سوريا... صراعات في السماء تعكس فشل التفاهمات الميدانية

سوريا... صراعات في السماء تعكس فشل التفاهمات الميدانية

في الجولة الأخيرة من الصراع على السماء السورية بين إسرائيل وبين مثلث سوريا وإيران وحزب الله كان الأمر مختلفاً عمّا جرت العادة عليه.

هذه المرة أعلنت إسرائيل شنّ غارات على مواقع "سورية وإيرانية" فيما امتنعت إيران عن الاعتراف بمسؤوليتها عن تسيير طائرة بدون طيار قالت إسرائيل إنها "انتهكت سيادتها" في قلب شامل لمعادلة "الغموض الواضح".

ففي حين رفض نائب قائد الحرس الثوري الإيراني حسين سلامي تأكيد إعلان إسرائيل إسقاط طائرة إيرانية مسيّرة، لأن الإسرائيليين "منافقون"، حسبما صرّح، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن بلاده وجّهت "ضربة قاسية للقوات الإيرانية والسورية".

أما وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس، فقال لإذاعة الجيش الإسرائيلي إن الغارات التي استهدفت "مواقع إيرانية رئيسية في سوريا"، هي رسالة واضحة للجمهورية الإسلامية مفادها أن إسرائيل لا تقبل بوجودها على مقربة من حدودها.

وأوحى الوزير الإسرائيلي بأن ما جرى استهدافه على الأراضي السورية هو أهداف نوعية إذ قال: "هم ونحن نعرف ما الذي قصفناه وسيحتاجون إلى بعض الوقت لاستيعاب كيف عرفت إسرائيل بهذه المواقع".

طائرة الأف-16 الإسرائيلية المدمرة

الأحداث الأخيرة بدأت في 10 فبراير مع إعلان إسرائيل إسقاط "طائرة مسيّرة إيرانية" قالت إنها اخترقت مجالها الجوي، ثم أعقبتها سلسلة غارات إسرائيلية على 12 "موقعاً سورياً وإيرانياً"، أسفرت عن تدميرها بحسب الإسرائيليين ولكنها أدت إلى سقوط طائرة أف-16 إسرائيلية بنيران الدفاعات الجوية السورية.

فرض تدمير الأف-16 على إسرائيل التخلي عن سياسة الغموض لأنها تحتاج إلى الحديث عن إنجاز كبير يغطّي على خسارتها النوعية. فقد سبق أن نفّذت نحو 100 ضربة لأهداف على الأراضي السورية قال محللوها وبعض جنرالاتها إنها تستهدف منع نقل أسلحة نوعية إلى حزب الله في لبنان، دون أن تعلن مسؤوليتها عن أيّة واحدة منها.

حالة من الاستنفار في الجولان

جنوب سوريا... مصدر قلق لإسرائيل

تثير تحركات الإيرانيين وحزب الله في جنوب سوريا، على حدود الجولان المحتل قلق إسرائيل منذ وقت طويل، وذلك بسبب عمل هذين الطرفين على تأسيس بنية تحتية عسكرية يمكن استخدامها ضدها.

وشهد الصراع على تلك المنطقة جولات كثيرة تأتي ضمنها الغارة التي قتلت سمير القنطار في دمشق في ديسمبر 2015، وهو الذي كانت إسرائيل تتهمه بأنه جزء من الفريق الذي يعمل على تأسيس بنية عسكرية تستهدفها، وتأتي ضمنها أيضاً الغارة التي قتلت في القنيطرة جهاد عماد مغنية والقيادي في حزب الله محمد عيسى والقيادي في الحرس الثوري الإيراني العميد محمد علي الله دادي في يناير 2015.

تخشى إسرائيل تحوّل تلك المنطقة إلى منطقة تشبه جنوب لبنان، وتعتبر ذلك تهديداً كبيراً لأمنها. ولذلك، تطالب الأمريكيين والروس بتأمين حدودها عبر شريط بعمق 40 كيلومتراً خالٍ من تواجد الإيرانيين وحزب الله.

أقوال جاهزة

شارك غردمعارك إسرائيل وإيران على الأرض السورية... أحداث الأيام الأخيرة قلبت بشكل شامل معادلة "الغموض الواضح"

شارك غردتوجيه رسائل في السماء السورية لفرض نوع من ترسيم مناطق النفوذ على الأرض لا يقتصر على ما حدث في اليومين الأخيرين، وهو يتخذ أشكالاً مختلفة

تفاهم غير شامل

في البيان المشترك الذي أصدره الرئيسان الأمريكي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين في 11 نوفمبر 2017، جرى التأكيد على أهمية التوافق الأمريكي-الروسي على مناطق تخفيف تصعيد في سوريا، وورد أنهما رحّبا بـ"مذكرة المبادئ" التي تم التوصل إليها في عمّان، في الثامن من نوفمبر 2017 بين الأردن وروسيا والولايات المتحدة.

وبحسب وزارة الخارجية الأمريكية، فإن هذه المذكرة تعزّز نجاج مبادرة وقف إطلاق النار في جنوب غرب سوريا "لتشمل الحد من، والإبعاد النهائي للقوى الأجنبية والمقاتلين الأجانب من المنطقة، لضمان سلام أكثر استدامة". وتفسير ذلك أن الأمريكيين يتعهدون بقتال الجهاديين في المنطقة بينما يُبعد الروس الإيرانيين والمجموعات الموالية لطهران عنها.

وطالب السفير الإسرائيلي لدى موسكو هاري كورين بعد الأحداث الأخيرة بانسحاب الوحدات الإيرانية ووحدات حزب الله والمقاتلين الشيعة من منطقة خفض التصعيد في جنوب سوريا.

وسبق أن شنت الطائرات الأمريكية ضربة ضد مجموعة مسلحة تدعم النظام السوري "بعد توغلها في منطقة عازلة" قرب مدينة التنف في سوريا (على حدود سوريا-العراق-الأردن)، في مايو 2017، وهي من الضربات الأمريكية النادرة التي استهدفت موالين للنظام السوري، وكان هدفها ترسيم حدود النفوذ.

ولكن يبدو أنه لا وجود لتفاهمات أمريكية-روسية على المنطقة المتاخمة للجولان المحتل، والواقعة على المثلث الحدودي بين إسرائيل وسوريا ولبنان. وتحاول إسرائيل مفاوضة روسيا على إنشاء حزام آمن في تلك المنطقة، بالتوازي مع نسج علاقات مع مجموعات معارضة مسلحة منتشرة هناك وتنفيذ عمليات ضد إيران وحزب الله.

رسالة روسية؟

منذ عام 2015، نالت إسرائيل إذناً غير معلن من روسيا على حرية حركة طائراتها في الأجواء السورية لضرب خطوط إمداد حزب الله في لبنان بأسلحة نوعية. ولذلك، أثار إسقاط الأف-16 تساؤلات كثيرة عن سحب روسيا لهذا الإذن، واعتبر البعض أن ما حصل رسالة روسية تفيد بتغيّر المعادلة، اعتراضاً على مجموعة من الضربات التي تعرّضت لها طائراتها ومواقعها في سوريا (أنظر لاحقاً).

ويمكن اعتبار أن إسقاط الأف-16 حمل رسائل كثيرة بعضها له علاقة باحتمال اندلاع مواجهة واسعة بين إسرائيل وحزب الله في لبنان، ستضع روسيا في موقف حرج لأنها قد تجبرها على اختيار دعم طرف من عدة أطراف تنجح حتى الآن في التنسيق معهم جميعاً. وكانت تحليلات إسرائيلية سابقة قد حذّرت من إمكانية دعم روسيا لحزب الله من خلال تزويده بصواريخ أرض-جو.

وتعي إسرائيل أن تفوّقها الجوّي المطلق لن يستمر إلى الأبد، ولذلك قرر جيشها بناء منظومات صواريخ أرض-أرض تسمح لها بتدمير أهداف "معادية" بدون تعريض طائراتها للخطر.

مناصرو حزب الله يحتفلون بوقوع الطيارة في قرية كفركلا الحدودية

رسائل من السماء إلى الأرض

توجيه رسائل في السماء أو منها لفرض نوع من ترسيم مناطق النفوذ على الأرض لا يقتصر على ما حدث في اليومين الأخيرين، وهو يتخذ أشكالاً مختلفة.

فرض تدمير الأف-16 على إسرائيل التخلي عن سياسة الغموض لأنها تحتاج إلى الحديث عن إنجاز كبير يغطّي على خسارتها النوعية

الشكل الأول هو توجيه رسائل باستخدام تكنولوجيا بسيطة نوعاً ما كتكنولوجا الطائرات المسيّرة. وهذا النوع من الرسائل وُجّه إلى روسيا مع استهداف طائرات مسيرّة مزودة بأجهزة تفجير قاعدتها البحرية في طرطوس واستهداف أخرى قاعدتها الجوية في حميميم، في ليلة رأس السنة وفي يناير 2018، ما أسفر عن تضرر طائرات روسية.

وهذه الرسالة تفهم منها روسيا أن خصومها قادرون على إمداد المجموعات المسلحة المعارضة للنظام السوري بتكنولوجيات تلحق الأذى بها. ولمّحت وزارة الدفاع الروسية إلى تواطؤ أمريكي في هذه العمليات في بيان تساءلت فيه عن سبب تحليق طائرة استطلاع أمريكية بين حميميم وطرطوس بالتزامن مع الهجوم على القاعدتين الروسيتين.

وسبق لإسرائيل أن أسقطت عدة طائرات بدون طيّار فوق الجولان وقالت إنها مسيّرة من حزب الله أو إيران. فالطائرة الأخيرة التي قالت إسرائيل إنها إيرانية لم تكن الأولى.

ويمكن اعتبار إسقاط طائرات روسية وسورية، آخرها إسقاط سوخوي 25 روسية في سماء محافظة إدلب في الثالث من فبراير، بصواريخ مضادة للطائرات جزءاً من هذا النوع من الرسائل ومفادها أن السماح لروسيا بتأمين غطاء جوي للقوات السورية ليس معطى نهائياً ويمكن أن يتبدّل.

 

أما النوع الثاني من الرسائل فيجري بين الأمريكيين والروس، إذ وقعت نحو 10 حوادث اقتراب مقاتلات روسية من مقاتلات أمريكية في السماء السورية إلى "مسافات غير آمنة"، في مواقع مختلفة. وعادة ما يكون الهدف من هذه الرسائل إفهام الأمريكيين أن روسيا تعترض على هيمنتهم المطلقة على الأجواء فوق بعض المناطق، مثل المناطق السورية المحاذية لحدود العراق.

وهناك نوع ثالث من الرسائل تمثل في حادثة واحدة حين أسقطت تركيا، في 24 نوفمبر 2015، مقاتلة سوخوي 24 روسية قالت إنها اخترقت مجالها الجوي، وهي رسالة كان الهدف منها تكريس حالة التوتر مع موسكو في تلك الفترة وإعلان الجهوزية للتصعيد، أملاً في بناء تحالف يحدّ من الدور الروسي في سوريا.

وتبقى الرسائل التي توجهها الطائرات إلى القوى المنتشرة على الأرض السورية والتي تهدف إلى ترسيم مناطق نفوذ هذه القوى ورسم خطوط حمراء أمامها. ومنها شنّ مقاتلات أمريكية غارة في السابع من فبراير 2018 على قوات موالية للنظام السوري، أسفرت عن مقتل نحو 100 من عناصرها، رداً على هجوم الأخيرة "ضد مركز مراقبة معروف جيداً أنه لقوات سوريا الديمقراطية"، بحسب بيان للتحالف الدولي ضد داعش، على بعد ثمانية كيلومترات شرق نهر الفرات.

ويشكل نهر الفرات خطاً فاصلاً اتفق الروس والأمريكيون على أنه يرسّم النفوذ بينهما على الأرض السورية، وعلى ألا تحلق الطائرات الروسية غربه.

التعليقات

المقال التالي