سلاح حزب الله على طاولة التحالفات الانتخابية المدنية... بين الاعتراض والضبابية ومنطق التأجيل

سلاح حزب الله على طاولة التحالفات الانتخابية المدنية... بين الاعتراض والضبابية ومنطق التأجيل

بعد اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق رفيق الحريري عام 2005، انقسم المجتمع اللبناني حول قضية سلاح حزب الله بين تحالفي 8 و14 آذار، وامتد هذا الانقسام ليشمل المجموعات المدنية التي تشكلت في مرحلة ما بعد عام 2011 التي شهدت تظاهرات "إسقاط النظام الطائفي".

بحسب المراحل، كانت الخلافات بين المجموعات المدنية حول سلاح حزب الله تبرز بقوة أو تخفت. وفي تظاهرات عام 2017، رفضاً لإقرار الحكومة اللبنانية ضرائب إضافية، شهدت المجموعات المدنية "توحّداً شكلياً"، ولكن الموقف من سلاح حزب الله كان يؤخذ كمعيار تحدّد على أساسه المجموعات مواقفها بعضها من بعض.


ودخلت قضية السلاح كمادة خلافية إلى المجموعة الواحدة. ففي صيف عام 2017، شهدت "بيروت مدينتي"، وهي تحالف مدني حصل عام 2016 على نحو 40% من الأصوات في الانتخابات البلدية في العاصمة بيروت، انقساماً حاداً حول سلاح حزب الله ومسألة المشاركة في الانتخابات النيابية مع مجموعات مدنيّة تؤيّد بقاء هذا السلاح.

مدنيون... ومواقف مختلفة

الآن، قبيل الانتخابات النيابية التي ستجري في مايو القادم، تتعدّد أسماء المجموعات المدنية المشاركة في الاستحقاق، إما ترشيحاً لبعض أعضائها أو دعماً لبعض المرشحين.

كانت مجموعة "طلعت ريحتكم" الحركة المدنية الأبرز بين مجموعات الحراك المدني التي ظهرت عام 2015، على خلفية أزمة النفايات. والآن تقدّم بعض وجوهها كمرشحين في دوائر انتخابية مختلفة. وبحسب الناشط في المجموعة وديع الأسمر فإنّ "طلعت ريحتكم" مع بناء الدولة وضد أي سلاح خارج إطار سلطة الدولة، كونه لا يتوافق مع مبدأ السيادة الكاملة على جميع الأراضي اللبنانية.

في المقابل، فإن حملة "بدنا نحاسب"، وهي حملة مدنية ينضوي تحتها محازبون من حركة الشعب والحزب السوري القومي الاجتماعي وحزب الطليعة ويساريون مستقلون، تتخذ موقفاً ضبابياً وبراغماتياً من سلاح حزب الله.

بحسب الناشط في المجموعة واصف الحركة، يوجد بين مكوّناتها اختلاف في وجهات النظر حول مسألة سلاح حزب الله. فهو يرى أن "المقاومة" أُعطيت صبغة حزب الله وباتت فئوية، فيما يجب ألّا تكون حصرية.

ويعتقد الحركة أن المشكلة في حزب الله أنه أعطى المقاومة بعداً دينياً وعقائدياً، وبات دولة ضمن الدولة، مضيفاً أن صفة المقاومة تنتفي عندما تصبح طرفاً في السياسة الداخلية، لأن السلاح يجب أن يكون موجهاً نحو العدو.

أما جورج عازار، ورغم كونه يسعى إلى مجتمع يكون السلاح فيه حصرياً بيد الدولة، إلا أنه يؤيد سلاح حزب الله كسلاح "مقاومة". ويتفق مع الحركة على ضرورة إيجاد استراتيجية دفاعية ضمن الدولة ومؤسساتها تكون المقاومة جزءاً منها، بهدف التصدي للأطماع الإسرائيلية.

وتختلف الآراء حول سلاح حزب الله أيضاً داخل مجموعة "حلّو عنا" التي تأسست بدورها عام 2015. وبحسب الناشط علي طي، يعتبر البعض أن أي سلاح خارج سلطة الدولة هو سلاح غير شرعي، لكن يوجد أشخاص آخرون لا يعتبرون أن سلاح الحزب يشكل مشكلة، بل على العكس يدعمونه انطلاقاً من فكرة المقاومة.

أقوال جاهزة

شارك غردالمدنيون اللبنانيون وقضية سلاح حزب الله قبيل الانتخابات النيابية القادمة... أسقف عالية وأسقف منخفضة وأسقف قد تنخفض أكثر مع تشكيل اللوائح

شارك غردمجموعات مدنية تشكّل "تحالف وطني" لخوض الانتخابات النيابية ضد أحزاب السلطة اللبنانية... ومدنيون آخرون: مَن يدعم سلاح حزب الله لا يمثّل قوى التغيير

بيروت مدينتي... نأي بالنفس

تشكلت مجموعة "بيروت مدينتي" من مدنيين لخوض الانتخابات البلدية في العاصمة اللبنانية عام 2016، وقدمت نفسها كجهة تمتلك طرحاً بديلاً عن قوى السلطة "الفاسدة".

تعتقد المجموعة أن أي سلاح خارج سلطة الدولة هو سلاح غير شرعي. لكن جمعيتها العمومية انقسمت حول المشاركة في الانتخابات على خلفية اعتبار البعض أن الاستحقاق الانتخابي فرصة لخوض معركة ضد قوى السلطة ولا ضير من التحالف مع مجموعات مدنية لا تعتقد أن سلاح حزب الله يشكل عائقاً أمام بناء دولة ذات سيادة غير منتقصة.

ورفض آخرون هذا التوجّه. وبحسب ناشطين فضّلوا عدم الكشف عن اسمهم توصلت "بيروت مدينتي" إلى قرار بعدم المشاركة في الانتخابات النيابية المقبلة باسم المجموعة، حفاظاً على "وحدتها"، مع ترك الحرية للأفراد بالمشاركة تحت اسم مجموعات أخرى.

وتأسست مجموعة "لبلدي" كمجموعة سياسية تسعى إلى تحسين تمثيل اللبنانيين في مجلس النواب وترتيب العلاقة بين المواطن والدولة على أساس المواطنة لا الطائفية. وتضم المجموعة أشخاصاً كانوا من مؤسسي "بيروت مدينتي"، ويتمتعون بخبرات في مجال وضع السياسيات الاقتصادية والاجتماعية.

وبحسب جيلبير ضومط، لا يجب أن يكون في لبنان سلاح خارج السلطة الشرعية. لكن يجب مقاربة هذه المسألة انطلاقاً من فكرة بناء دولة قوية وعادلة، من خلال إعادة ولاء الناس للدولة التي يجب أن توفّر جميع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين، وتعزّز حضور القوى الأمنية لتأخذ دورها بشكل كامل.

طرق متباينة لبناء الدولة

تجمع كل المجموعات المدنية تقريباً على فكرة ضرورة بناء الدولة وتقويتها. "ملتقى التأثير المدني" هي مجموعة تشكلت من رجال أعمال ووجوه مدنية بهدف تشكيل "لوبي" لتغيير السياسات ووضع مشاريع تساهم في عملية التنمية.

وبحسب يوسف مرتضى، تسعى المجموعة إلى تثبيت فكرة الدولة على قاعدة القانون وتطبيق الدستور، وكل انحراف عن هذه المسألة يُعتبر بمثابة طعنة لفكرة قيام الدولة المدنية. وتعتبر المجموعة أن حصريّة السلاح بيد الدولة يأتي في سياق تطبيق الدستور.

كذلك، يعتبر فادي ناصر الدين أن حملة "لِحقي"، وهي حملة مدنية لخوض الانتخابات النيابية المقبلة في منطقتي الشوف وعاليه ورثت حملة "شوفنا" التي كانت تنشط في الشوف قبل أن تتوسع، ضد أي سلاح خارج السلطة الشرعية ومع حصرية السلاح في يد الدولة.

وفي منشور كتبه قائد مجموعة "صح" زياد عبس على صفحته على فيسبوك، اعتبر أن وثيقة التفاهم التي وقعها حزب الله والتيار الوطني الحر "تفاهم سلام"، ما يعني أنه لا يعتقد أن سلاح حزب الله يخرق مبدأ سيادة الدولة.

وقد واجهت هذه المجموعة انتقادات كثيرة بسبب موقفها الذي اعتُبر داعماً لحزب الله. و"صح" هي مجموعة تشكلت مؤخراً وتضم أفراداً كانوا سابقاً منتمين إلى التيار الوطني الحر قبل أن يخرجوا منه، على أثر خلافات مع رئيس التيار، وزير الخارجية جبران باسيل.

أما "التجمع اللبناني"، وهو مجموعة مدنيّة تضم شخصيات مستقلة في جميع المناطق اللبنانية، فيعمل على خوض الاستحقاق الانتخابي عبر برنامج سياسي واقتصادي عنوانه الأساسي، بحسب عضو لجنة التنسيق فيه حنا صالح، بسط الأجهزة الأمنية الشرعية سيادتها على كامل الأراضي اللبنانية، والرفض الكامل لمنطق الدويلة ولأي سلاح فئوي وأي استباحة للحدود.

تحالفات وتسويات

شهدت مرحلة نقاش قانون الانتخابات النيابية تشكّل تحالفات مدنية عدة للمطالبة بإقرار إصلاحات انتخابية. وبعد إقرار القانون الجديد من قبل المجلس النيابي العام الفائت، ذهبت المجموعات لمناقشة كيفية المشاركة في الانتخابات وتم تشكيل تحالف "قسم".

توسع التحالف لاحقاً وانضمت إليه مجموعات مثل "طلعت ريحتكم" و"بدنا نحاسب" و"صح" (عونيين سابقين). وأعاد انضواء هذه المجموعات الثلاث ضمن تحالف مشترك نقاش سلاح حزب الله إلى طاولة البحث.

ورفض البعض وجود أشخاص حزبيين من "أحزاب المحاور" التي تدعم مواربةً سلاح حزب الله. وخيضت حول هذه المسألة نقاشات امتدت لأكثر من ثلاثة أشهر قبل أن يتحوّل تحالف "قسم" إلى تحالف جديد تحت مسمى "وطني".

حسم التحالف الجديد الخلافات حول سلاح حزب الله وسيادة الدولة عبر بندين ضبابيين أتيا في الوثيقة السياسية ويتحدثان عن "بسط وتعزيز سيادة الدولة على أراضيها من خلال استراتيجية متكاملة سياسية اقتصادية واجتماعية ودفاعية وعبر تنمية قدرات الجيش والأجهزة الأمنية دون الخضوع لأي شروط من أي جهة بما يسمح للدولة باسترجاع أراضيها المحتلة وحماية حدودها وردع أي اعتداء على الأراضي اللبنانية، وبسط سلطة الدولة على كامل المخيّمات الفلسطينية".

أما حول مسألة انضمام حزبيين إلى التحالف، اقتضت تسوية أن يلتزم هؤلاء بالوثيقة السياسية وأن تكون مشاركتهم في التحالف عبر انتمائهم لحملتهم المدنية.

من الانقسام إلى الوحدة

رغم التناقض في المواقف حول سلاح حزب الله، تمّ ترحيل هذه القضية عن طاولة البحث، والاكتفاء بالمطالبة ببناء الدولة القادرة والعادلة.

وبحسب الأسمر، ستشارك "طلعت ريحتكم" في الانتخابات عبر مرشحين وستلتزم بسقف تحالف "وطني" في ما يخص سلاح حزب الله، معتبراً أن هذه القضية التي انقسم اللبنانيون حولها منذ أكثر من 15 عاماً لا يمكن حلّها بين ليلة وضحاها.

وبرأيه، فإنّ معركة المجتمع المدني هي مع السلطة الفاسدة وليس مطلوباً منها وضع حل لسلاح حزب الله، بل يجب أن تطرح القضية للحوار بغية إيجاد حل عقلاني لها، "أما مَن يريد من المجتمع المدني نزع سلاح حزب الله فليذهب ويفعل ذلك، ولتكن معركته مع الحزب وليس مع بقية المجموعات التي لا توافقه الرأي".

ويوضح عضو مجموعة "لبلدي" جيلبير ضومط، وهي جزء من تحالف "وطني"، أن التحالف لن يشارك انتخابياً مع أي طرف سياسي أو مدني لديه سقف سياسي مغاير لسقف التحالف، لكن تم التوافق على تسوية معيّنة تسمح للمنضوين فيه بتشكيل تحالفات تكتيكية واستراتيجية مع بقية المجموعات.

ومن خارج هذا التحالف، أكدّ الناشط في مجموعة "حلو عنا" علي طي أن الاختلاف في وجهات النظر حول سلاح حزب الله لن يمنع المجموعة من التعاون مع بقية المجموعات في الانتخابات، فالأولوية اليوم لبناء دولة المؤسسات ومحاربة الفساد، وستكون هاتان النقطتان معياراً لأي تحالف.

أما حنا صالح، فيشدد على أن "التجمع اللبناني" سيخوض الانتخابات بمرشحين مباشرين وسيدعم اللوائح المدنية الشابة التي تؤمن بمنطلقات السيادة غير المنتقصة.

وبالتالي، يعتقد أن "تحالف وطني" لا يمثل التغيير ولا القوى المدنية الحقيقية، لا سيما أن هناك أشخاصاً فيه يدعمون حزب الله ويعتقدون أن "ورقة دعم السلاح"، قاصداً "ورقة التفاهم" التي وقعها حزب الله والتيار الوطني الحر عام 2006، هي عبارة عن "تفاهم للسلام".

وتجدر الإشارة إلى البعض في تحالف "وطني" يعتقدون أن السقوف العالية الحالية لبعض المجموعات القليلة حول سلاح حزب الله ستختفي تدريجياً مع بدء مرحلة تشكيل اللوائح، كون تلك "السقوف" وسيلة للتفاوض ليس أكثر.

وليد حسين

كاتب وباحث لبناني متخصص، تتناول كتابته الشؤون الانتخابية والسياسية. حائز على شهادة ماجستير من جامعة تريستي في إيطاليا في علوم الحكم والسياسات العامة، وعمل كمنسق للحملة المدنية للإصلاح الانتخابي.

التعليقات

المقال التالي