"نخب حاكمة تسيء استخدام السلطة"... الدلالات السياسية لاستشراء الفساد في الدول العربية

"نخب حاكمة تسيء استخدام السلطة"... الدلالات السياسية لاستشراء الفساد في الدول العربية

كشفت نتائج "مؤشر مدركات الفساد" لعام 2017 أن تفشي الفساد يُثقل كاهل أكثر من ثلثي دول العالم، من بينها 19 دولة عربية، باستثناء الإمارات وقطر.

ويقوم المؤشر بتصنيف 180 دولة، وفقاً لمدركات انتشار الفساد في قطاعاتها العامة، وذلك استناداً إلى آراء خبراء ومسؤولين في مجال الأعمال، وفق مقياس يتراوح بين 0 و100 نقطة، بحيث تمثل النقطة الصفر البلدان الأكثر فساداً، في حين تمثل النقطة 100 البلدان الأكثر نزاهة.

ولم تحصل 19 دولة عربية من أصل 21 يدرسها المؤشر (لا يشمل فلسطين) على 50 نقطة، باستثناء الإمارات التي حصدت 71 نقطة وقطر التي حصدت 63 نقطة، علماً أن السعودية (49 نقطة) والأردن (48 نقطة) كانتا قريبتين من ذلك.

غياب الحريات

وكشفت منظمة الشفافية الدولية التي تُصدر المؤشر عن علاقة بين ارتفاع مستويات الفساد وبين تدنّي حماية حرية الصحافة والتضييق على نشاط منظمات المجتمع المدني.

وبيّنت أن كل الصحافيين الذين قُتلوا منذ عام 2012 لقوا حتفهم تقريباً في بلدان ينتشر فيها الفساد.

وأوضحت أن معظم البلدان التي حصلت على درجات ضعيفة في مستوى الحريات المدنية تسجل مستويات عالية من انتشار الفساد.

ملايين المتضررين

واعتبرت المنظمة أن الدرجات المتدنية التي تبوأتها الدول العربية في مؤشر الفساد تعكس تحدي الفساد السياسي في أنظمتها وقالت: "الأنظمة السياسية في الدول العربية تسيطر عليها نخب حاكمة تسيء استخدام السلطة بغرض تحقيق مكاسب شخصية على حساب ملايين المواطنين المتضريين".

وأشارت إلى أن ما أسمته بـ"الديكتاتوريات العربية" كثفت، بعد ثورات عام 2011، حملاتها ضد المعارضين السياسيين وضد حرية التعبير ووسائل الإعلام المستقلة ومنظمات المجتمع المدني.

انعدام المساواة

وكانت المنظمة قد أشارت إلى أن الفساد الممنهج وانعدام المساواة الاجتماعية يعزز أحدهما الآخر في شتى أنحاء العالم، ما يؤدي إلى خيبة أمل الشعوب من المؤسسات السياسية ويوفر أرضاً خصبة لصعود قيادات سياسية شعبوية.

أقوال جاهزة

شارك غردالدول العربية وآفة الفساد... "الأنظمة السياسية العربية تسيطر عليها نخب حاكمة تسيء استخدام السلطة بغرض تحقيق مكاسب شخصية"

شارك غرد19 دولة عربية ينهش الفساد قطاعها العام... كيف كان أداء الدول العربية عام 2017 وفق مؤشر مدركات الفساد؟

وقالت إن الفساد يغذّي انعدام المساواة، والعكس صحيح، ما يخلق حلقة مفرغة بين الفساد وبين التوزيع غير المتساوي للسلطة في المجتمع، والتوزيع غير العادل للثروة.

ولفتت إلى أن الفساد يصبّ في خدمة الحركات الشعبوية. ففي الدول الفاسدة، طفح كيل الناس من وعود السياسيين الجوفاء حول مكافحة الفساد، فتحوّل الكثيرون نحو تأييد حركات شعبوية وعدت بتغيير النظام وكسر حلقة الفساد والمحسوبية، منبهة من أن هذا الخيار، على الأرجح لن يؤدي إلا إلى زيادة حجم المشكلة.

تحسن أو تراجع؟

وشهدت سبع دول عربية تحسناً في ترتيبها بحسب مؤشر مدركات الفساد، بعكس 14 دولة عربية أخرى سجلت تراجعاً في مرتبتها العالمية.

وفي بعض الحالات، لا يعني تراجع ترتيب دولة ما على المؤشر أن حالة الفساد فيها تفاقمت، فلبنان مثلاً تراجع سبع مراتب ولكنه سجل نفس عدد النقاط في عامي 2016 و2017 (28 نقطة)، ونفس الحالة مع الأردن الذي تراجع مرتبتين ولكنه سجل في كلّ من العامين المذكورين 48 نقطة.

وأثرت زيادة أربع دول على لائحة الدول التي يدرسها المؤشر (180 عام 2017 مقابل 176 عام 2016) في تراجع ترتيب بعض الدول العربية.

وهنالك دول حصدت عام 2017 نقاطاً أكثر من عام 2016 ولكن ترتيبها تراجع، وهي موريتانيا والعراق وسوريا (نقطة إضافية)؛ السودان واليمن (نقطتان) وليبيا (3 نقاط).

وهذا يعني أن الدول التي تقع في أسفل القائمة عليها بذل جهود جبارة لأن الجهود البسيطة تعني تراجعها في مقابل دول كثيرة تحقق تقدماً ملحوظاً.

وأتى التراجع الدراماتيكي الذي سجّلته البحرين بسبب مضاعفة السلطات البحرينية، خلال العامين الماضيين، لتقييد حرية التعبير وحرية التجمع، وحلها أبرز مجموعة سياسية معارضة وسحبها الجنسية من معارضين، وملاحقتها لمنتقدي أداء الحكومة، وحظرها سفر ناشطين واستدعائهم للتحقيق، وكل ذلك في ظل غياب استراتيجية وطنية لمكافحة الفساد.

كما لفتت إلى أن مؤشرها الذي يرصد معدلات الفساد في القطاع الحكومي لا يلحظ كل صور الفساد المتنوعة، ضاربة المثل بالإمارات وقطر اللتين حسنتا من موقعهما في الترتيب العالمي.

وقالت إن هاتين الدولتين الخليجيتين تَقدّم ترتيبهما ربما بسبب إدارتهما الجيدة للمالية العامة وتحسين الخدمات العامة والبنية التحتية، ولكن "هاتين الملكيتين تفرضان تقييدات كثيرة على الحريات المدنية والعامة وتقمعان أي شكل من أشكال المعارضة السياسية وأي نقد للأسر الحاكمة".

ونبهت إلى أن الدوال العربية التي حققت أسوأ النتائج مثل العراق وليبيا والصومال والسودان وسوريا واليمن تشهد نزاعات داخلية وتعاني من ضعف المؤسسات العامة، وفي مثل هذه الحالات يزدهر الفساد.

وخلصت المنظمة إلى أن محاربة الفساد في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا "يتطلب إرادة سياسية جادة وحقيقية للتغيير والإصلاح".


عماد هاشم

كاتب لبناني مقيم في فرنسا

التعليقات

المقال التالي