الحوثيون "كسروا" قبائل اليمن... ومدنيون يطالبون بعدم تمكينها من الصعود على أكتاف الدولة مجدداً

الحوثيون "كسروا" قبائل اليمن... ومدنيون يطالبون بعدم تمكينها من الصعود على أكتاف الدولة مجدداً

عام 2005، في مقابلة شهيرة، تحدّى الشيخ المعروف حميد الأحمر، وهو أحد وجهاء قبيلة حاشد اليمنية، الرئيس علي عبد الله صالح قائلاً: "مَن وراءه قبيلة حاشد لا يخشى أحداً".

عكست تلك الكلمات حقيقية الواقع اليمني، ولخصت حقيقة أن قوة القبيلة اليمنية تعادل قوة الدولة، إن لم تكن أقوى منها، وأن الأخيرة لا تستطيع محاسبة أي شيخ ينتمي إلى قبيلة قوية لها أتباع أقوياء يتحكمون في العديد من مفاصل الدولة.

عادت القبيلة اليمنية إلى الواجهة بعد الاشتباكات العنيفة بين الحوثيين وصالح في العاصمة صنعاء، والتي انتهت بمقتل الأخير بعد أيام قليلة من اندلاعها في الثاني من ديسمبر الفائت.

وطرحت تلك الأحداث سؤالاً مهماً يظل بدون إجابة واضحة: كيف استطاع الحوثيون كسب ولاء قبائل طوق صنعاء وقبائل شمال الشمال وقبائل الوسط؟

خارطة القبائل اليمنية

تتوزع القبائل اليمنية على امتداد جغرافيا اليمن شمالاً وجنوباً، ولعبت هذه القبائل أدواراً مهمة في التاريخ اليمني الحديث، إلا أن القبائل التي تعيش في الشمال كان لها التأثير الأكبر باعتبارها كانت طرفاً في صراع تاريخي وتتلقى دعماً مباشراً من دول الجوار، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية.

ساهمت قبائل الشمال في تأخير حسم الثورة اليمنية، في 26 سبتمبر 1962، ضد الإمام البدر، إذ وقفت قبائل حجة وصعدة مع الملكية ودافعت عنها واستقبلت الإمام الذي قامت ضده الثورة. كذلك ساهمت بعض قبائل خولان ومأرب في الحفاظ على الملكية وخصوصاً بعد التدخل المصري في اليمن، الذي اعتبرته احتلالاً. كما دعمت السعودية القبائل اليمنية بالمال والسلاح، في مواجهة ما أسمته حينذاك المد الناصري الشيوعي.

وبرغم أن سلطة القبائل اليمنية في عهد الملكية لم تكن قوية أو مؤثرة، فإن القبائل اليمنية انقسمت بين مؤيد للثورة ومعارض لها، وركبت بعض القبائل بساط الجمهورية حتى تضمن لنفسها نفوذاً في مرحلة ما بعد الملكية.

ولعل قبيلة حاشد التي تتركّز في بعض مناطق عمران ويصل نفوذها إلى بعض المناطق المحيطة بصنعاء من أكثر القبائل تأثيراً في الشأن اليمني. فهذه القبيلة التي كان يتزعمها الشيخ النافذ عبد الله بن حسين الأحمر منذ ستينيات القرن الماضي حتى وفاته عام 2007، استطاعت أن تسيطر على أهم مفاصل الدولة عسكرياً وسياسياً.

شيخ مشائخ حاشد سابقاً  عبد الله الأحمر عام 1965

 

فقد كان كثيرون من القادة العسكريين ينتمون إلى حاشد، ومن أبرزهم الفريق علي محسن الأحمر، نائب رئيس الجمهورية حالياً، والذي كان الرجل الثاني في فترة حكم صالح وكان يوصف بأنه باب الرئيس السابق.

وترأس زعيم القبيلة عبد الله الأحمر مجلس النواب من عام 1994 حتى عام 2007 وكان له أربعة أولاد أعضاء في المجلس. كما سيطرت هذه القبيلة على أهم مفاصل الاقتصاد الوطني عبر مجموعة من أبرز مشايخها، على رأسهم حميد الأحمر، صاحب الاستثمارات الضخمة في عدة مجالات، أهمها الاتصالات والنفط والكهرباء، حتى دخول الحوثيين صنعاء عام 2014.

قبائل مأرب

تنتمي قبائل مأرب إلى مذحج وهي كثيرة وكبيرة وذات تأثير كبير، وتسيطر على أهم مناطق الثروة في اليمن، إذ يستخرج النفط والغاز والفوسفات من أماكن وجودها شرق اليمن. ولكن ليس لدى هذه القبائل مرجعية قبلية واحدة ولكل قبيلة منها عدة مرجعيات.

وتُعتبر مراد من أهم قبائل مذحج وتتركّز في المناطق الشرقية لمأرب وكانت من أوائل القبائل التي ناوأت حكم الإمام أحمد ووالده من قبله، الإمام يحيى حميد الدين، إذ قام الشيخ علي ناصر القردعي المرادي بقتل الأخير في صنعاء عام 1948.

أقوال جاهزة

شارك غرداستمال علي عبد الله صالح قبائل الشمال في حربه ضد الجنوب بعدما صوّرها لهم كحرب دينية، فهجمت القبائل معه ضد "الملحدين الماركسيين"

شارك غردثنائية القبيلة والدولة في اليمن... عام 2005، تحدّى الشيخ حميد الأحمر علي عبد الله صالح وقال له: "مَن وراءه قبيلة حاشد لا يخشى أحداً"

الجمهورية والقبيلة

"جمهوريون في النهار وملكيون في الليل". بهذه العبارات وصف أحد الضباط المصريين القبائل اليمنية، وقال إنها كانت تساند الجيش المصري والقوى الجمهورية في النهار وتحاربهم في الليل. كانت قبائل كثيرة تتلقى دعماً من السعودية ومصر في الوقت نفسه، لكنها كانت تنتظر حسم أحد الطرفين للصراع حتى تواليه.

علي عبد الله صالح مرتديا زيا شعبياً ويظهر بجانبه ابنه أحمد

وحالما خرجت القوات المصرية من اليمن عام 1967، استطاع الملكيون بالتعاون مع بعض القبائل، وتحديداً قبائل طوق صنعاء وقبائل جنوب صنعاء التي انقلبت على الجمهورية، فرض حصار خانق على الجمهوريين في العاصمة، عُرف في ما بعد بحصار السبعين يوماً، ولكن صنعاء صمدت.

منذ فجر الثورة في الـ26 من سبتمبر 1962، حاول الثوار الجمهوريون استمالة القبيلة إلى صفهم، فأصدر الرئيس عبد الله السلال، أول رئيس لليمن بعد الثورة (1962-1967) قراراً بإنشاء وزارة شؤون القبائل، بهدف التنسيق بين الحكومة والقبائل المؤيدة للثورة، وفقاً لما قاله المؤرخ إبراهيم العنسي لرصيف22.

لم تكن هذه الوزارة في ذلك الوقت ذات تأثير كبير في دعم الثورة اليمنية إذ ظل العديد من القبائل منحازاً إلى الملكيين. ولم تكن هذه الوزارة تهدف للحد من دور القبيلة في بناء الدولة اليمنية الحديثة بعد الثورة بل عملت على دعم القبيلة وتقويتها وجعلتها منافسة للدولة الناشئة التي كانت لا تزال ضعيفة وبالكاد نجحت في الوقوف ضد الملكيين.

الدولة في مواجهة القبيلة

عام 1974، قاد الرئيس إبراهيم الحمدي انقلاباً أبيض على الرئيس القاضي عبد الرحمن الأرياني وتسلم الجيش زمام الحكم في شمال اليمن. لم يكن هذا الانقلاب ضد الرئيس الأرياني فقط بل كان انقلاباً على القبيلة أيضاً. فقد ألغى الحمدي وزارة شؤون القبيلة واعتبرها عائقاً أمام التنمية، ثم دخل في مواجهة مباشرة مع شيوخ القبائل، وفي مقدمتهم الشيخ عبد الله الأحمر، شيخ قبائل سنحان، وشيوخ آخرين، وأبعدهم عن العاصمة صنعاء ومنع دخولهم إليها، بل هدد الشيخ الأحمر بالقتل إذا لم يكف عن تحدي الدولة.

يعتبر العنسي أن هذه المواجهة لم تكن لمصلحة الحمدي الذي كان يواجه القبيلة والسعودية في الوقت نفسه، فقد استطاعت القبيلة أن تجند مجموعة من القادة العسكريين في الجيش لمصلحتها، وفي مقدمتها رئيس هيئة الأركان أحمد حسين الغشمي.

وفي "ظروف غامضة"، نجحت مؤسسة القبيلة (وبالأخص بكيل وحاشد) صاحبة التأثير القوي داخل الجيش، وبدعم سعودي، في قتل الرئيس الحمدي وأخيه عبد الله عام 1977.

كان اغتيال الحمدي رسالة واضحة إلى أي رئيس يأتي من بعده ويفكر في إضعاف دور القبيلة، وهو ما فهمه علي عبد الله صالح جيداً وأجاد اللعب على أوتاره.

صالح والقبيلة

استثمر علي عبد الله صالح علاقاته بمشايخ القبائل لتثبيت حكمه شمالاً ودعم الوحدة في ما بعد. فبمجرد استلامه الحكم عام 1978، عيّن العديد من المشايخ في عدة مناصب حكومية سياسية وعسكرية ودفع بالقبائل إلى مساعدته في بعض المواجهات العسكرية مع جنوب اليمن وفي حروب المناطق الوسطى في ثمانينيات القرن الماضي.

أنشأ صالح عام 1983 مصلحة شؤون القبائل على غرار وزارة شؤون القبائل التي ألغاها الحمدي وألحقها بوزارة الداخلية لتبدو وكأنها إجراءات أمنية لضبط القبائل، وخصص لها ميزانية كبيرة بلغت عام 2010 أكثر من 13 مليار ريال (60 مليون دولار) تُصرف لكبار مشائخ القبائل اليمنية.

وعام 1994، استطاع صالح إقناع القبائل بالوقوف معه في حرب الانفصال ونجح مخططه في استمالة جميع قبائل الشمال بعد أن صوّر لها الحرب على أنها حرب دينية. وأصدر العديد من مشايخ القبائل ومشايخ الدين فتاوى تفيد بأن الحرب هي ضد الملحدين الماركسيين.

اجتاحت قبائل الشمال عدن وسيطرت على مفاصل الدولة الجنوبية وأجزاء كبيرة من الأراضي الحكومية التي كانت مؤممة قبل الوحدة. كان صالح يعلم جيداً أن قبائل الجنوب ليس لها أي تأثير ولا تملك أي سلاح باعتبار أن الحزب الاشتراكي في الجنوب كانت له اليد العليا واستطاع، منذ استقلال الجنوب عن بريطانيا، أن يجعل القبيلة في الجنوب دون أي تأثير يذكر يهدد حكمه.

لعب صالح على الصراعات القبيلة كثيراً، فقد كان يدعم العديد من القبائل ذات التأثير الأكبر في مناطقها ويقرّبها منه، وكان لا يحسم أية معركة له مع القبائل بالقوة العسكرية إذ كان دائماً يشكل لجان صلح بينه وبين أية قبيلة يقع نزاع بينها وبين الدولة. حتى القبائل التي كانت تعمل على اختطاف السائحين كان صالح يدفع لها مقابل الإفراج عنهم.

ومع انطلاق شرارة الربيع العربي في اليمن، انضم العديد من القبائل إلى الاحتجاجات المطالبة بتنحي صالح عن الحكم، وفي مقدمتها قبائل حاشد وفروع كبيرة من قبائل مأرب وبكيل وتعز، ونشب في صنعاء صراع مسلح بين آل الأحمر والأجهزة الأمنية انتهى بدخول الأخيرة منزل الشيخ الأحمر في صنعاء وحصار أولاده، قبل أن تتدخل السعودية في وساطة لتنهي التوتر بين الطرفين.

وحتى بعد خروج صالح من الحكم، ظل يراهن على تأثير القبيلة كثيراً وكان يعقد اجتماعات بشكل دوري مع قبائل كل محافظة على حدة، وكان يراهن كثيراً على قبائل طوق صنعاء في حمايته من أي زحف لقوات الشرعية المدعومة من التحالف العربي نحو صنعاء، قبل أن تنقلب عليه في مواجهته الأخيرة أمام الحوثيين في ديسمبر 2017.

الحوثي وانهيار القبيلة

بدأ الحوثيون تحركهم نحو صنعاء عام 2014 بمواجهات كبيرة مع قبائل حاشد في عمران، وتحديداً في الخمري، مسقط رأس الشيخ الأحمر، واستطاعوا بالتعاون مع بعض مشايخ سنحان الذين كان لديهم خلاف مع بيت الأحمر هزيمة آل الأحمر، وهرب حسين الأحمر إلى السعودية قبل أن يلحق به إخوانه هرباً من الحوثيين.

في هذه المواجهة، أظهر الحوثيون أنهم لا يراهنون على القبائل وأن شيخ القبيلة ليس له أي اعتبار لديهم وعملوا على تفجير بيوت آل الأحمر في أسلوب جديد هدفه ترهيب شيوخ القبائل اليمنية.

واصل الحوثيون سيرهم نحو صنعاء ولكنهم لم يدخلوا في أية مواجهة مع قبائل طوق العاصمة. فقد سلمت قبائل همدان وخولان وسنحان للحوثيين دون أية مقاومة، وتمدد الحوثيون في غرب اليمن وجنوبه وكانوا يفجرون منازل المشايخ المعارضين لهم. حتى القبائل التي عرفت بنضالها مع الثورة في محافظة البيضاء سلمت للحوثيين، فدخلوا أكثر المناطق قبلية في جنوب اليمن (خصوصاً شبوة وأبين) دون مواجهات عنيفة.

ارتعبت القبائل كثيراً من أسلوب الحوثيين في مواجهة الخصوم وتفجير منازلهم وقتل مشايخهم، وكان الحوثيون لا يقبلون أية وساطة من أي شيخ، إلا أنهم اصطدموا أخيراً بقبائل مأرب التي أعلنت النفير العام ضدهم مع انطلاق شرارة الحرب في عمران وحشدوا مقاتليهم وإمكانياتهم كاملة في حدود المحافظة، وخاضت هذه القبائل بالتعاون مع قبائل الجوف معارك عنيفة للدفاع عن مأرب، ولم يتمكن الحوثيون من دخول كامل المحافظة، ومع قدوم التحالف العربي لمساندة الشرعية تنفست قبائل مأرب والجوف وتعز الصعداء وتحوّل موقفها من المدافع إلى المهاجم.

استطاع الحوثيون التغلّب على نفوذ القبيلة بالقوة وأصبح المشرف الحوثي أقوى من شيخ القبيلة، واستطاعوا تحجيم دور القبائل اليمنية وتحديداً في طوق صنعاء التي كان يراهن عليها صالح للدفاع عنه.

والآن، يدعو العديد من أنصار الدولة المدنية الحديثة الشرعية، في حال انتصارها على الحوثيين، إلى استغلال انكسار القبيلة أمام الحوثيين وعدم تمكينها من الصعود مجدداً على أكتاف الدولة.

التعليقات

المقال التالي