رئيس "بلطجي" ووزير "قليل الأدب ووضيع"... موسم الانتخابات اللبنانية يكشف تهلهل السلطة

رئيس "بلطجي" ووزير "قليل الأدب ووضيع"... موسم الانتخابات اللبنانية يكشف تهلهل السلطة

"لا كيمياء بين الرجلين". هذه الجملة تطلّ برأسها بين الفينة والفينة، تفسيراً لكل خلاف بين رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري، أو بين الموكّلين بتمثيلهما في القضايا السياسية اللبنانية.

ضربات كثيرة "تحت الحزام" يوجهها سياسيو الطرفين أحدهما للآخر في المناسبات شبه المغلقة. وما يُقال علناً لا يقلّ عن ذلك، ولكن يختلف عنه في أنه منمّق أكثر ويستحضر تعابير سياسية من معجم ما فوق الحزام، كدستور وقوانين وحقوق وصحة تمثيل.

استيقظ اللبنانيون على اكتشاف بعض ألوان الضرب "تحت الحزام"، مع انتشار فيديو قصير لوزير الخارجية جبران باسيل، الرجل الثاني في التيار الوطني الحر، يصف فيه، أمام جمع من الناس في قاعة كنيسة في البترون، بري بـ"البلطجي"، وأُتبع بتسجيل أطول يُظهر توعّده، في نفس المناسبة بـ"تكسير رأس" الرئيس الثاني.

يأتي الفيديو في سياق خلاف الطرفين حول طروحات باسيل حول المغتربين وجولاته بينهم وخططه لإجراء تعديلات في وزارة الخارجية تمس بنفوذ حركة أمل فيها، وبسبب مؤتمر الطاقة الاغترابية المنوي عقده في بداية فبراير في أبيدجان، والذي تعمل حركة أمل الحاضرة بقوّة بين المغتربين في إفريقيا على إفشاله.

وما لبث وزير المال علي حسن خليل، الرجل الثاني في حركة أمل، أن ردّ على باسيل بعنف في تغريدة وصفه فيها بأنه "قليل الأدب ووضيع" ووصف خطابه بـ"خطاب الانحطاط ونعيق الطائفيين أقزام السياسة"، وأتبعها بتغريدة ثانية قال فيها: "مع المس بـ(الرئيس بري) سقطت كل الحدود... ولنا بعد الآن كلام آخر".

سجالات "انتخابية"

كثيرة هي السجالات التي اندلعت بين التيار الوطني الحرّ وحركة أمل في الأسابيع الماضية. "مؤتمر الطاقة الاغترابية" ليس سوى حلقة في سلسلة من حلقات كثيرة تتضمّن أزمة "مرسوم الأقدمية لضباط العام 1994"، واقتراح باسيل تمديد مهلة تسجيل اللبنانيين المغتربين الراغبين في الاقتراع في الانتخابات النيابية المقبلة، والسجال حول تفسير المادة 95 من الدستور.

يأتي التصعيد "العوني"، في أحد أوجه أسبابه، في سياق بدء تحضيرات التيار لرصّ صفوف ناخبيه، ما يقتضي، وفق تقاليد السياسة اللبنانية، إثارة أزمات "طائفية" تُعيد تقديم القوى السياسية-الطائفية أمام جمهورها كقوى منفردة، لا كقوى سلطة، وهو ما ينجح عادةً ويساعد في حصر كل صراع انتخابي بين قوى السلطة.

أقوال جاهزة

شارك غردتصعيد "عوني" ضد بري... التقاليد السياسة اللبنانية تقتضي إثارة أزمات "طائفية" تُعيد تقديم القوى السياسية-الطائفية أمام جمهورها كقوى منفردة، لا كقوى سلطة

شارك غردالعونيون يُطلقون سجالات "ديجافو"، تُظهر عدم كفاية فهمهم للروابط بين التقاليد والتوازنات التي أرستها حروب ومعارك

واعتاد العونيون قبيل كل انتخابات على ممارسة هذا التكتيك، وأبرز الأمثلة الماضية تذكير المسيحيين بأن الزعيم الدرزي وليد جنبلاط سرق أجراس كنائس ووضعها في دارته، خلال الحرب الأهلية، غير آبهين بتأثيرات مثل هذا الخطاب على المصالحة الدرزية المسيحية في جبل لبنان الجنوبي.

ويأتي اختيار حركة أمل بالتحديد لأنها الخصم الأضعف في هذه المرحلة، بحسب حسابات العونيين الحريصين على الابتعاد عن أية معركة مع حزب الله، ستكون مكلفة جداً لهم سياسياً وانتخابياً، ولأنها الخصم الذي يخشى "العونيون" أن ينتزع منهم مقاعد نيابية مسيحية في دائرة صيدا-جزين، ويؤثر على نتائجهم في دائرة بعبدا بسبب تحالفه الثابت مع حزب الله، ويسحب نائب جبيل عن المقعد الشيعي منهم في دائرة كسروان وجبيل، إضافة إلى تأثيرات أخرى في البقاع.

مجيء العونيين "متأخرين"

أسلوب شد العصب الطائفي قبيل كل انتخابات نيابية ليس أسلوباً يحتكره "العونيون"، بل هو "تكتيك" عام لكل قوى السلطة، ولكن في بعض جوانب ما يثيرونه يظهر تأثير حداثة عهدهم بالسياسة اللبنانية.

فـ"العونيون" الذين وصلوا متأخرين إلى قطار قوى السلطة في لبنان، سرعان ما طوّعهم منطق السلطة وانتزع منهم شعارات "الإصلاح والتغيير" ليتشرّبوا مفاهيم السياسة التقليدية التي بُنيت على مدار عقود من الزمن.

ولكنهم، في ممارستهم لهذه المفاهيم التقليدية، يُطلقون سجالات "ديجافو"، تُظهر عدم كفاية فهمهم للروابط بين التقاليد والتوازنات التي أرستها حروب ومعارك، أو على الأقل عدم فهمهم لخلفيات هذه التوازنات.

ضربات كثيرة "تحت الحزام" يوجهها سياسيو التيار الوطني الحر وحركة أمل أحدهما للآخر في المناسبات شبه المغلقة، وقد استيقظ اللبنانيون على إحداها

ففي قضية "مرسوم الأقدمية لضباط العام 1994"، وأساسها اعتبار العونيين أن المرسوم لا يقتضي توقيع وزير المال بجانب توقيعي رئيسي الجمهورية والحكومة، أعادوا إحياء سجال مطالبة الشيعية بمنصب وزير المال لتكون للطائفة مشاركة مضمونة في القرارات الإجرائية والتنفيذية.

وفي قضية المادة 95 من الدستور، أعادوا إحياء سجال سابق على توقيع اتفاق الطائف وما نتج عنه من تعديلات دستورية (1990)، مع اقتراح باسيل "إلغاء المذهبية السياسية" مع "المحافظة على المناصفة بين المسلمين والمسيحيين"، وهو ما رد عليه خليل بأنه تفسير "على طريقة المفتين الجدد" يعيد اللبنانيين "27 سنة إلى الوراء".

لم ينتبه باسيل قبل طرحه إلى تاريخ طويل أفضى إلى مناصفة طائفية بين المسلمين والمسيحيين كبديل ليس عن "الدولة المدنية" بل عن المثالثة المذهبية بين شيعة وسنة ومسيحيين.

العونيون وحزب الله

لا شك في أن "العونيين" يشكلون مصدر صداع لحليفهم الكبير حزب الله، رغم أنهم يحرصون على تجنّب أي خلاف مباشر معه، وهم في ذلك، وأيضاً ربما نظراً لحداثة عهدهم في السياسة اللبنانية، لا يفهمون طبيعة التحالف بينهم وبين هذا الحزب ولا بين الأخير وبين حركة أمل.

فحزب الله في السياسة اللبنانية لا يمكنه التخلّي عن أمرين: الأول، هو بناء مظلة حول سياساته الإقليمية، تضم نصف اللبنانيين على الأقل، لكي لا تُنزع الشرعية عن سلاحه، ومن هنا تأتي ضرورة ورقة التفاهم بينه وبين التيار الوطني الحر؛ والثاني، هو دفاعه عن حصة الشيعة في المنظومة الدولتية اللبنانية وهي الحصة الضرورية له، كما لباقي القوى السياسية-الطائفية، من أجل الاستمرار شعبياً كونها مصدر دخل ومصدر لتوظيف الأتباع، وهما أساسان ضروريان لعمل كل القوى السياسية.

يحاول حزب الله أن يصوّر نفسه كحزب مترفّع عن "صغائر" أولويته الثانية، ويوكل إلى حليفه الشيعي حركة أمل صياغة التفاهمات حولها.

في اشتباكات "العونيين" المتكررة مع حركة أمل، يظهر عدم فهمهم لأولويتي حزب الله، ما يكشف عدم فهمهم لطبيعة حليفهم وظنّهم أنه الصورة التي يقدّمها عن نفسه.

ومن المرجّح، في الفترة المقبلة، أن تتضاعف أخطاء حسابات العونيين، كونهم يعتقدون أنهم قوة يسعى الجميع إلى التحالف معها، وتستطيع لعب دور "أب الكل"، فيتحالفون مع حزب الله ومع تيار المستقبل ومع القوات دون خسائر، ويتقرّبون من إيران والولايات المتحدة في آن واحد، ويدافعون عن حزب الله كحزب مقاوم في وقت يعترضون على منع فيلم "ذا بوست" لستيفن سبيلبرغ، لأن في منعه "تجسيد نظرية قمع الرأي الآخر بذريعة مواجهة العدو".

يكشف الخلاف بين "العونيين" وحركة أمل أن السلطة تهلهلت، ولكن قد يغري ذلك بعض المعارضين من حركات مدنية ويدفعهم إلى استسهال مواجهتها (وهو ما يبدو أنه حاصل حالياً) وينسيهم أن أحزاب السلطة المتهلهلة لا تزال قادرة على احتكار تمثيل اللبنانيين لأن كل شيء متهلهل، من آلية تعيين أصغر موظف في الدولة إلى أكبر برنامج "إصلاحي".

حسن عباس

محرر القسم السياسي في رصيف22. كاتب وصحافي لبناني متخصص في الشؤون السياسية. قبل رصيف22، عمل وكتب في مؤسسات إعلامية لبنانية ودولية عدّة، وأجرى أبحاثاً تركّز على كيفية تحقيق الاستقرار في مجتمع متنوّع. يمكن التواصل معه عبر فيسبوك وتويتر.

التعليقات

المقال التالي