تغيير أسماء الشوارع... عندما يعبر المارة على صراعات دبلوماسية دولية

تغيير أسماء الشوارع... عندما يعبر المارة على صراعات دبلوماسية دولية

طرد سفير أو استدعاء قنصل أو قطع العلاقات هي سبل عُرفت دبلوماسياً على أنّها تعبير عن أزمات سياسية بين الدول، إلا أنّ سلاحاً آخر يُضاف إليها يتمثل في "تغيير أسماء الشوارع".

يزخر التاريخ السياسي بالكثير من الوقائع التي أقدمت فيها الدول على اتباع آلية "تغيير أسماء الشوارع"، وهو بحسب وصف المحللين "مكائد".

بدايةً، عندما تُقدِم دولة على تسمية شارع لديها باسم شخصية مرموقة ومؤثرة لدى دولة أخرى، فإنّ الأمر يُعَدّ بمثابة تقدير لهذه الشخصية، بالإضافة إلى كونه نوعاً من "التودد" لتلك الدولة ودليلاً على متانة العلاقات بينهما في فترة معيّنة.

وبالتالي، فإذا أقدمت دولة على إعادة تغيير اسم "شارع" في وقتٍ لاحق، فإنّ الأمر لا يخلو من اعتباره "مكيدة سياسية"، لا سيّما إذا تزامن ذلك مع توتر دبلوماسي بين الدولتين.

يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة الدكتور طارق فهمي أنّ الأزمات السياسية بين بعض الدول تدفع نحو تغيير بعض مسميات الأماكن، في خطوات يرى أنها مصبوغة بـ"صبغة سياسية".

ويقول لرصيف22 إنّ سياسة تغيير أسماء الشوارع يمكن اعتبارها مكائد سياسية، تُفهم في سياقها.

وتهدف هذه الممارسات، بحسب فهمي، إلى إرسال رسائل سياسية، كما تحمل دلالات رمزية، تتمثل في سياق الفعل نفسه، موضحاً أنّ للأمر تأثيراً على العلاقات بين الدول.

ولفت فهمي إلى أزمات استغرقت عدة سنوات بين الدول بسبب مكائد دُبّرت عبر تغيير أسماء الشوارع.

مصر وتركيا: تصعيد الغاز والتاريخ العثماني

ربما تنطبق سياسة "المكايدة" على ما يجري حالياً بين مصر وتركيا. ففي خضم توتر دبلوماسي حاد بين وزارتي خارجية البلدين، بسبب حق التنقيب عن الغاز في البحر المتوسط، قررت السلطات المصرية تغيير اسم شارع السلطان العثماني سليم الأول، غربي القاهرة.

وبدأت الأزمة بين الدولتين عندما أعادت مصر ترسيم حدودها البحرية مع قبرص، ثم إعلان بدء المرحلة الأولى من مشروع حقل ظهر العملاق، بالتعاون مع شركة إيني الإيطالية.

وتدخلت تركيا وأعلنت أنها لا تعترف بالاتفاقية، وقال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو إنّ "اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر وقبرص لا تحمل أي صفة قانونية"، كما قالت أنقرة إن من حقها التنقيب عن الغاز واقتربت بحريتها إلى نقطة قريبة من البحرية المصرية، في تصعيد خطير.

الموقف التركي قوبل بـ"رد دبلوماسي مصري" على لسان الناطق باسم وزارة الخارجية أحمد أبو زيد، الذي قال إنّ "اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع قبرص لا يمكن لأي طرف أن ينازع في قانونيتها"، ولوّح بالتصدي لأية محاولة للمساس أو الانتقاص من حقوق مصر السيادية في تلك المنطقة.

وهذا التوتر ليس الأول بين القاهرة وأنقرة، فقد شهدت العلاقات بينهما تدهوراً كبيراً بعد عزل الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي. وتقول القاهرة إن ما حدث في 3 يوليو 2013 هو ثورة شعبية، بينما تراه أنقرة "انقلاباً". وتضاعف التوتر بين الطرفين بعد إعلان الإخوان المسلمين حركةً إرهابية.

وقال محافظ القاهرة عاطف عبد الحميد في بيان: "تقرر تغيير اسم الشارع بناءً على ما تقدّم به الدكتور محمد صبري الدالي، أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة حلوان، بأنّه لا يصح إطلاق اسم أول مستعمر لمصر، الذى أفقدها استقلالها وحولها لمجرد ولاية من ولايات الدولة العثمانية إلى جانب قيامه بقتل آلاف المصريين خلال دفاعهم عنها وأعدم آخر سلطان مملوكي (طومان باي) وحل الجيش المصري".

وأشار المحافظ إلى "إجراء حوار مجتمعي برئاسة رئيس حي الزيتون مع الأهالى وأصحاب المحالّ والمهتمين من المثقفين والمؤرخين لاختيار الاسم المناسب" البديل.

وسليم الأول هو تاسع السلاطين العثمانيين، وأول من حمل لقب "أمير المؤمنين" من آل عثمان، وحكم السلطنة بين عامي 1512 و1520. وقد خاض حرباً مع المماليك في منطقة الشام، والتقت القوتان في معركة "مرج دابق" التي انتصر فيها العثمانيون. كما قاتل طومان باي، آخر سلاطين المماليك الشراكسة في مصر، في موقعة "الريدانية" التي هُزم فيها المماليك، فدخل العثمانيون القاهرة بعد سقوط القتلى، وأعدم طومان باي عام 1517.

أقوال جاهزة

شارك غرديعج التاريخ السياسي بالكثير من الوقائع التي أقدمت فيها الدول على اتباع آلية "تغيير أسماء الشوارع"، وهو بحسب وصف المحللين "مكائد"

شارك غردكيف توجّه الدول رسائل إلى خصومها وتضغط عليها من خلال تغيير أسماء الشوارع؟

حروب شوارع من أوراق التاريخ

تكشف أمثلة تاريخية كثيرة "المكائد السياسية" التي ظهرت من خلال تغيير أسماء الشوارع، وهذه بعضها:

الإسلامبولي في طهران

مصر كانت حاضرة في ملف آخر مع إيران التي سمّت أحد شوارع عاصمتها باسم خالد الإسلامبولي، قاتل الرئيس المصري الأسبق محمد أنور السادات عام 1981.

وفي يناير 2004، اعتمد المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي ووزارة خارجية بلاده قرار بلدية طهران القاضي بتغيير اسم شارع الإسلامبولي إلى شارع الانتفاضة. ومثّلت تلك الخطوة محاولةً لتمهيد الطريق أمام استئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بعد أكثر من 20 عاماً من القطيعة.

"النمر" بين السعودية وإيران

إيران أيضاً كانت حاضرة في موقعة أخرى، ولكن مع السعودية. ففي يناير 2016، أعلنت المملكة إعدام رجل الدين الشيعي نمر باقر النمر، ما أثار تصعيداً حاداً مع طهران، اندلعت على إثره أعمال عنف.

وفي خضم ذلك الخلاف الحاد، اتخذت بلدية مدينة مشهد قراراً بتسمية أحد الشوارع باسم "نمر باقر النمر"، مكايدةً لسلطات المملكة.

"دُرّة القاهرة"

اهتز العالم في سبتمبر 2000 لاستشهاد الطفل الفلسطيني محمد الدرة بنيران قوات الاحتلال الإسرائيلي، وتحوّل الدرة إلى أيقونة ورمز للمقاومة الفلسطينية.

وفي نوفمبر من نفس العام، غيّرت مصر اسم شارع السفارة الإسرائيلية في القاهرة من محمد مالك إلى محمد الدرة، "استجابةً للمطالب الشعبية"، وكـ"مشاركة رمزية مع أطفال الانتفاضة"، حسبما أعلن المجلس المحلي للمحافظة.

"فخر الدين" بين الإمارات وتركيا

في يناير الماضي، غيّرت تركيا اسم الشارع الذي تقع فيه سفارة الإمارات إلى شارع "فخر الدين باشا".

وفخر الدين باشا هو قائد عسكري عثماني، كان يتولى خلال الحرب العالمية الأولى قيادة الحامية العثمانية في المدينة المنورة.

عرب وأتراك وعثمانيون... نبش مستمر في تاريخ الأجداد

ولم يأتِ القرار التركي مصادفةً، لكنّه جاء رداً على أزمة دبلوماسية حادة مع الإمارات، بعد إعادة وزير خارجيتها عبد الله بن زايد آل نهيان نشر تغريدة تهاجم فخر الدين باشا.

واتهم كاتب التغريدة الضابط العثماني بأنّه "ارتكب جريمة بحق شعب المدينة المنورة وسرق أموال سكانها"، كما اتهمه بـ"طرد قسم من السكان إلى سوريا وإسطنبول على متن القطارات".

حرب شوارع بين إيران واليمن

عام 2009، قررت السلطات الإيرانية تغيير اسم "شارع اليمن" في العاصمة طهران إلى شارع "شهداء صعدة".

ارتبط ذلك بأزمة سياسية، وجاء رداً على تغيير اسم "شارع إيران" في صنعاء إلى شارع "ندى أقا سلطان"، وهي أشهر ضحايا الاحتجاجات التي انطلقت في الشوارع الإيرانية بعد الانتخابات الرئاسية.

"أمير المؤمنين" في إيران

عام 2014، أثار إطلاق اسم الخليفة عمر بن الخطاب على أحد شوارع مدينة سقز الإيرانية، التي تقطنها أغلبية سنية، احتجاج بعض وسائل الإعلام الشيعية المحافظة.

ولم يكن هذا الحادث الأول من نوعه في المدينة الكردية، ففي أغسطس 2013 كانت قد أطلقت اسم عمر بن الخطاب على حديقة عامة في المدينة، ما أغضب التيارات الشيعية في البلاد.

موسكو وواشنطن... "الخدعة القذرة"

في يناير الماضي، أطلقت السلطات الأمريكية اسم المعارض الروسي بوريس نيمتسوف على الشارع الذي تقع فيه السفارة الروسية في واشنطن، ما أثار استياء نواب روس، ووصفه أحدهم بـ"الخدعة القذرة".

واغتيل المعارض الروسي بالقرب من قصر الكرملين الرئاسي عام 2015، بينما كان يسير عائداً إلى منزله بعد خروجه من أحد المطاعم.

ودانت السلطات الروسية في العام الماضي خمسة رجال من الشيشان في جريمة قتل المعارض الروسي، لكن عائلته ومؤيديه يعتقدون أن الشخص الذي أمر بالقتل لا يزال طليقاً.

سياسة الكيد

يقول مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير محمد عاصم، إن تغيير أسماء الشوارع مؤشر على وجود أزمة وليس سبباً لها، فـ"عندما تسمّي إيران شارعاً باسم قاتل السادات، تغضب مصر وتعلن عدم إقامة علاقات دبلوماسية مع طهران، لكن هذا لا يعني أنّ هذه المشكلة الوحيدة بين الطرفين".

ويوضح: "عندما نسمّي شارعاً باسم شخصية من دولة أخرى، يكون ذلك تعبيراً عن لمسة ود، وعندما يُحذف الاسم يكون تعبيراً على أنّه لا قيمة له، وعندما يُستبدل بعكسه تماماً، يكون ذلك توجيهاً لرسالة سياسية ما، تبرهن على توتر في العلاقات بين الدول".

وعن أزمة تغيير اسم شارع سليم الأول، يقول: "العلاقات بين مصر وتركيا متوترة بما فيه الكفاية، وتحديداً سياسياً وإستراتيجياً وشرق أوسطياً، فالدور الذي تلعبه القاهرة في المنطقة غير مريح لأنقرة، كما أنّ دور أنقرة في المنطقة لا يرضي القاهرة".

كلمات مفتاحية
العالم العربي

التعليقات

المقال التالي