"يا تساعدونا يا تساعدونا"... "عملية شاملة" للجيش المصري في سيناء والقبائل تترقّب

"يا تساعدونا يا تساعدونا"... "عملية شاملة" للجيش المصري في سيناء والقبائل تترقّب

بعدما كثرت التساؤلات حول ما يجري التحضير له في شمال سيناء وحول ما إذا كانت المنطقة على أبواب عمليّة عسكرية واسعة، على ضوء أخبار عن استنفار "غير مسبوق" في المحافظة المصرية، أتى الجواب في بيان مصوّر للجيش المصري.

"بدأت القوات المسلحة بالتعاون مع الشرطة عملية شاملة في شمال ووسط سيناء والظهير الصحراوي غرب وادي النيل، وهي المنطقة الممتدة من النيل غرباً وحتى الحدود المصرية الليبية، وذلك من أجل القضاء على العناصر الإرهابية"، وفق ما جاء على لسان المتحدث العسكري الرسمي تامر الرفاعي.


بيان رقم (1) بشأن العملية الشاملة للقوات المسلحة سيناء 2018

بيان رقم (1) بشأن العملية الشاملة للقوات المسلحة سيناء 2018

Publié par ‎الصفحة الرسمية للمتحدث العسكري للقوات المسلحة‎ sur jeudi 8 février 2018

حالة الاستنفار القصوى التي أعلنت عنها القوات المصرية، والتي كان قد واكبها صدور تعليمات برفع حالة التأهب في مستشفيات سيناء ومحافظات مجاورة وكذلك نقاط الإسعاف، وقطع إجازات الأطباء والمسعفين وإخلاء أسرّة، فضلاً عن انتداب أطباء من عدة محافظات إلى هناك لفترات قد تمتد إلى ثلاثة أشهر، توحي بأن العملية ستطول.

وكانت الهجمات التي استهدفت عناصر الأمن قد تكرّرت خلال السنوات القليلة الماضية، وآخرها يوم الأحد الماضي حين قُتل مُجندان وأُصيب خمسة آخرون بتفجير عبوة ناسفة استهدفت حافلة تابعة لقوات الأمن جنوبي مدينة العريش.

عملية عسكرية شاملة؟

تنطلق "العمليّة الشاملة" بعد أسبوع على دعوة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لإطلاق عملية إخلاء خمسة كيلومترات من محيط حرم مطار العريش، على خلفيّة استهداف المطار، أثناء زيارة خاطفة كان يقوم بها وزيرا الدفاع والداخلية، بقذيفة من إحدى المزارع المجاورة، قبل نحو شهر.

كما رُبط توقيت بدئها بما كان قد صرّح به السيسي في 29 نوفمبر الماضي، حين كلّف الجيش والشرطة بإعادة الاستقرار وفرض الأمن في سيناء خلال ثلاثة أشهر.

ومع نهاية الشهر الحالي، تكون قد استحقت المدة التي وعد فيها الرئيس المصري باستخدام "كل القوة الغاشمة" لـ"اقتلاع الإرهاب من جذوره".

وكان كلام السيسي قد أتى على خلفية "مذبحة المصلين"، وهو الاسم الذي أُطلق على الهجوم الذي أسفر عن مقتل 311 شخصاً كانوا يؤدون شعائر صلاة الجمعة في مسجد الروضة في مركز بئر العبد.

يقول الشيخ حسن خلف، وهو من كبار مشايخ سيناء، لرصيف22 إن العملية "جادة هذه المرة للقضاء على الإرهابيين الذين يُقدّر عددهم بـ1300 شخص".

أقوال جاهزة

شارك غردما الذي يجري التحضير له في شمال سيناء؟ سؤال يُطرح بعد بيان الجيش المصري وحالة التأهب والاستنفار "غير المسبوقة"

شارك غردمصادر أمنيّة وطبيّة وقبليّة تؤكد على أن "وضعاً استثنائياً" تشهده محافظة شمال سيناء المصرية، والجيش يطلق "عملية واسعة"، فما الذي يحدث؟

"مع الأسف الشديد، مرّت سنوات كنا نأخذ فيها موقع الدفاع ولم توجد فيها مبادرات جديّة"، حسب خلف الذي يلفت إلى أن الأمر مختلف هذه المرّة وأن القبائل وُعدت بالقضاء على الإرهابيين، وتحديداً عناصر داعش المنضوين تحت لواء تنظيم "ولاية سيناء"، والذين أذوا المنطقة كثيراً، بحسب الشيخ.

وكما العادة، شاع قبيل إعلان الجيش المصري حديث عن توزيع عناصر تنظيم "ولاية سيناء" منشورات في منطقة العريش، تحذّر المواطنين من التعاون مع قوات الجيش والشرطة، وتدعوهم (وهو ما اعتبره البعض جديداً) إلى "التعاون مع التنظيم".

استمرار لـ"حق الشهيد"

في المقابل، لا ينظر الباحث أحمد كامل البحيري إلى العملية باعتبارها غير مسبوقة أو حاسمة.

ويقول الباحث في "مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية" لرصيف22 إن العمليات العسكرية مستمرة منذ أكتوبر 2015، حين شنّ الجيش المصري عملية حملت اسم "حق الشهيد"، و"منذ ذاك الوقت، ونحن في ظل عمليات كبرى تشترك فيها كافة القوات الأمنية".

وبالتالي، لا يمكن النظر إلى هذه العملية إلا كاستمرار لـ"حق الشهيد". أما تكثيف الأمن والاستنفار الحاصل فـ"هو يأتي تماشياً ربما مع تصريح السيسي الذي قد يكون سياسياً"، حسب البحيري.

ولا يرى الباحث الذي عمل طويلاً على قضايا الإرهاب إمكانية القضاء على التنظيم في غضون ثلاثة أشهر، كما وعد الرئيس، ولا حتى في ستة أشهر. وبرأيه "قد يضعف التنظيم، لكن نهايته قد تحتاج فترة زمنية طويلة".

يستند البحيري في تحليله إلى أن "ولاية سيناء" ("أنصار بيت المقدس" سابقاً) ليس تنظيماً داخلياً بل هو مرتبط بتنظيم "داعش" الذي "وإن ضعف مؤخراً، وتحديداً بعد معركة الموصل، إلا أن التوترات والاضطرابات الإقليمية تساعد على استمرار نشاطه الإرهابي".

من جهته، يرى مصدر صحافي في سيناء أن الأمن يتخذ خطط عمليّاتية لا يمكن وصفها بالشاملة، فـ"الجيش يعمل بانتقائية إن جاز الوصف، ويوجه الطائرات أو القوات البرية إلى مناطق محددة، وكما هو الآن منشغل بإخلاء مناطق محيط مطار العريش، سينشغل بإخلاء المنطقة العازلة في رفح في المرحلة الرابعة".

ويؤكد المصدر في حديثه لرصيف22 أن "لا أحد لديه قدره على تحديد موعد نهاية الحرب على الإرهاب لأنها حرب غير نظامية، وما يجري عادة هو الردّ على الضربات الإرهابية. وكما أن للأخيرة أهداف إعلامية ترويعية، فإن ضربات الجيش هدفها إرضاء الرأي العام".

وبرأيه، ثمة معضلة على الأرض أمام الأمن تتمثل بالقدرة المعلوماتية وسرعة الحركة، و"على مدار أربع سنوات لم يستطع حل تلك المعضلة، لذلك قال السيسي في كلامه: يا أهل سيناء يا تساعدونا يا تساعدونا".

من جهة ثانية، كانت اللجنة الشعبية للدفاع عن العريش قد استنكرت تصريحات السيسي تلك، ورأت في قوله "كنا ننتبه لأبناء سيناء ونحن نضرب هناك ولكن بعد ذلك سنضرب بعنف. أقول لأبناء سيناء ساعدونا بجد، يا تساعدونا يا تساعدونا"، صيغة تهديد واضحة.

انزعاج الأهالي

لا يوجد إحصاء دقيق لعناصر التنظيم في سيناء، ولكن يُقدّرون بما بين 700 و1200 عنصر، ويقول المراقبون إن قوتهم تراجعت بعض الشيء في رفح والشيخ زويد وتركزت أكثر في بعض جيوب العريش.

وفقاً للبحيري الذي يستند في معلوماته على تقارير أمنية داخلية وخارجية، فإن أغلب عناصر التنظيم من سيناء، في حين أن الباقين هم عناصر أجنبية تنامى وجودهم تحديداً عام 2017.

ويقول إن 90 في المئة من العناصر الأجنبية يأتون من غزة، وتحديداً بعد الخلاف الذي حُكي عنه داخل "كتائب عز الدين القسام" بخصوص طريقة المواجهة مع إسرائيل، أما الـ10 في المئة الباقون فأتوا بشكل أساسي من سوريا في النصف الثاني من عام 2017، ويسلكون من ليبيا طرقات برية توصلهم إلى سيناء، لصعوبة الوصول عبر البحر في ظل وجود القوات البحرية الإسرائيلية والمصرية.

وكان بيان الجيش المصري قد أشار إلى نيته "تنفيذ مهمات ومناورات تدريبية وعمليّاتية أخرى على كافة النواحي الإستراتيجية، بهدف إحكام السيطرة على المنافذ الخارجية للدولة المصرية"، علماً أن تلك المسألة اعتُبرت شائكة لوقت طويل بسبب صعوبة ضبط الحدود، لتراميها من جهة ولحساسيّة التركيبة القبلية في سيناء والإهمال الرسمي الذي لحق بها لعقود طويلة، من جهة أخرى.

بحسب المصدر الصحافي، "لم تهتم السلطات بالمدنيين على مدار أربع سنوات فلماذا قد تهتم بهم اليوم؟ فبحسب التقديرات سقط في سيناء أكثر من 600 قتيل مدني و1250 جريحاً".

أما عن موقف القبائل من الجيش وتأييدها له، فيجيب بأنها مضطرة، ومع ذلك "لا يوجد تشكيل قبلي واضح كان قد أعلن التصدي للإرهاب وظهرت فيه رموز القبائل المتعارف عليهم، بل اقتصر الأمر على مشاركات فردية من أبناء قبائل وعائلات لها أفراد في الجيش".

ويضيف: "لقد وضع داعش رادعاً منذ البداية للجميع مستخدماً عمليات الذبح، وهكذا حدّ من قدرة الأطراف المدنية على التصدي له".

من جهة أخرى، استمرت عمليات إنشاء منطقة "الحرم الآمن" حول مطار العريش الجوي بالتفاعل.

وكشفت مصادر لوكالة "الأناضول"، عن أن "معدات عسكرية بينها جرافات وصلت في مطلع فبراير الحالي إلى محيط مطار العريش الواقع جنوبي المدينة، والذي يضم مزارع ومساكن أهلية، لتنفيذ الأمر الرئاسي بإخلاء حرم المطار".

يعرب الشيخ خلف عن انزعاج أهالي المنطقة من الظلم اللاحق بأصحاب الأراضي الزراعية وبأشجار الزيتون والنخيل والتين وكل ما هو أخضر، بسبب قرار إخلاء حرم المطار، في حين اعتبر البحيري أن القرار الرسمي منطقي لجهة تأمين المطار لا سيما بعد الاعتداء الذي شهده.

وتكمن المشكلة، حسب البحيري، في آلية التعويض التي لم تكشف السلطات عنها حتى الآن.

وهذه الآلية، يشدّد، يُفترض ألا تأتي على حساب المواطنين الذين عانوا الأمرّين في سيناء، من الإرهاب قتلاً وخطفاً وترويعاً، ومن الأمن الذي ظلم كثيرين منهم بذريعة "الحرب على الإرهاب".

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

كلمات مفتاحية
مصر

التعليقات

المقال التالي