أبناء يناير الخارجون من سجون النظام: "ما زال تحقيق الأحلام ممكناً"

أبناء يناير الخارجون من سجون النظام: "ما زال تحقيق الأحلام ممكناً"

يعاني أحمد عبد الرحمن من الاكتئاب بعد خروجه من السجن عقب تمضيته عقوبة مدتها ثلاث سنوات و100 يوم، أحصاها أسبوعاً فأسبوعاً لأنها مثلت أشد التجارب قسوة في حياته، حسبما يقول.

عبد الرحمن الذي حُبس في القضية المعروفة إعلامياً بـ"أحداث الشورى" في 13 نوفمبر 2013، لم يعرف الثورة إلا من شاشات التلفزيون، ولم يشارك فيها على الإطلاق، وقد قبض عليه أثناء مروره مصادفةً بالشارع ليواجه تهماً عدة انتهت بحبسه، حسبما روى لرصيف22.

يعتبر عبد الرحمن نفسه أنه أوفر حظاً من أقرانه في القضية، لأنه خرج بعفو برئاسي فيما بقي الآخرون في السجن.

"مصر بقت سجن كبير، يا ريتني فضلت محبوس"، يقول متحسراً.

على عكس عبدالرحمن وحالة الإحباط التي يعيشها، كتبت الناشطة السياسية ماهينور المصري التي خرجت من المعتقل قبل فترة وجيزة، على صفحتها في فيسبوك موجهةً كلامها للنظام "تقدروا تلفقوا و تهددوا بس لا حنسكت على ظلم ولا حنسيب بلدنا... بكرة بتاعنا".

أرقام وإحصاءات

قبل بضعة أسابيع، أصدرت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، والتي حجبت السلطات المصرية أخيراً موقعها على الإنترنت، تقريراً مفصلاً عنوانه "في سجون مصر هناك متسع للجميع"، رصدت فيه التزايد الكبير في عدد السجون بعد الثالث من يوليو 2013، وقالت إن سجون مصر تضمّ نحو 60 ألف سجين سياسي.

يقول مدير الشبكة، الناشط الحقوقي جمال عيد، إنه رغم عمليات القبض الممنهج ضد الشباب والتضييق الأمني، فإن "هناك حراكاً ثورياً واسعاً في الشارع المصري".

ويدلل على ذلك بتأكيده أن "عدد الفعاليات الاحتجاجية في السنوات الأربع الماضية، وهي مدة حكم (الرئيس المصري عبد الفتاح) السيسي، بلغ 4378 بين إضرابات ووقفات احتجاجية وتظاهرات".

ويضيف: "ما زالت شعارات ثورة يناير، العيش والحرية والكرامة الإنسانية، مرفوعة في الشارع بشكل كبير جداً. وإن لم يُشر إليها الإعلام المصري، فهذا لا يعني أنها ليست موجودة. علماً أن إعلام الثورة المضادة غير المستقل يرفض الحديث عنها".

بعد مرور سبع سنوات على الثورة المصرية الأكبر، ماذا يقول المشاركون فيها ممن خبروا تجربة السجن ثم استعادوا حريتهم؟

أحمد جمال زيادة: التغيير مستحيل

ألقي القبض على الصحافي أحمد جمال زيادة أثناء تغطيته أحداث جامعة الأزهر في 28 ديسمبر 2013. وقد وُجهت له تهم عدة،  أبرزها الانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين، والاعتداء على ضابط، وخرق قانون التظاهر والتجمهر وإتلاف وحرق ممتلكات عامة، وسُجن 467 يوماً.

يرفض زيادة وصفه بالمظلوم برغم ما تعرض له في السجن، إذ يرى أن هناك الآلاف داخل السجون ظلموا أكثر منه.

زيادة الذي ترك التغطية الميدانية بالكاميرا ليتحول إلى الكتابة، يرى أن تفكيره الثوري اختلف كلياً بعد تجربة سجنه، وأن لا أمل في تحقيق مبادئ الثورة.

ويقول لرصيف22: "حاولت بعد السجن إقناع نفسي بأن الثورة مستمرة. وقد اكتشفت مع الوقت، أنها أحلام واهية، فلا هي مستمرة ولا ‘نيلة’. سجننا هو المستمر، قمعنا هو المستمر. معظمنا لم يعد يحلم بالحرية الكاملة، وحتى إنْ وُجد الحلم، فكيف نتحرك لتحقيقه؟ هل نثور مجدداً؟ الدبابات ستدهسنا. وهل نشارك في الانتخابات؟ الأموال والإعلام والجيش والشرطة والقضاء والسجن سيهزموننا، في النهاية لا أمل".

ويضيف: "قبل الثورة، عندما كنا نسمع أن فلاناً مكث في السجن عاماً لأسباب سياسية، كانت الدنيا تقوم ولا تقعد. أما الآن، غالوضع مختف. فكم قضى علاء عبد الفتاح من عمره في السجن لإيمانه بالثورة؟ وكم ضاع من عمره بسبب عمله الصحافي؟ ومثله هشام جعفر وإسماعيل الإسكندراني وأحمد دومة. وحتى أحمد ماهر ومحمد عادل ما زالا يذهبان إلى القسم يومياً للمراقبة الأمنية التي لا تجري إلا على المجرمين".

أقوال جاهزة

شارك غردشهادات عن ثورة 25 يناير في ذكراها السابعة... "حاولت بعد السجن كثيراً إقناع نفسي بأن الثورة مستمرة، واكتشفت مع الوقت أنها أحلام واهية، فلا هي مستمرة ولا ‘نيلة’"

شارك غردشهادات عن ثورة 25 يناير في ذكراها السابعة... "الثورة حدث مستمر وإن كانت في حالة خفوت حالياً، وكل شخص ينظر إليها على طريقته"

محمد دومة: "فرّق تسد"

محمد دومة، 27 عاماً، هو أحد شباب ثورة يناير. فقد بصره كلياً نتيجة إطلاق خرطوش بشكل مباشر على عينيه في أحداث 28 يناير 2011.

اعتُقل دومة بعد لقاء أجراه على إحدى الفضائيات في 24 يناير 2015، أي قبل الاحتفال بالذكرى الخامسة لثورة يناير، دعا فيه  للتظاهر إحياءً للذكرى، فوُجّهت له على الأثر تهم تكدير السلم العام والتحريض على قلب نظام الحكم وقيادة تنظيم سري وإلقاء الحجارة على قوات الأمن وحيازة سلاح.

"عانيت في فترة حبسي نفسياً وجسدياً، فقد كنت لا أستطيع أن أخدم نفسي. كيف لي ذلك وأنا كفيف ولا يوجد مرافق يساعدني، بالإضافة إلى التعذيب والضرب والإهانة؟ ونتيجة ضغوط مارستها منظمات المجتمع المدني، خرجت بكفالة مقدارها 50 ألف جنيه مصري دفعتها عائلتي" يقول دومة لرصيف22.

ويضيف: "أصابتني التجربة بأزمات نفسية جعلتني حبيس المنزل ستة أشهر خضعت بعدها لجلسات تأهيل حتى أستطيع ممارسة الحياة مرة أخرى".

"لا أستطيع العمل الآن نظراً لظروفي الصحية. كما أن الدولة ترفض مساعدتي على السفر إلى الخارج لإجراء عملية تمكنني من الرؤية برغم أنني مسجل في الجهاز القومي لمصابي الثورة، وما زلت مطلوباً في قضية لا أعلم عنها شيئاً، وهي محاولة قلب نظام الحكم، وتم القبض على جميع المطلوبين معي بها، لكنني هارب وأغيّر أماكن سكني حتى لا يُقبض عليّ، وأتمنى ألا يحدث ذلك"، يتابع.

وعن الثورة واستمرارها، يقول: "ما زال المد الثوري موجوداً، لكن للأسف، نجحت سياسة ‘فرق تسد’ التي زرعها النظام في تشتيت جهود العمل الثوري في الفترة الأخيرة، فنحن غير مجتمعين على فكرة واحدة ألا وهي إسقاط النظام الحالي. وأي مبادرة للم الشمل، غالباً ما يتم اتهام مطلقيها بالخيانة والعمالة للنظام من جانب فصيل ثوري آخر".

ويضيف: "شخصياً اتّهمت بالعمالة للنظام عقب تأسيسي حركة ثورية حملت اسم ‘البداية’، مع عمرو بدر وأسماء محفوظ وغيرهما. لقد اتُّهمنا بأننا تابعون لجهاز المخابرات وبأننا ‘مزقوقون’ من النظام لضرب الثورة، ما أدى إلى موت الحركة في مهدها".

ويرى دومة أن تنفيذ أحكام الإعدام بحق الشباب يُعتبر امتداداً طبيعياً لمسلسل الظلم الذي يمارسه النظام، ويضيف: "أي إنسان من حقه أن يُحاكَم أمام محاكم عادلة كمواطن وكإنسان، وكل تلك الأحكام لن تثنينا عن استكمال الحُلم الذي خرجنا من أجله في 25 يناير".

محمود هشام: نعيش حالة فتور ثوري

محمود هشام، 25 عاماً، هو أحد قادة حركة 6 أبريل. أُلقي القبض عليه ثلاث مرات، أولاها في 21 يونيو 2014، في ما عُرف بقضية مسيرة الاتحادية، وحُكم عليه بالحبس والمراقبة عامين، إلا أنه خرج بعفو رئاسي بعد 16 شهراً، لكنه حُبس مجدداً في ما عُرف بقضية "قيادات 6 أبريل"، مدة شهرين ونصف الشهر، ثم قُبض عليه مرة أخرى بتهمة التحريض على التظاهر في "جمعة الأرض" المطالبة بعدم توقيع اتفاقية تيران وصنافير.

"أنا مطارد حتى في ‘أكل عيشي’. يقول لرصيف22. ويصرّ على استمراره في العمل السياسي. ويضيف: "رغم التضييق والملاحقات عند كل مناسبة سياسية، ورغم أن حالة الزخم الثوري اختفت وأصبحنا نعاني حالة خمول، وتكتيكاتنا وآليات عملنا اختلفت، فإننا جميعنا خرجنا من رحم الثورة. وهذه الثورة حدث مستمر وإن كانت متراخية حالياً، وكل شخص ينظر إليها على طريقته".

ويروي أن وكيل النيابة قال له أثناء التحقيقات: "أنا مش لاقي قضية بس مستني تليفون يقولي اتهمك بإيه؟"، ويعلّق على ذلك: "كيف أثق بعدالة كهذه، أو كيف أعطي أماناً للمؤسسة القضائية أصلاً".

جميلة سري الدين: سنثور

جميلة سري الدين، 32 عاماً، مسؤولة عن ملف مصابي الثورة بتيار الكرامة، اعتقلت أثناء زيارتها لأصدقائها المتهمين في قضية إحياء ذكرى "أحداث محمد محمود" يوم 19 نوفمبر 2015، وحكم عليها بالسجن عامين بتهمة التآمر لقلب نظام الحكم والانتماء لتنظيم سري، إلا أنها خرجت منه بعفو رئاسي بعد 16 شهراً.

تقول لرصيف22: "فترة السجن أثّرت عليّ بشكل كبير. فقدت عملي. كنت أملك محلاً لبيع الملابس، فانهار، وما زال أبنائي يعانون من نوبات قلق وخوف، لكني أحاول احتواءهم نفسياً".

جميلة مطاردة أمنياً بسبب عدة قضايا في انتظار الحكم فيها، وقضايا أخرى خرجت منها بكفالات مالية، إلا أنها مستمرة في مشوارها الثوري.

"أنا أربّي ابني البالغ من العمر 12 عاماً على العمل الثوري، ففكر الثورة يجب أن نزرعه في أبنائنا"، تؤكد.

وتضيف: "جبنا آخرنا، شوفوا هتعملوا إيه وإحنا معاكم"، هي جملة أسمعها كثيراً في الشارع المصري.

وتشير إلى أن "الناس لا تستطيع أن تجد قوت يومها. الشارع لن يتحمل كثيراً، وإن كان إعلام النظام يصوّر غير ذلك"، وتكمل: "سنثور ونثور ما دام  دم الشهيد لم يجف بعد، وما دام هناك معتقلون داخل السجون، فهذا النظام علّمنا كيفية العيش في سجونه ولن نخاف إن عدنا إليها مرة أخرى".

محمود السقا: مظالمنا هي دافعنا لاستكمال الثورة

محمود السقا، 27 عاماً، صحافي قُبض عليه في القضية المعروفة إعلامياً باقتحام نقابة الصحافيين أثناء اعتصامه وزميله عمرو بدر وآخرين لمطالبة الحكومة بعدم توقيع اتفاقية التنازل عن جزيرتي "تيران وصنافير" وقضى 155 يوماً في زنزانة التأديب، وتعرّض للاعتقال أيضاً في 30 ديسمبر 2015 بسبب الدعوة لإحياء ذكرى الثورة.

يعاني السقا من تبعات "النجومية" التي حققها بعد القضية، فلا يستطيع العمل في موقع أو صحيفة بسبب التوصيات الأمنية من ناحية، وخوف أصحاب الصحف من توظيفه من ناحية أخرى، حسبما صرّح لرصيف22.

"الإحساس بالظلم والقهر الذي عانيته من تجربة سجني جعلني أكثر إصراراً على الانتقام من هذا النظام بكل الطرق السلمية. أعرف شباباً كُثراً تركوا العمل السياسي نتيجة ما عانوه من ضغط نفسي من النظام، لكنني مصمم على إكمال الحلم الذي بدأناه بالثورة"، يقول.

ويضيف: "نحن لم نُسجن سوى لأننا دافعنا عن أرضنا ضد نظام خائن باعها، وسيأتي الوقت الذي نحاسبه فيه ونسترجعها. إنه نظام ساقط كغيره من الأنظمة الديكتاتورية، والتغيير قادم لا محالة".

ويتوقع السقا أن عام 2020 سيكون عام التغيير الحقيقي في مصر، فالناس لن تصمت عما يعانونه من فقر وتجويع، بحسب وصفه.

مجدي غنيم: طول ما فينا نفس مش هنسكت

مجدي غنيم، 53 عاماً، صحافي مارس العمل السياسي منذ أكثر من 25 عاماً. ورغم علاقة المد والجزر في نظرته إلى السلطة، فإن اعتقاله لمدة عام في ما عرف بقضية "البانر" يظل الأبرز بالنسبة له. فهو كان يطبع "ملصقات" تحمل صوراً لشباب الثورة المعتقلين، في شهر يونيو 2016، وقُبض عليه بتهمة الانتماء لتنظيم الإخوان، وظل محبوساً لمدة عام على ذمة القضية.

"كل التهم التي يوجهها النظام لمعارضيه تفتقر إلى المنطق، وهي ملفقة" على حد تعبيره.

عانى غنيم خلال عمله السياسي من الحالة النفسية السيئة التي يعيشها أولاده، ومنعه من العمل الصحافي نتيجة توصيات أمنية. ويتذكر كيف أن والدته وقعت أثناء زيارته وكسرت قدمها. "كنت عاجزاً عن مساعدتها"، يقول متحسراً.

هو يُولي اهتماماً خاصاً بالمختفين قسرياً، ويقدّر عددهم بأكثر من 2000، ويقول لرصيف22: "جربت السجن وأعرف معنى الاختفاء القسري، والتعذيب، والصعق بالكهرباء، وخلع الملابس، والضرب والإهانات، وأحياناً القتل نتيجة التعذيب، وهذا من القضايا المسكوت عنها، وويجب أن يكون لها اهتمام خاص من جانبنا كثوار".

ويضيف: "أعرف أن مَن هم في مثل سني غير مؤهلين للقيادة، لأننا تربينا على الخوف، إلا أن الأمل في بقاء الثورة يصنعه شبابها، فهي فكرة صنعوها هم، مَن يسأل عن الثورة فليتابع أحداثها، وإن لم يتحدث عنها الإعلام المغرض. فالثورة مستمرة في كل شوارع مصر".

ويتابع: "تظاهرات حملة الماجستير والدكتوراه لم تنقطع لأنها قائمة على فكر ثوري، ومثلها تظاهرات طلبة الثانوية العامة وإضرابات العمال في المصانع وفي الترسانة البحرية. مَن قال إن الثورة في ميدان التحرير الذي أغلقوه فقط؟ هي في كل مكان وداخل كل منا".

 

كلمات مفتاحية
مصر

التعليقات

المقال التالي