تحضيرات المعارضة المدنية اللبنانية للانتخابات... انقسامات وخيارات لم تحسم بعد

تحضيرات المعارضة المدنية اللبنانية للانتخابات... انقسامات وخيارات لم تحسم بعد

بعد التمديد للمجلس النيابي اللبناني ثلاث مرات، يذهب لبنان إلى إجراء الانتخابات النيابية في السادس من شهر مايو المقبل.

لكن الانتخابات اللبنانية هذه المرة غير سابقاتها، إذ للمرة الأولى سينتخب الشعب اللبناني وفق النظام النسبي، بعدما اختبر الأنظمة الانتخابية الأكثرية على مدى ثمانين عاماً.

هذا التحوّل في النظام الإنتخابي أحيا آمال قوى المعارضة وقوى المجتمع المدني، التي برزت في السنوات الأخيرة، في الفوز بالانتخابات المقبلة. وعليه، بدأت هذه القوى بالتحضيرات اللوجستية استعداداً للاستحقاق الديمقراطي المقبل.

يوم الجمعة 19 يناير، أطلقت مجموعات مدنيّة وشبابيّة تحالفاً انتخابيّاً وسياسيّاً تحت مسمّى "وطني".

يضمّ التحالف مجموعات شاركت في الحراك المدني على مدى السنوات السبع الفائتة، وأخرى خاضت غمار الانتخابات البلدية عام 2016، وهي: بعلبك مدينتي، وحراك المتن الأعلى، وحزب سبعة، وصحّ، وحملة طلعت ريحتكم، بالإضافة إلى حقي، والمرصد الشعبي لمحاربة الفساد، ولقاء الدولة المدنية، ولقاء الهوية والسيادة ولبلدي، ومتّحدون.

لا يقتصر الحراك المدني "الانتخابي" في لبنان على تحالف “وطني”، إذ إن هناك قوى ومجموعات مدنيّة وسياسيّة أخرى لم تنضوِ فيه لا تزال تعمل على تشكيل نفسها، لا سيما في المناطق.

انقسامات جوهرية: سلاح حزب الله

انطلق الحراك الانتخابي للمجموعات المدنية بشكل فاعل قبل ثلاثة أشهر، لكن وجود خلافات وتباينات في الآراء السياسية حال دون انضمام مجموعات مدنية أخرى للتحالف الذي تشكّل مؤخراً.

هي انقسامات تعكس حال المجتمع اللبناني حول قضايا خلافيّة وزّعت اللبنانيين في السنوات الماضية بين محورَي 8 و14 آذار. ولم تسلم مجموعات "المجتمع المدني" من هذه الانقسامات بل امتدت إلى داخلها، وبات الجميع يقيس خياراته بناء على قضية الموافقة أو عدمها من بقاء سلاح حزب الله وحصرية السلاح في يد السلطة اللبنانية.

هذا الانقسام حول سلاح حزب الله أدّى إلى خروج بعض المجموعات من التحالف السابق الذكر، وجعل مجموعة مثل "بيروت مدينتي" تعزف عن المشاركة في الانتخابات، علما أن الأخيرة حصدت نتائج مهمة في الانتخابات البلدية في العام 2016 (نحو 40% من الأصوات في بيروت).

بيروت مدينتي

وقد أشار مصدر فضل عدم الافصاح عن اسمه من داخل "بيروت مدينتي" إلى وجود انقسام داخل الهيئة العامة للحركة حال دون اتخاذ القرار في المشاركة.

هناك طرفان داخل الهيئة، أحدهما يريد عقد تحالفات انتخابية براغماتية مع القوى المدنية الفاعلة على الساحة، فيما يعتبر الطرف الآخر أن هذه التحالفات تصب في مصلحة الحفاظ على سلاح حزب الله وقوى متورطة بالفساد.

هذه الخلافات أدت إلى تعليق مشاركة “بيروت مدينتي” في الانتخابات، مع ترك الحرية للأفراد بعقد التحالفات الانتخابية التي يريدون، إنما ليس تحت عنوان المجموعة.

شكّل بعض أعضاء "بيروت مدينتي" حركة سياسية تحت مسمى "لبلدي" التي ستشارك في الانتخابات إلى جانب تحالف "وطني"، وسيكون لديها مرشحون في الدائرتين الانتخابيتين للعاصمة بيروت.

أما أبرز الخلافات التي عاشها تحالف "وطني" فقد تمحورت حول مشاركة مجموعة "بدنا نحاسب" التي تضم أفراداً ينتمون لأحزاب سياسية اعتبرها البعض موالية لحزب الله.

لم توقّع “بدنا نحاسب” على ميثاق الشرف الخاص بتحالف “وطني” ولا تزال خارجه، علماً أن مصادر من بدنا نحاسب أكّدت لـرصيف22 أن هناك تفاوضاً قائماً مع التحالف، إضافة إلى وجود أفراد من المجموعة لا يزالون ضمن التحالف والعمل جارٍ على حسم الخيارات.

فالأحزاب التي ينتمي إليها القيمون على بدنا نحاسب لم تحسم صيغة خيار المشاركة في الانتخابات، وإن كانت  ستشارك إلى جانب الأحزاب السياسية أم ستشكل لوائح منفردة أو ستذهب لترك الخيار لمناصريها في حرية المشاركة مع مجموعات الحراك المدني ومن ضمنها تحالف "وطني".

أقوال جاهزة

شارك غردبات الجميع يقيس خياراته بناء على قضية الموافقة أو عدمها من بقاء سلاح حزب الله وحصرية السلاح في يد السلطة اللبنانية

شارك غردهل تتخطى المجموعات المدنية المختلفة انقساماتها لتنافس قوى السلطة في لوائح موحّدة، لإحداث الخرق المطلوب في الانتخابات النيابية اللبنانية

دليل عافية؟

هذه الانقسامات السياسية يعتبرها ممثل طلعت ريحتكم في تحالف "وطني" وديع الأسمر أكثر من طبيعيّة. فبرأيه، يمكن اعتبار التباينات على القضايا السياسية واختلاف الآراء حولها إحدى نقاط قوة التحالف، لا سيما أن النقاش حولها لا يزال قائماً ويجري العمل عليها للخروج بمواقف موحّدة.

يقول الأسمر: “فرض الرأي الواحد على بقيّة المجموعات غير جائز. وهناك العديد من المقاربات داخل التحالف لمعنى الدولة القوية، وكيف يجب أن تكون الدولة صاحبة الحق الحصري في امتلاك السلاح”.

تخرج هذه الخلافات دائماً للعلن عند كل استحقاق وتغيب بعده. لذا يتهم الأسمر القوى السياسية بتأجيج الخلاف على هذه المواضيع، وذلك بهدف شدّ عصب الناخبين وإحداث الانقسامات في المجتمع المدني.

الأهم بالنسبة للأسمر هو أن جميع المجموعات متفقة على المشروع السياسي الذي قدمه التحالف وسيشكّل البديل السياسي الذي على أساسه سيقترع اللبنانيون في الانتخابات المقبلة.

فالقوى التغييرية، وفق الأسمر، ظهرت في جميع الميادين في السنوات الماضية وخاضت استحقاقات عدة ليس أهمها "الحراك المدني" الذي عاشه لبنان على أثر أزمة النفايات في العام 2015، بل أيضاً الاستحقاق الانتخابي البلدي في العام 2016، عندما حصدت لوائح القوى المدنية نتائج مهمة في المناطق والعاصمة بيروت.

يعوّل الأسمر على فكرة إيجاد البديل عن قوى السلطة التي أوصلت البلاد إلى حافة الانهيار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في الأعوام الثلاثين الماضية. فالناس تريد التغيير، لكن يجب أن تجد البديل عن قوى السلطة. والتحالف عمل على صوغ برنامج سياسي لخوض المعركة السياسية من داخل السلطة التشريعية في حال حققت القوى التغييرية الفوز المأمول في الانتخابات.

برغم الانتقادات الكثيرة للقانون الانتخابي الحالي، يعتبر الأسمر أن هذا القانون يحقق عدالة التمثيل أكثر من الأنظمة الأكثرية السابقة. وبالتالي تعوّل القوى التغييرية على إحداث خروق والوصول إلى الندوة البرلمانية.

تحالفات أخرى منتظرة

ولا تقتصر تحضيرات القوى المدنية على التحالف الأبرز "وطني" الذي سيعمل على تشكيل لوائح انتخابية في جميع المناطق اللبنانية، بل بدأت بعض المجموعات في التحرك وستشهد الأيام المقبلة إطلاق حملات لا سيّما في طرابلس والضاحية الجنوبية لبيروت، كما أكّد الناشط المدني المحامي واصف الحركة لرصيف22. ففي هاتين المنطقتين حققت لوائح القوى المدنية نتائج جيدة في الانتخابات البلدية، برأيه.

أما الناشط في مجموعة "مدنيو الشوف وعاليه" مارك ضو، المرشح في منطقة الشوف عاليه، فيعتبر أن للمجتمع المدني في لبنان ثلاث مقاربات لخوض الانتخابات تتمحور حول المبادرات الفردية والحالات المدنية والتحالفات الوطنية.

“هي مبادرات تحمل المشروع نفسه، وتختلف فقط في آلية التنفيذ. كل واحد منها يعمل على تشكيل حالة واطلاق الحملات، لكن في نهاية المطاف سيعمل الجميع على تشكيل لوائح انتخابية موحّدة في المناطق".

يعوّل ضو على إمكانية المجتمع المدني خرق لوائح السلطة لا سيما بعد التجارب السابقة التي عاشتها المنطقة في تشكيل حملات مدنية مثل إقفال مطمر الكوستابرافا ومطمر الناعمة ومعمل سبلين وكسارات عين دارة، حيث نضجت شبكة من الناشطين والتفّ حولهم أهالي المنطقة في هذه الحملات المطلبية.

وعلى عكس الحراك المدني الحاصل في العاصمة بيروت وفي جبل لبنان والبقاع يبرز في دائرة زغرتا-البترون-الكورة-بشري حالات اعتراض للمستقلين الذين يرفضون حصرهم بالمجتمع المدني، كما يعتبر المنسق السابق للائحة إنماء زغرتا ميشيل الدويهي.

فالتحضيرات في هذه الدائرة باتت في مراحلها الأخيرة إذ سيطلق هؤلاء حملة انتخابية في وجه أحزاب السلطة.

وفي الجنوب اللبناني لم تبرز في السنوات الفائتة حالات اعتراض مدنية شبيهة بهذه الحالات الآنفة الذكر. ففي الجنوب يكثر وجود الأفراد المستقلين عن الأحزاب لكنهم لم يشكّلوا حالات مدنية لها وزن يُذكر. حتى أن فكرة وجود أشخاص "مستقلين" ارتبطت دائماً بخروج هؤلاء من رحم الأحزاب اليسارية.

لكن حالياً، ينشط أفراد مدنيون ومستقلون وحزبيون سابقين وحاليين لتشكيل حالات اعتراض مدنية لخوض الانتخابات. فوفق الناشط في التجمع اللبناني ونداء الدولة المدنية أحمد اسماعيل، للجنوب وضع خاص حيث يوجد أحزاب سياسية معارضة للسلطة، مثل الحزب الشيوعي ومجموعة بدنا نحاسب، لكنها لا تعتبر حزب الله جزءاً من السلطة والاشكالية معها تكمن في عدم وجود توافق في موضوع السيادة وحصرية السلاح في يد الدولة.

لكن "التجمع" و"النداء" يستعدان للانتخابات في دائرة النبطية-بنت جبيل ومرجعيون حاصبيا والمفاوضات مع الأحزاب المعارضة لا سيما الحزب الشيوعي قائمة لتشكيل لائحة موحّدة. وفي دائرة صور-الزهراني ينشط المستقلون والمدنيون بالتعاون مع بعض الأحزاب اليسارية لتأسيس حالة مدنية للتغيير الديمقراطي عبر تشكيل لائحة انتخابية معارضة لقوى السلطة،​ كما أكّدت مصادر عدة لرصيف22.

مما لا شكّ فيه أنّ النسبية ستُحدث تغييرات في طبيعة القوى السياسية التي ستدخل إلى الندوة البرلمانية، لكن حظوظ المجتمع المدني في التمثيل ما زالت طفيفة لا سيّما في ظل قانون انتخابي قسّم لبنان 15 دائرة انتخابية تتناسب والتوزع الجغرافي للقوى السياسية والطائفية الممثلة حالياً في السلطة.

لكن، بمعزل عن هذا الأمر، فإحدى سيّئات النسبية أنها في دفعها كل المجموعات، بما فيها الصغيرة، إلى الترشح للانتخابات، تجعل عملية توحد القوى المعترضة صعبة المنال. فالانقسامات السياسية التي فرّقت بين المعترضين سابقاً تبقى سهلة أمام انقسام المجموعات حول الترشيحات والمرشّحين التي ستأتي لاحقاً عند نفاذ المهل القانونية لتشكيل اللوائح. فهل تتخطى هذه المجموعات تلك الانقسامات لتنافس قوى السلطة في لوائح موحّدة لإحداث الخرق المطلوب؟ هذا ما ستكشفه الأسابيع المقبلة.

وليد حسين

كاتب وباحث لبناني متخصص، تتناول كتابته الشؤون الانتخابية والسياسية. حائز على شهادة ماجستير من جامعة تريستي في إيطاليا في علوم الحكم والسياسات العامة، وعمل كمنسق للحملة المدنية للإصلاح الانتخابي.

التعليقات

المقال التالي