ما هو مصير الحزب اليمني الأكبر بعد مقتل علي عبد الله صالح؟

ما هو مصير الحزب اليمني الأكبر بعد مقتل علي عبد الله صالح؟

السؤال عن مستقبل حزب المؤتمر الشعبي العام بعد الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح هو السؤال الأكثر طرحاً في السياسة اليمنية منذ مقتل الأخير في الرابع من ديسمبر الماضي. ماذا سيحلّ بالحزب اليمني الأكبر الذي يمتلك القاعدة الجماهيرية الأوسع، وما مصير أصوله المالية وأملاكه التي تتجاوز قيمتها مليارات الريالات.

ظل المؤتمر الشعبي العام منذ تأسيسه قوياً متماسكاً. لم تؤثر فيه الظروف التي مرّت بها اليمن. نشأ على مبدأ الميثاق الوطني في عام 1982، والذي نص على توحيد اليمنيين تحت راية واحدة، وضمّ جميع القوى السياسية من ناصريين وبعثيين وإخوان مسلمين (أسسوا التجمع اليمني للإصلاح سنة 1990) إضافة إلى قوى قبلية.

عمل صالح على إكساب هذا الحزب التأييد الشعبي من خلال التصويت الشعبي على الميثاق الوطني في شمال اليمن، قبل الوحدة، وأنشأ فروعاً له في كل محافظة وقرية وشارع، بل جعله شريكاً في إعادة توحيد اليمن إلى جانب الحزب الاشتراكي في الجنوب ليحوّله إلى حزب لا ينحصر في جزء معين من الخريطة اليمنية بل ينتشر شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً.

المؤتمر الشعبي العام والربيع العربي

كانت أحداث الربيع العربي اختباراً صعباً ومصيرياً أمام بقاء المؤتمر الشعبي العام متماسكاً كما كان، وخصوصاً بعد سقوط الحزب الوطني في مصر. في تلك الفترة انشق العديد من القيادات الكبيرة عن الحزب ومن بينها وزراء وسفراء وأعضاء في أمانته العامة.

كما تعالت حينذاك بعض الأصوات الداعية إلى محاسبته على ممارساته خلال فترة حكمه، وخرجت أصوات قوية تدعو إلى حلّه لينال مصير البعث في العراق بعد عام 2003.

يقول الباحث السياسي عبد الرحمن المطري إن بقاء المؤتمر متماسكاً خلال أحداث 2011 كان نتيجة لتماسك صالح وقدرته على المناورة لأنه كان يعلم أن بقاءه في السلطة أو بقاء نفوذه بعد تخليه عن السلطة مرتبط ببقاء المؤتمر الشعبي العام في الساحة السياسية، ولذلك كان يصرّ دائماً على أن تكون المفاوضات على نقل السلطة بين المؤتمر وأحزاب أخرى وليس بصفته الشخصية، وهو ما نجح فيه.

ويضيف المطري أن صالح كان الرجل الأقوى في الحزب وكان يستمد قوته من قاعدته الجماهيرية الضخمة والتي كانت في الأساس تسانده هو وليس الحزب.

خرج المؤتمر من السلطة بموجب المبادرة الخليجية ليمارس المعارضة لأول مرة منذ تأسيسه وهو ما كان صالح يريده، فقد رأى في خروج حزبه من الواجهة فرصة لكي لا يُلام على أية أخطاء تُرتكبها السلطة الجديدة، مع أن الرئيس عبد ربّه منصور هادي كان نائباً لرئيس المؤتمر.

صالح وهادي... الانقسام الأول

تنص إحدى قواعد المؤتمر الشعبي العام الداخلية على أن يترأس رئيس الجمهورية المؤتمر الشعبي العام، وهو ما لم يحدث بعد أن أصبح هادي رئيساً للجمهورية، فقد رفض صالح تسليم رئاسة المؤتمر له بالرغم من مطالبات أجنحة عدّة بضرورة ذلك، حفاظاً على تماسك الحزب ووحدته.

وكان من أبرز تلك الأصوات صوت الدكتور عبد الكريم الأرياني، النائب الثاني لرئيس المؤتمر الشعبي العام ومعه مجموعة من الأعضاء.

بدأ الخلاف بين صالح وهادي يظهر شيئاً فشيئاً. فقد كان الأخير يرفض حضور أي اجتماع للمؤتمر لا يكون فيه مؤثراً على كل قراراته. ومع مطلع العام 2014 اتهم هادي لأول مرة صالح والمؤتمر الشعبي العام بعرقلة المبادرة الخليجية، وتطور الخلاف حتى أصدر قراراً باقتحام قناة اليمن اليوم الناطقة باسم المؤتمر ومصادرة معداتها وإغلاق جامع الصالح.

لم يكتفِ هادي بذلك، بل قدم طلباً رسمياً إلى مجلس الأمن لتوقيع عقوبات أممية على صالح ونجله تحت البند السابع، وشكّل حكومة جديدة برئاسة خالد بحاح، القيادي المؤتمري الذي أقصى المؤتمر الشعبي العام عن الحكومة التي كان يتقاسمها مع أحزاب اللقاء المشترك.

وردّ صالح بعقد اجتماع استثنائي للجنة الدائمة تقرر فيه فصل هادي والأرياني من الحزب، ليكون هذا الانقسام الأول فيه.

أقوال جاهزة

شارك غردما مصير حزب علي عبد الله صالح؟ جناح سيطر عليه الحوثيون وخلافات بين جناحي أبوظبي-القاهرة والرياض...

شارك غردبعد مقتل صالح، لم يعد المؤتمر الشعبي العام ذلك الحزب القوي، وانقسم إلى أجنحة متعددة تدعمها قوى إقليمية متنافسة

الحوثيون والمؤتمر الشعبي العام

توسعت الخلافات الداخلية في المؤتمر بعد التحالف مع الحوثيين وانسحب العديد من القيادات حتى التي كانت توصف بأنها محسوبة على صالح.

لم تكن هذه القيادات راضية عن تحالف صالح الجديد، فعقدت اجتماعاً موسعاً في الرياض عزلت فيه صالح عن رئاسة الحزب وأعلنت هادي رئيساً له، ليكون هناك رسمياً جناح صالح وجناح هادي.

يتحدث الناشط السياسي خالد الأديمي لرصيف22 عن أن هذا التحالف أضعف المؤتمر كثيراً حتى وإن كان صالح قد ظل الأقوى وممسكاً بمفاصل الحزب، فقد خسر العديد من القيادات التي كانت تمنحه القوة والشرعية، ومن أهمها الأرياني، المنظّر السياسي للحزب ولصالح طوال أيام حكمة.

لم يكن الأرياني وغيره مؤمنين بالتحالف مع قوى دينية متطرفة، كالحوثيين، لا تؤمن بمبادئ الجمهورية والشراكة السياسية ورأوا أن الحوثيين لهم أهداف يسعون إلى تحقيقها من خلال التحالف مع المؤتمر.

وكان الأمين المساعد للحزب سلطان البركاني ينبّه صالح من خطورة التحالف مع الحوثيين، وهو ما جعله يقاطع صالح والمؤتمر في الفترة الأخيرة.

يؤكد الأديمي أن حقد صالح على "قوى الساحات" (القوى التي خرجت إلى الساحات ضده عام 2011) وهادي لم يجعله يفكر ملياً في مستقبل الحزب الأكبر في اليمن وخطورة التحالف مع الحوثيين، فقد كان يسعى إلى إسقاط هادي والإخوان بعيداً عن الاهتمام بمستقبل الحزب، مدفوعاً برغبته في الانتقام.

مؤتمر ما بعد صالح

كان العديد من القيادات المؤتمرية يدعو إلى عقد المؤتمر العام الثامن للحزب بعد احتجاجات 2011 وانتخاب بديل لصالح ليضمن المؤتمر بقاءه في الساحة. ولأنها رأت أن الحزب هو صالح وصالح هو الحزب، ارتأت أن اختيار رئيس جديد للمؤتمر في حياة صالح يضمن استمرار الحزب بنفس القوة.

وبعد مقتل صالح لم يعد المؤتمر الشعبي العام ذلك الحزب القوي. فبمجرد وفاة القائد الذي كان يدير الحزب بذكاء وقوة، انقسم المؤتمر إلى أجنحة متعددة تحظى بدعم قوى إقليمية متنافسة.

جناح صنعاء هو الجناح الذي تدفعه جماعة الحوثيين بالقوة لاختيار رئيس جديد للحزب بدل صالح، وهو ما تم في السابع من يناير 2018 عندما اجتمعت مجموعة من أعضاء اللجنة العامة، بينهم نائب رئيس المؤتمر صادق أبو راس والأمين العام المساعد ورئيس مجلس النواب يحيى الراعي، لاختيار رئيس جديد للحزب، واتفقت على تكليف أبو راس برئاسة المؤتمر حتى انعقاد مؤتمره الثامن.

عُقد هذا الاجتماع تحت ضغط السلاح الحوثي. يقول المحامي والناشط السياسي محمد الأهدل إن هذا الجناح لا يملك أية رؤية للحزب وهو الجناح الأضعف. وإذا كان الأهدل يرى أن ضعفه يتأتى من واقع أنه لا تؤيده سوى قلة من أعضاء اللجنة العامة وبعده عن القواعد الشعبية، إلا أنه من الصعب حسم هذه النقطة لأن القوة تتأسس بشكل كبير على التحالفات القبلية التي ستسانده.

ويعتبر الأهدل أنه لن يكون لهذا الجناح أي دور سوى التبعية للحوثيين والقوى الإقليمية التي دفعت نحو هذا الاجتماع و"في مقدمتها قطر التي تدعم الحوثيين". واللافت أن شريحة كبيرة من قاعدة المؤتمر ترى أن لقطر دوراً في ما يحصل مؤخراً في اليمن، برغم عدم وجود دلائل على ذلك.

ويؤكد الأهدل أن المجتمعين لم يتجرأوا حتى على المطالبة بجثة صالح أو بالإفراج عن أقاربه المختطفين لدى الحوثيين حتى الآن، وهو "ما يجعل منهم مجرد أتباع للحوثيين لن يقدموا أي جديد".

ويرى الصحافي محمد عايش أن انصياع المؤتمر للحوثيين سينهيه. وكذلك سيفقده انصياعه للسعودية صفة الحزب القوي الذي كان يتمسك به اليمنيون. وبرأيه، كان من الأفضل للحزب أن يتوقف عن العمل ويعلّق أنشطته حفاظاً على تماسكه ووحدته.

انصياع المؤتمر الشعبي العام للحوثيين سينهيه، وسيفقده انصياعه للسعودية صفة الحزب القوي الذي كان يتمسك به اليمنيون

وفقاً للائحة الداخلية للحزب، فإن رئاسة المؤتمر تذهب تلقائياً إلى أحد نواب الرئيس دون أي اجتماع للجنة العامة أو الدائمة، بانتظار انعقاد المؤتمر العام، إلا أن الحوثيين دفعوا نحو الاجتماع ليقطعوا الطريق أمام الأجنحة الأخرى التي ما زالت ترى أن هادي هو النائب الأول لرئيس الحزب وأنه الأحق برئاسته.

وأكدت عضوة اللجنة الدائمة نجلاء محمد لرصيف22 أن رئاسة الحزب لم تكن تحتاج إلى اجتماع رسمي للجنة العامة وأنها تنتقل مؤقتاً بعد صالح إلى صادق أبو راس، إلى حين اختيار أعضاء اللجنة الدائمة رئيساً في المؤتمر العام.

وتشير محمد إلى أن جناح أبوظبي-القاهرة الذي يقود تحركاته سلطان البركاني، ويضم وزير الخارجية السابق أبو بكر القربي، هو الجناح الأقوى في الحزب والذي من الممكن أن تلتف حوله القاعدة الشعبية إذا قام بتحركات جادة، فهو يُعتبر الأكثر تنوراً كما أن وجود أحمد علي فيه يجعله أكثر قبولاً لدى جماهير المؤتمر التي ما زالت تعيش في ظل صالح إلى الآن.

وبرأيها، يستجيب هذا التيار لرغبات القاعدة الرافضة للتحالف مع الحوثيين، كما يستفيد من الدعم الإماراتي "اللامحدود" له.

وما يؤكد كلام محمد ردود الفعل المتسارعة من فروع المؤتمر الشعبي العام في المحافظات وبعض دول الخارج، وفي مقدمتها بيان "مؤتمر مأرب" (فرع المؤتمر الشعبي العام في محافظة مأرب) الذي أكد أن مخرجات اجتماع صنعاء لا تمثله وطالب برفع العقوبات عن أحمد علي صالح وتسليم جثمان صالح.

ورفض أعضاء من اللجنة العامة في أبوظبي والقاهرة والرياض قرار اجتماع صنعاء. وبرر الفريق الأول موقفه منه بأنه تم تحت إشراف الحوثيين وتحت ضغط السلاح، ورأى الفريق الثاني أن رئاسة المؤتمر يجب أن تذهب وفقاً للوائح المؤتمر الشعبي العام لهادي، كونه يعتبر أن الأخير لا يزال نائب الرئيس.

يتحرّك جناح أبوظبي بسرعة نحو رفع العقوبات عن نجل صالح الذي اشترط ذلك قبل البدء بأية تحركات داخل الحزب. يقول المحلل السياسي أحمد الخولاني إن هناك خلافات بين جناح أبوظبي-القاهرة وبين جناح الرياض بدليل أن الرئيس هادي ما زال يعرقل رفع العقوبات عن أحمد حتى يعترف بشرعيته رئيساً للبلاد ورئيساً للحزب.

ويؤكد الخولاني أن جناح الرئيس هادي هو الجناح الأكثر غموضاً بين أجنحة المؤتمر الشعبي العام، فحتى الآن لم يتحرك هادي للملمة الحزب ولم يدعُ إلى عقد أي اجتماع لقيادات الحزب الموجودة في الرياض، ما يعكس انعدام الرؤية لديه ولدى جناحه.

إلا أن هناك بعض المحاولات لتوحيد جناح الرياض مع جناح أبوظبي. فقد قال رئيس الوزراء أحمد عبيد بن دغر، الذي كان يشغل منصب نائب رئيس المؤتمر في منشور طويل على فيسبوك إن "أحمد علي منّا ونحن منه وعفا الله عما سلف"، في محاولة منه لتقريب وجهات النظر بين هادي وأحمد علي، شرط أن يكون الأخير جزءاً من شرعية الأول.

كلمات مفتاحية
اليمن

التعليقات

المقال التالي