جنوب اليمن بين تزايد النفوذ الإماراتي والصمت السعودي

جنوب اليمن بين تزايد النفوذ الإماراتي والصمت السعودي

قبل أيام، اندلعت اشتباكات عنيفة بين ألوية الحماية الرئاسية التابعة للرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي وبين القوات التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي استُخدمت فيها المدفعية والدبابات وخلّفت عشرات القتلى والجرحى. وجرى ذلك في ظل ما وصفه البعض بـ"صمت سعودي"، رغم أن نتائج الاشتباكات تسير لصالح قوات المجلس.

ودعا رئيس الوزارء اليمني أحمد عبيد بن دغر الإمارات إلى تهدئة الوضع في عدن باعتبارها صاحبة القرار في المدينة والداعم الأول للمجلس الانتقالي الجنوبي الذي يطالب بإقالة الحكومة، تحت قوة السلاح.

نفوذ الإمارات جنوباً

في ظل الصراع الكبير على النفوذ في اليمن، يظهر النفوذ الإماراتي بقوة في جنوب البلاد بشكل عام وفي مدينة عدن بشكل خاص، وذلك منذ بدء عملية عاصفة الحزم (وبعدها عاصفة الأمل) التي يشنّها التحالف العربي الذي كوّنته وتقوده السعودية وتشارك فيه الإمارات، لإعادة الشرعية ودعم الرئيس هادي.

ومنذ بداية التدخل، ركّزت الإمارات العربية على مناطق الجنوب، وتحديداً المناطق القريبة من الموانئ الحساسة مثل ميناء عدن الاستراتيجي. وجاء اختيار أبوظبي لهذه المناطق نظراً لانحسار نفوذ حزب التجمع اليمني للإصلاح (الإخوان المسلمين) في المناطق الجنوبية.

وليس جديداً وضع الإمارات عينها على عدن ومينائها. فقد مُنحت حق تشغيل ميناء عدن في صفقة بينها وبين النظام السابق عام 2008، ألغاها الرئيس هادي عام 2012، بعد مطالبات شعبية واسعة بذلك، وبعد اتهام الإمارات بتعطيله لصالح موانئها.

من جانبها، ومنذ قيام الثورة اليمنية عام 2011، كانت السعودية صاحبة النفوذ الأقوى في اليمن، وتوّزع نفوذها بين قيادات عسكرية كبيرة وقبائل كبيرة. وبعد تدخلها في الصراع اليمني، ظلت السعودية تدعم حلفائها.

أقوال جاهزة

شارك غرداشتباكات عنيفة بين قوات موالية للحكومة اليمنية المدعومة من السعودية وبين قوات جنوبية تدعمها الإمارات... ماذا يحصل في جنوب اليمن؟

شارك غردالإعلام السعودي لم يهاجم التحركات العسكرية للمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات في عدن. فهل تخلت السعودية عن دعم "الشرعية"؟

وفي حين اتجهت الإمارات نحو الجنوب والساحل الغربي، اتجهت السعودية نحو مأرب والمناطق الشمالية القريبة من حدودها لتأمينها وهو الهدف المعلن من تدخلها العسكري.

لسنوات طويلة، ظلت السعودية تدعم مشايخ شمال اليمن، ما جعل من هذه المناطق حاضنة سهلة لنفوذها. واختارت الرياض محافظة مأرب لتكون مركزاً لنفوذها وحوّلتها إلى مركز لأنشطة مركز الملك سلمان وحوّلت العديد من رحلات المركز الجوية التي تحمل مساعدات إلى مطار المحافظة الترابي لتنطلق أعمال المركز الإغاثية منها إلى باقي المحافظات.

وأيضاً، تمركزت القيادات العسكرية السعودية في المحافظة، بحكم أن قيادات عسكرية محسوبة على حزب الإصلاح ومدعومة من السعودية (في مقدمتها نائب الرئيس الفريق علي محسن الأحمر) تسيطر عليها بشكل كبير، علماً أن الحزب يُعتبر صاحب النفوذ الأكبر في الجبهات الشمالية القريبة من الحدود السعودية.

أما الإمارات، فنظراً لصعوبة تواجدها في الشمال، اتجهت نحو الجنوب ودعمت إنشاء "قوات الحزام الأمني" عام 2016، وهي قوات أنشأتها قيادات في الحراك الجنوبي لضبط الأوضاع، وتتكوّن من يمنيين جنوبيين، خاصةً من محافظة الضالع. ولا تتبع هذه القوات للأجهزة الأمنية في المحافظات الجنوبية ولا لوزارة الداخلية، وتصاعدت في الفترة الماضية أصوات معارضة لها، خصوصاً بعد إغلاقها منافذ المحافظات الجنوبية ومنع دخول الشماليين إليها.

وبمجرد دخول الإمارات إلى عدن، سيطرت على الميناء الذي أُخرجت منه عام 2012، ثم تقدمت وسيطرت على الساحل الغربي وموانئه، وفي مقدمتها ميناء المخا وميناء باب المندب.

فالإمارات هي مَن يقود معركة الساحل الغربي بهدف الوصول إلى مدينة الحديدة ومينائها الأهم في اليمن، في معركة وصفها البعض بمعركة الموانئ.

تجاذب في عدن

سياسياً، دعمت الإمارات تعيين عيدروس الزبيدي محافظاً لعدن وشلال شايع مديراً لأمن عدن عام 2015. ورفضت القيادات الأمنية التابعة للمجلس الانتقالي العديد من توجيهات الرئيس هادي، وفي مقدمتها توجيهات حكومته بالسماح بدخول الشماليين إلى الجنوب.

تتنافس الإمارات مع هادي على السيطرة على العاصمة المؤقتة عدن، ولذلك دعمت تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي في عدن، في 11 مايو 2017.

وبرز التنافس مع إقالة حكومة هادي للزبيدي من منصبه في أبريل 2017، ما أثار ردود فعل شعبية غاضبة ومهّد الطريق أمام تشكيل المجلس الانتقالي الجنوبي برئاسته لتمثيل المحافظات الجنوبية في الداخل والخارج.

وأكد المجلس الذي رفضت الحكومة في بيان من الرياض تأسيسيه على استمرار "الشراكة مع التحالف العربي في مواجهة المد الإيراني بالمنطقة، والشراكة مع المجتمع الدولي في الحرب ضد الإرهاب".

ويعتبر محللون أن الإمارات حالياً تمنع إقالة مدير أمن عدن شلال شايع، الذي لا يشارك في الاجتماعات الأمنية التي تعقدها حكومة هادي في عدن. وكان كثيرون يتوقعون إقالته بعد إقالة الزبيدي.

يرى الصحافي رأفت المعمري، في حديث لرصيف22 أن ما يجري في عدن هو جزء من الصراع بين الرئيس هادي والإمارات على مواضيع عديدة في مقدمتها جزيرة سقطرى التي تحاول أبوظبي التحكّم بها، وهو ما "يزعج الحكومة الشرعية".

ويعتبر المعمري أن المجلس الانتقالي الجنوبي ورئيسه عيدروس الزبيدي ما هم إلا من أدوات الإمارات للضغط على هادي وحكومته من أجل تقديم تنازلات أكثر.

وبرأيه، فإن الموقف السعودي داعم لهادي وستتدخل الرياض في الوقت المناسب للضغط على الإمارات لأن "موقف السعودية واضح ضد الحراك الانفصالي".

وتعتبر عضو مؤتمر الحوار الوطني (عُقد بعد التوقيع على المبادرة الخليجية عام 2013 بمشاركة جميع المكونات السياسية والمجتمعية في اليمن بدعم من الأمم المتحدة) أميرة العراسي أن الأحداث الأخيرة نتيجة طبيعية لما حدث من قبل، "فالمعروف أن عدن هي في الأساس أحد المطامع الاستراتيجية للخارج والانقسام بين أبنائها يخدم أطراف خارجية تطمح لأن تكون صاحبة الأمر والنهي هناك".

وأضافت لرصيف22: "أتحدث هنا عن الأطماع الإماراتية التي تجلت بشكل واضح في جزيرة سقطرى وتتواصل لامتلاك عدن كإحدى مغانم الحرب".

أحداث عدن وصراع النفوذ

وتأتي الاشتباكات التي بدأت في الثامن والعشرين من يناير كتصاعد خطير لصراع "الشرعية" مع المجلس الانتقالي الجنوبي، وبدأت بعد انتهاء مهلة حددها الأخير لإسقاط الحكومة التي يتهمها بالفساد وإلا سيصعّد خطواته وقد تصل إلى الزحف نحو قصر المعاشيق الذي تتخذ منه حكومة بن دغر مقراً لها، تحت حماية ألوية الحماية الرئاسية.

وساءت العلاقة بين المجلس الانتقالي والحكومة، وهي علاقة لم تكن جيدة أساساً، بعد قرارات الرئيس هادي الأخيرة التي استبعدت شخصيات محسوبة على المجلس، وعلى رأسها إقالة وزير الداخلية حسين عرب وتعيين أحمد الميسري مكانه، ومباشرة الأخير عمله بقوة ودعوته إلى السماح للشماليين بدخول عدن وتنظيمه العديد من العروض العسكرية لقوات وزارة الداخلية وألوية الحماية الرئاسية، الأمر الذي اعتبره المجلس الانتقالي استفزازاً له ولقياداته.

يعتبر الناشط الجنوبي بسام القاضي أن الشرعية فاسدة ولذلك من مصلحة التحالف العربي إيجاد حكومة كفوءة، وأن السعودية ضاقت ذرعاً من فشل حكومة بن دغر في إحراز أية نتائج إيجابية على الأرض، ولذلك فمن مصلحتها إسقاطها.

ويضيف لرصيف22 أن الإعلام السعودي لم يهاجم تحركات المجلس الانتقالي الجنوبي الأخيرة، ما يعني أن السعودية أوعزت للإمارات للعب دور في ضبط الأوضاع في الجنوب.

ويتابع: "الإمارات تدعم المجلس الانتقالي الجنوبي كحليف له سلطة أمر واقع في عدن والجنوب وله الفضل في تأمين الجنوب من الإرهابيين، ولذلك لن تفرّط بحليفها من أجل شرعية فاسدة".

وبرأيه، فإن "الإمارات لا تقدر أن تتحرك دون إذن السعودية"، مبدياً اعتقاده بعدم وجود صراع سعودي إماراتي في عدن.

ويبدو أن صمت السعودية أصبح مثيراً للتساؤلات. ففي الوقت الذي كان المراقبون يتحدثون عن محاولات السعودية إيجاد نفوذ خاص بها في عدن والجنوب، تحديداً بعد زيارة السفير السعودي إلى عدن وموانئها وبعد دخول قوات عسكرية سعودية إلى محافظة المهرة التي كانت إلى وقت قريب من حصة الإمارات وبعد سيطرتها على المنافذ الجوية والبرية والبحرية في المحافظة الشرقية وتعزيز تواجدها في مأرب، تفاجأ كثيرون بصمت المملكة حول ما يجري حالياً في عدن.

وأشار الصحافي وفيق صالح إلى أن ما يحدث الآن "مريب حقاً"، لأنه "ليس لصالح الشرعية التي تدعمها السعودية ويتساءل كثيرون من اليمنيين عن مصلحة السعودية في الاضطرابات الحاصلة وتقويض السلطة الشرعية في المحافظات المحررة".

وأضاف لرصيف22 أن "تلك التساؤلات تبقى بلا إجابات في ظل غموض موقف السعودية تجاه العبث الإماراتي في الجنوب".

وبرأيه، فإن "تسلسل الأحداث التي تُضعف الشرعية يجعل السعودية في موضع شك ومحل اتهام حول وقوفها خلف ما يحدث بطريقة غير مباشرة وتنسيقها مع الإمارات من تحت الطاولة".

أصيل سارية

صحافي ومنتج تلفزيوني يمني. عمل مراسلاً لقناة "إكسترا نيوز" في اليمن عام 2017، وأنتج تحقيقات تلفزيونية بالتعاون مع شبكة أريج بُثت عبر قنوات مختلفة منها دويتشه فيله.

التعليقات

المقال التالي