تهديدات أمريكية بوقف دعم اللاجئين الفلسطينيين... خلط السياسي بالإنساني

تهديدات أمريكية بوقف دعم اللاجئين الفلسطينيين... خلط السياسي بالإنساني

في إطار زيادة الضغوط الأمريكية على منظمة التحرير الفلسطينية للقبول بعملية التسوية التي تخطط لها الإدارة الأمريكية، والتي رفضت القيادة الفلسطينية ما رشح عنها مراراً، أتى الحديث عن قرار أمريكي بقطع المساعدات عن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا).

أحدث هذا الحديث ضجة إعلامية على المستويين المحلي والإقليمي، وكان له وقع مدوٍ على اللاجئين الفلسطينيين، خاصة أن الولايات المتحدة تعدّ أكثر الدول الداعمة والمانحة لهم، بمعدل 380 مليون دولار سنوياً، أي ما يساوي نحو 35% من إجمالي الدعم الدولي.

وكان موقع axios.com الإخباري الأمريكي قد نقل عن ثلاثة دبلوماسيين غربيين أن واشنطن جمدت 125 مليون دولار من مساهماتها في ميزانية الأونروا بانتظار قيام الإدارة الأمريكية بمراجعة سياسة المساعدات التي تقدمها إلى السلطة الفلسطينية.

وكان ترامب قد كتب في تغريدة أن واشنطن تعطي الفلسطينيين "مئات الملايين من الدولارات سنوياً، ولا تنال أي تقدير أو احترام" منهم.

ومع أن القرار بتجميد المساعدات لم يُتّخذ رسمياً بعد، فإن الرد الفلسطيني على هذه الأنباء أتى على لسان الرئيس الفلسطيني محمود عباس، الذي قال: "القدس ليست للبيع لا بالفضة ولا بالذهب".

سيف مصلت

هذه ليست المرة الأولى التي تتخذ فيها الإدارة الأمريكية قراراً بوقف المساعدات عن الفلسطينيين. فقد جمدت عام 2016 مبلغ 221 مليون دولار من المنحة التي تقدمها سنوياً للسلطة الفلسطينية والبالغة إجمالاً 380 مليون دولار، بسبب تخصيص السلطة الفلسطينية جزءاً من موازنتها للأسرى الفلسطينيين في سجون إسرائيل.

وتُدرج الإدارة الأمريكية بعض الأسرى الفلسطينيين في قائمة الإرهاب، وكان عباس قد أعلن رفضه أية شروط من شأنها عزل قضية الأسرى عن عملية السلام، عقب زيارته الأولى لترامب بعد فوزه في الانتخابات.

أقوال جاهزة

شارك غردتحذيرات فلسطينية من كارثة اقتصادية إذا جمدت أمريكا مساعداتها للأونروا

شارك غردالأونروا تدعو إلى عدم خلط الأوراق بين المساعدات الإنسانية التي تحفظ كرامة اللاجئ الفلسطيني وبين السياسة

والجديد حالياً هو أن أمريكا لم تعد تنظر إلى الأونروا أو اللاجئين بشكل محايد عن الخلافات التي تنشأ بينها وبين السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، أو على الأقل زادت نسبة عدم التمييز بين الأمرين.

أثر كبير

وأكد الناطق باسم الأونروا عدنان أبو حسنة لرصيف22 على أهمية وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، خاصةً في قطاع غزة الذي يعد أكثر المناطق الفلسطينية فقراً، إذ يصل عدد المستفيدين من خدمات الأونروا إلى 1.3 مليون من أصل مليونين يقطنون القطاع، أي 65% منهم.

وهذه الخدمات تتنوّع بين مساعدات غذائية وتعليم وصحة وغيرها. وقد شهدت مراكز الصحة والعلاج التابعة للأونروا أكثر من 5 ملايين زيارة خلال عام 2017، فيما يضم قطاع التعليم نحو ربع مليون طالب و13 ألف موظف، ما يعني أن وقف المساعدات سينعكس سلباً على أوضاع القطاع أكثر مما هو عليه الآن.

وحذّر المحلل والخبير الاقتصادي الدكتور سمير أبو مدللة من كارثة اقتصادية ستفاقم الكارثة التي يعانيها اللاجئ الفلسطيني أساساً، سواء في الداخل أو الخارج، في حال تم تقليص مساعدات الأونروا، خاصةً في قطاع غزة وفي مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في سوريا ولبنان.

فقد وصل معدل الأشخاص الذين يقبعون تحت خط الفقر في قطاع غزة إلى 65%، مع نسبة بطالة تصل إلى 65% في أوساط الشباب، ومن الصعب احتواء هذه الكارثة في ظل الظروف الحالية، وانقطاع الرواتب نتيجة الأزمة المالية التي تعانيها الحكومة الفلسطينية.

وأوضح أبو مدللة لرصيف22 أنه يمكن سد العجز الناتج عن القرار الأمريكي المحتمل بنقل ميزانية الأونروا من الدول المانحة وتخصيص ميزانية لها من قبل الأمم المتحدة التي أنشأت هذه الوكالة، كما هو الحال بالنسبة للمنظمات الأخرى للأمم المتحدة كاليونيسكو والفاو واليونيسيف وغيرها.

كما اقترح تعديل القرارات العربية التي نصت على أن لا تخصص جامعة الدول العربية للأونروا دعماً أكثر من 7% من ميزانيتها، مطالباً بتنفيذ الوعود العربية خلال اللقاءات والقمم السابقة التي نصت على توفير كل ما يلزم لصمود الشعب الفلسطيني.

ويمكن احتواء هذه الأزمة على الصعيد الداخلي الفلسطيني، وقال أبو مدللة: "على الحكومة الفلسطينية أن تباشر فرض ضرائب على السلع المهربة عبر المستوطنات، إذ أفاد البنك الدولي مؤخراً بأن نسبة الضرائب التي تتجاهلها السلطة الفلسطينية نتيجة البضائع التي تهرب تقدر بـ300 مليون دولار، وهذه فرصة جديدة للحكومة لزيادة إيراداتها وسد هذا العجز".

وأضاف أن السلطة الفلسطينية "يجب أن تباشر فرض ضرائب على الشركات التجارية والاحتكارية في فلسطين، والتي تتهرب من ضرائبها وتحقق أرباحاً تفوق مجمل أرباح الشركات العربية المشابهة لها في عملها، وأن تكون هذه الضرائب رأسية وليست أفقية بحيث لا يتضرر المواطن منها، وكذلك باعتماد السلطة نظام الموازنة التقشفية عند كبار موظفيها، خاصةً في مرحلة التحرر الوطني التي نمر بها حالياً".

وحذّر رئيس جمعية راصد لحقوق الإنسان العاملة على الأراضي اللبنانية الدكتور رمزي عوض من تقليص مساعدات الأونروا عن أبناء المخيمات الفلسطينية في لبنان.

وأكد أن خدمات الأونروا تشكل مصدر القوت اليومي في حياة اللاجئ الفلسطيني، كما أن حقوق هذا اللاجىء معدومة في العلاج والعمل والمسكن، لافتاً إلى أن بعض المستشفيات اللبنانية احتجزت مرضى فلسطينيين بسبب عدم قدرتهم على توفير تكاليف العلاج، وبالتالي، فإن حرمان اللاجئ من المساعدات التي يتلقاها من الأونروا ستكون له نتائج سلبية على الفلسطينيين وعلى لبنان.

الأونروا تحذّر

وحذّر رئيس عمليات الأونروا في المحافظات الجنوبية لفلسطين السيد ماتياس شمالي من تداعيات تقليص خدمات الأونروا في الوقت الذي يشهد فيه قطاع غزة أزمة مالية خانقة وفي الوقت التي تشكل مساعدات الوكالة المختلفة مصدر القوت اليومي للمواطن الفلسطيني، خاصةً في غزة.

ولفت إلى أن الوكالة لم تتبلّغ بأية تغييرات حول تمويل برامجها من الحكومة الأمريكية، وكل ما حصل هو مشاحنات إعلامية بين الأطراف السياسية المتنازعة نتيجة تصريح مندوبة أمريكا في الأمم المتحدة السيدة نيكي هايلي، التي هددت بتقليص المساعدات لبرامج اللاجئين الفلسطينيين.

وأكد شمالي لرصيف22 أن الأونروا مستمرة في رسالتها بدعم اللاجئ الفلسطيني حتى بعد تقليص خدماتها من قبل أية جهة، داعياً المجتمع الدولي إلى الالتزام بوعوده التي قطعها قبل 70 سنة بتوفير حياة ملائمة للاجئ الفلسطيني، وإلى تحييد الأونروا عن جميع الخلافات بين الأطراف السياسية المختلفة، وإلى عدم خلط الأوراق بين المساعدات الإنسانية التي تحفظ كرامة اللاجئ الفلسطيني وبين السياسة.

وشهدت الأسابيع الأخيرة خلافات بين الفلسطينيين والأمريكيين، بعد قرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.

وعقب مطالبة الرئيس الفلسطيني في مؤتمر القمة الإسلامية بإسطنبول بوقف جميع العلاقات بينه وبين الأمريكيين بشكل رسمي، جاء قرار آخر برفض استقبال نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس، ثم أعلنت حركة فتح عن يوم غضب في وجه الاحتلال الإسرائيلي وعن نفير عام في المحافظات الفلسطينية لا يزال قائماً حتى إشعار آخر.

وفي ضوء ذلك، قال عضو المجلس الثوري لحركة فتح إياد نصر لرصيف22 "إن السلطة الفلسطينية وحركة فتح ومنظمة التحرير اتخذت قراراً بقطع جميع أشكال الاتصالات مع الأمريكيين وتم تعميم ذلك على الكوادر، وذلك لأن القدس وحقوقنا الفلسطينية أكبر من أن نساوم عليهما بالمال والمساعدات".

وأشار نصر إلى أن الإدارة الأمريكية جعلت السلطة الفلسطينية تتخذ موقفاً ضدها وتعتبرها عاجزة عن لعب دور الراعية لعملية السلام، وتؤكد أن تدخلاتها في حل الخلافات بين الفلسطينيين والإسرائيليين غير مقبولة بتاتاً، بسبب انعدام الدور المحايد لها.

ورأى أنه بقطع المساعدات مسبقاً عن السلطة الفلسطينية ثم التهديد بقطع المساعدات عن اللاجئين بشكل عام، أظهر ترامب وجهه الحقيقي وكشف أنه عدو لكل فلسطيني وليس للسلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير فقط.

وأوضح أن الخيارات المفتوحة لمواجهة هذه الأزمة هي تفعيل الدور العربي لتعزيز صمود الفلسطينيين قيادةً وشعباً، وتوفير كل ما يلزم لذلك، ودعم قرارات الشرعية الدولية المتعلقة بإقامة الدولة الفلسطينية على حدود 1967 وعاصمتها القدس، ودعم انضمامها إلى جميع المؤسسات والمنظمات الدولية.

كلمات مفتاحية
ترامب فلسطين

التعليقات

المقال التالي