمين، ومنظمات حقوقية مثل موقع "هيومن رايتس ووتش".

وفي ظل التوتر الذي تشهده العلاقة بين الحكومة المصرية والمؤسسات الإعلامية الأجنبية، هل تلجأ الأولى إلى حجب المزيد من المواقع أو إغلاق مكاتب لقنوات وصحف كبيرة؟

"مصر تواجه تحدياً إرهابياً، وأي دولة عندما تشعر أن هناك استهدافاً لأمنها يمكن أن تأخذ قرارات حادة، لذلك كل شيء متوقع"، يقول عبد العزيز لرصيف22.

ويضيف الخبير الإعلامي: "بسبب هذه الأخطاء المتراكمة والمتتالية أصبح دعاة الدفاع عن حرية الصحافة والإعلام في موقف حرج، لأن الحكومة المصرية رغم أنها ترتكب الأخطاء أيضاً، ورغم أن الإعلام المصري ليس في وضع مهني جيد، إلا أن توالي الأخطاء من مؤسسات إعلامية كبيرة يعطي مسوغاً للحكومة المصرية لاتخاذ إجراءات تجاه هذه المخالفات، من بينها قرار النائب العام الأخير".

ولكن البلشي يستبعد قيام الحكومة المصرية بالتصعيد ضد المؤسسات الأجنبية إلى حد الحجب، موضحاً أن النظام يكفيه الآن الطعن في مصداقية هذه المؤسسات الكبيرة واستغلال أخطائها، والترويج لفكرة أنها "تستهدف الدولة المصرية".

وعن مدى إمكانية حدوث تضييق على عمل المراسلين الأجانب قبيل الانتخابات الرئاسية هذا العام، قال فيندفور إن المراسل الأجنبي يتمتع في مصر بحرية عمل أكثر من دول عربية وشرق أوسطية أخرى، ولا سيما في إسرائيل، مؤكداً أنه لم تصله أي شكوى حتى الآن بهذا الشأن.


التعليقات

المقال التالي