السلطة المصرية تحدّد معالم سباق الرئاسة... السيسي لا ينتظر منافساً

السلطة المصرية تحدّد معالم سباق الرئاسة... السيسي لا ينتظر منافساً

شهران و20 يوماً فقط تفصل المصريين عن معرفة هوية رئيسهم الجديد في وقت يفصلهم شهر ونصف الشهر عن الاطلاع على قائمة المرشحين النهائيين لخوض المنافسة على الرئاسة. هي خريطة عجلى للرئاسيات المقبلة أعلنتها الهيئة الوطنية للانتخابات وحرّكت بها واقع السياسة الراكد.

الخريطة الزمنية شملت فتح باب الترشح للانتخابات الرئاسة لمدة 10 أيام من 20 إلى 29 يناير الجاري، لكنها سمحت بجمع توكيلات الترشح من المحافظات أو من النواب بدءاً من اليوم حتى نهاية المدة المحددة، وحددت فترة الدعاية الانتخابية بشهر واحد بدءاً من 24 فبراير. على أن تجري الانتخابات على مدى 3 أيام خارج مصر (16 ، 17 ، 18 مارس)، ومثلها داخل مصر (26 ، 27 ، 28 مارس).

وأعلن الجدول الزمني للانتخابات الرئاسية دون وجود مرشحين حقيقيين في انتظار الاستحقاق، باستثناء الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي. فجميع مَن أبدوا نيتهم خوض الاستحقاق لم يتقدموا خطوة إلى الأمام بل تراجعوا خطوات.

السيسي... "عشان يبنيها"

لم يخفِ الرئيس عبد الفتاح السيسي رغبته الصريحة في استكمال مشواره، إذ صرّح في مناسبات مختلفة بأنه لن يجلس يوماً واحداً على كرسي الحكم بعد المدة التي حددها له الدستور، وهي الترشح لدورتين بواقع 8 سنوات.

الأمر منتهٍ بالنسبة إلى الجنرال، لكنه يرغب في امتلاء اللجان بالناخبين، إذ دعاهم خلال أحد مؤتمرات الشباب إلى النزول، مشدداً على ضرورة "أن تكون نسبة المصوّتين كبيرة ليتحدث عنها العالم، ومَن يستطيع تقديم الأفضل للبلد فليحكم".

ترشّحُ السيسي تروّج له الدولة، إذ دشن نواب حملة "علشان تبنيها"، لإقناعه بالترشح لولاية جديدة. وأعلنت هذه الحملة أن عدد الموقعين على استمارتها من المطالبين بترشح السيسي لفترة رئاسية ثانية، بلغ نحو 12 مليوناً و132 ألفاً، ما يعني أن الرئيس الحالي لن يبذل جهداً في جمع التوكيلات الشعبية والنيابية.

وبعد قليل من إعلان الهيئة الوطنية خارطة طريق الانتخابات، وقع أكثر من 400 نائب على استمارة تزكية السيسي للترشح في الانتخابات، والعدد قابل للزيادة.

خالد علي... لا انتخابات بدون ضمانات

رغم عدم إعلان حملة المحامي والحقوقي خالد علي موقفها الرسمي من هذا الجدول الزمني للانتخابات، فإن الانطباعات الأولية تدل على أن قرار المقاطعة هو الأقرب إليها، خصوصاً أن السلطة لم تراعِ الضمانات التي حددها المحامي اليساري لخوض المعترك الرئاسي، وفقاً لرئيسة الحملة هالة فودة.

ووصفت فودة قرارات الهيئة الوطنية للانتخابات بالمجحفة، كونها حددت 20 يوماً لإعلان الترشح وجمع التوكيلات، وهي فترة غير كافية لجمع 25 ألف توكيل، كما أن البرلمان بصورته الحالية "لا يضمن لنا جمع 20 توكيلاً من مجلس النواب".

وأضافت فودة لرصيف22: "بدا لنا أن السلطة تضرب بعرض الحائط مطالبنا بعد تمديد حالة الطوارئ الأسبوع الماضي، ولا تظهر أية رغبة في التنازل من أجل فتح المجال العام".

وكان خالد علي قد أعلن بنفسه الضمانات التي يريدها، في مؤتمر صحافي في مقر حزب العيش والحرية، أواخر ديسمبر الماضي، كان أبزرها تعديل قانون الانتخابات الرئاسية، وفتح المجال العام، وحرية الصحافة والتعبير، وإلغاء حجب المواقع الإلكترونية، وإنهاء حالة الطوارئ منذ الإعلان عن فتح باب الترشح.

كما طالب الهيئة الوطنية للانتخابات بأن تتدخل لوقف الدعاية الإعلامية الصريحة والمباشرة للرئيس الحالي، والتي تطالبه بالترشح للانتخابات مرة ثانية، وهو ما تصفه فودة بأنه يكرس لعملية انتخابية غير متكافئة على الإطلاق، فالدولة تسمح لحملة "عشان يبنيها" بجمع توكيلات من المؤسسات الحكومية والجامعات والمدارس.

في المقابل، تواجه حملة علي قيوداً في حجز مراكزها الانتخابية وعدم توافر الفرصة لعقد مؤتمرات صحافية في فنادق أو ساحات شعبية، وملاحقة أعضاء حزب العيش والحرية، وفقاً لفودة.

وتابعت فودة: "الضمانات غير متاحة لنا لخوض الانتخابات. لدينا الرغبة الحقيقة في خوض معركة شرسة تفتح المجال العام وكسر حالة الجمود السياسي. لكن الدولة لها وجهة نظر أخرى".

أقوال جاهزة

شارك غردحملة خالد علي: لدينا الرغبة الحقيقة في خوض معركة شرسة تفتح المجال العام وتكسر حالة الجمود السياسي، لكن للدولة وجهة نظر أخرى

شارك غردالهيئة الوطنية للانتخابات تعلن الجدول الزمني للاستحقاق المقبل... ومعارضون: "انطباع بتحويل الانتخابات إلى استفتاء على الرئيس الحالي"

أحمد شفيق... الجنرال "يعود إلى رشده"

لم يحتج الفريق أحمد شفيق أكثر من شهر ليتبدل موقفه من "يشرفني أن أكون خياراً لقيادة البلاد في السنوات الأربع المقبلة" إلى "لن أكون الشخص الأمثل لقيادة الدولة". فبعد صخب إعلانه الترشح من فضائية الجزيرة عاد آخر رئيس وزراء في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك وانسحب من السباق، ليفسح في المجال أمام السيسي للتغريد منفرداً.

مريدو النظام السابق وكثيرون من التيار المدني عوّلوا كثيراً على ترشح الفريق كونه ينتمي إلى معسكر الدولة، ويراهن على ولاءات سابقة، إلا أن أملهم خاب بعدما اعتبره كثيرون أن النظام فرض عليه "إقامة جبرية" في مقر إقامته بضاحية التجمع الخامس منذ عودته من الإمارات.

وأسدلت الستائر على هذه البروفة مع إعلانه الانسحاب نهائياً من السباق الرئاسي قبل أيام.

أحمد قنصوة... التهمة مرشح ببزة عسكرية

جنرال آخر خرج من الصورة، هو العقيد بالجيش المصري أحمد قنصوة، الذي أعلن ترشحه بالبزة العسكرية في مقطع فيديو نشره على حسابه على موقع فيسبوك. لكن موقفه لم يمرّ مرور الكرام، فقررت المحكمة عسكرية معاقبته بالسجن 6 سنوات مع الشغل والنفاذ، بعدما أدانته بمخالفة النظام العسكري.

ورغم إعلانه تقدمه باستقالته من وظيفته العسكرية للترشح للرئاسة، فإن الاستقالة لم تقبل في حينه.

محمد أنور السادات المرشح المتردد

لم ينته رئيس حزب الإصلاح والتنمية من مرحلة "جس النبض" بعد. فالبرلماني السابق لا يزال يناور من بعيد من أجل ضمان الظهور المشرّف في السباق.

لا يُحسب السادات على السلطة أو المعارضة، لكنه اكتسب شهرته بمعارضة قرارات الأغلبية البرلمانية داخل مجلس النواب قبل إسقاط عضويته بتهمة التعامل مع منظمات أجنبية.

لم يحدد السادات موقفه النهائي من الانتخابات بعد إعلان الجدول الزمني لها، وينتظر نتيجة مشاورات يجريها لإلقاء الكلمة النهائية في هذا الموضوع، حسبما قال لرصيف22.

صاعقة الجدول

الجدول الزمني للرئاسيات المنتظرة لم ينزل كالصاعقة فقط على المرشحين المحتملين، بل على مؤيديهم أيضاً.

يقول خالد داود، رئيس حزب الدستور، إن تأخّر الهيئة الوطنية للانتخابات في إعلان الجدول الزمني أعطى انطباعاً سيئاً، وأوحى بتحويل الانتخابات إلى استفتاء على الرئيس الحالي، فهنالك تعمّد واضح بتأخير الجدول الزمني وتفصيله على قياس مرشح واحد فقط.

ويضيف داود الذي أعلن سابقاً دعمه للمحامي خالد علي لرصيف22 أن الخريطة هذه تكرس انحياز الدولة وقتل المنافسة في مهدها، فلا نتخيل أن يقدر مرشح على جمع 25 ألف توكيل من 15 محافظة خلال 20 يوماً في ظل طريقة عمل مكاتب الشهر العقاري.

رئاسيات مصر... "أي شخص يرشح نفسه سيتحول إلى ماريونيت تحركه السلطة، والأفضل أن يتركوا الساحة بدلاً من إضفاء الشرعية على الانتخابات"

وتابع: "قصر مدة فتح باب الترشح والدعاية كشفا عن نية مبيّتة بتفريغ الساحة العامة من أجل السيسي، فليس هنالك ضمانات أو ضوابط من أجل نزاهة الانتخابات، والمناخ غير مهيأ الآن بسبب تشويه الخصوم وتحريك الدعاوى القضائية والإقامة الجبرية التي فرضتها الدولة على أحمد شفيق منذ إعلانه الترشح من الإمارات".

ولم يغلق رئيس الحزب الليبرالي الباب تماماً في وجه دعم أي مرشح أو المشاركة، إذ سيطرح حزبه استفتاء لدراسة القرار الأمثل.

لكن أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة حسن نافعة لا يشغل باله بالجدول الزمني المعلن من قبل الهيئة الوطنية للانتخابات، كونها تجري في "مناخ موبوء"، حسب قوله، بعد حصار كل المرشحين المحتملين بقضايا وملاحقات، ولم يبقَ سوى السيسي ليعلن نفسه رئيساً للبلاد.

يقول نافعة لرصيف22: "ليس هنالك انتخابات في 2018، حتى الدولة غير حريصة على وجود مرشح شكلي هذه المرة، مثلما فعلت في انتخابات 2014 حينما أتت بحمدين صباحي لإضفاء الشرعية على فوز السيسي".

وبرأى نافعة، فإن إجراء الانتخابات في هذه الأجواء سيكون إهداراً للوقت، "فمن الأفضل الاعتراف أمام العالم بأن الظروف لا تسمح بإجراء انتخابات رئاسية وأن عبد الفتاح السيسي يتمسك بالولاية الثانية لاستكمال المشروعات القومية كي نكون أكثر صدقية مع أنفسنا".

الصورة تبدو قاتمة تماماً عند نافعة، الذي شارك في تأسيس الجمعية الوطنية للتغيير التي مهدت الطريق لثورة 25 يناير. فبعد 8 سنوات على ثورة المصريين، يرى أن أية محاولة للتغير عن طريق الانتخابات لن تجدي نفعاً، وأن أي شخص يرشح نفسه سيتحول إلى ماريونيت تحركه السلطة، والأفضل أن يتركوا الساحة الآن بدلاً من إضفاء الشرعية على هذه الانتخابات.

بعد قليل من إعلان الهيئة الوطنية خارطة طريق الانتخابات، وقع أكثر من 400 نائب على استمارة تزكية السيسي للترشح في الانتخابات

الموقف نفسه يتبناه المحلل السياسي عمار علي حسن، الذي يرى أن الجدول الزمني جزء من اتجاه السلطة الحالية للتلاعب في مقدمات الانتخابات بدلاً من تزويرها مثلما كان يحدث أيام الرئيس الأسبق حسني مبارك.

ويوضح حسن لرصيف22: "لم يعد مستساغاً الآن شطب أسماء أو تصويت الموتى في الانتخابات، وبدلاً من ذلك فكرت السلطة في أن تتلاعب بالمقدمات، ونتيجة ذلك واضحة، وهي استمرار السيسي في الحكم".

ويشرح حسن: "السيطرة التامة على الإعلام واختيار هيئة وطنية للانتخابات قريبة من السلطة وملاحقة المرشحين المحتملين بالقضايا والخطف والتشويه، كلها مقدمات لما هو آتٍ".

وبرأيه، فإن الأجهزة الأمنية هي التي تحرك كل شيء في مصر، ولم يكن متوقعاً أن تعطي الهيئة فرصة لجمع التوكيلات لأن السلطة تمنع الشخصيات المعروفة من الظهور والعمل، كما أن البرلمان تمت هندسته بحيث لا يستطيع أي مرشح معارض جمع توكيلات من النواب.

ويتوقع حسن عزوفاً كبيراً عن الانتخابات الرئاسية إذ خلت من منافسة، وحينذاك تصبح المشكلة في كيفية مواجهة النظام العزوف الجماهيري، خصوصاً أن الرئيس كان غاضباً من عدم الإقبال الجماهيري في انتخابات 2014.

لا يرحب النظام بالمنافسة، أكانت من معارضة يسارية مثل خالد علي أو من رجال الدولة أنفسهم مثل أحمد شفيق، الذي تعرض لضغوط كبيرة حتى أجبر على إعلان الانسحاب، بحسب فودة.

كلمات مفتاحية
الإنتخابات مصر

التعليقات

المقال التالي