تسجيلات "نيويورك تايمز" وقبول مصر بالقدس عاصمة لإسرائيل: فضيحة أم "نصب"؟

تسجيلات "نيويورك تايمز" وقبول مصر بالقدس عاصمة لإسرائيل: فضيحة أم "نصب"؟

"في الوقت الذي قرر فيه ترامب الشهر الماضي إعلان القدس عاصمة لإسرائيل، قام ضابط استخبارات مصري بكل هدوء برفع سماعة الهاتف ليتواصل مع عدد من مقدمي البرامج المؤثرين".

هدف الاتصال كان إبلاغهم أن القيادة المصرية "شأنها في ذلك شأن جميع إخواننا العرب، ستنكر هذا القرار علناً"، في المقابل على المذيعين، بدلاً من إدانة القرار، إقناع المشاهدين بقبوله والتركيز مثلاً على رام الله، إذ كرر مراراً القول في اتصالاته "كيف تختلف القدس عن رام الله، حقاً؟".

كان ذلك الخبر الذي نشره الصحافي ديفيد كيركبارتريك في "نيويورك تايمز"، زاعماً حصوله على تسجيلات لاتصالات أجراها ضابط يُدعى أشرف الخولي بالإعلاميين عزمي مجاهد ومفيد فوزي وسعيد حساسيان (العضو في البرلمان كذلك) والفنانة يسرا.

لكن عوامل عدة دفعت البعض للتشكيك بصحة ما نشرته الصحيفة، في وقت نفت الهيئة العامة للاستعلامات الرسمية تقرير الأخيرة واعتبرت أن ما نشرته "تسريبات مزعومة لشخص مجهول".

في وقت كشف مصدر أمني، في تصريحات خاصة لـ"القاهرة 24"، أن الخولي "نصاب، وانتحل صفة ضابط بأحد الأجهزة الأمنية، ويقوم بالاتصال بعدد كبير من الإعلاميين، ولا يوجد ضابط يحمل هذا الاسم، ولكنه يستغل ذلك للحصول على عدد من المزايا، والارتباط بعلاقات شخصية مع الإعلاميين".

تسريبات "نيويورك تايمز": ماذا جاء فيها؟

"كل مقدمي البرامج التلفزيونية الذين اتصل بهم الخولي أخذوا بنصيحته"، حسب الصحيفة التي تضيف أنه "تم إسكات جميع الأصوات الأخرى في وسائل الإعلام المملوكة للدولة أو المؤيدة للحكومة في كافة أنحاء العالم العربي، بما في ذلك الأصوات غير العاطفية منها، كلما تعلق الأمر بوضع القدس".

وكما ينقل كيركباتريك، استهل الخولي أحد اتصالاته مع حساسين بالقول "أتصل بك فقط لأخبرك عن موقفنا الرسمي في حال ظهرت في التلفاز أو مقابلة ما. أنقل إليك موقف جهاز الأمن الوطني المصري وما هي الفوائد التي تجنيها مصر من إعلان القدس عاصمة لإسرائيل. تمام؟"

يتابع الخولي التعبير عن قلقه من إزعاج إسرائيل أو اندلاع انتفاضة أخرى، ويقول "نحن، مثل جميع أشقائنا العرب، ندين الأمر… لكن بعد ذلك، سيصبح القرار واقعاً، والفلسطينيون لن يتمكنوا من مقاومته، ونحن لا نريد حرباً. لدينا ما يكفينا من هموم".

وتابع الخولي "في نهاية المطاف، فيما بعد، لن تكون القدس مختلفة كثيراً عن رام الله. ما يهم هو إنهاء معاناة الشعب الفلسطيني. ولا مفر من التنازلات، وإذا وصلنا إلى تنازل بحيث تصبح القدس، تصبح رام الله هي عاصمة فلسطين…".

أما جواب حساسين، حسب التسجيل المسرّب، فكان كالتالي: "أنت تأمرني سيدي. أنا تحت أمرك".

أقوال جاهزة

شارك غردمهما يكن بشأن صحة تعليمات القدس من عدمها، فإن اتصالات قد حصلت قابلتها تطمينات من الإعلاميين، ما يقدم مثالاً إضافياً عن حجم التردي الذي وصل إليه المشهد الإعلامي في مصر  

شارك غردطبيعي أن تنفي السلطات المصرية تقريراً يمسها سلباً بشأن موضوع حساس كالقدس... ولكن تسريبات النيورك تايمز تطرح فعلاً بعض التساؤلات

يقول الكاتب إنه حصل على التسجيلات من وسيط داعم للقضية الفلسطينية ومعارض للسيسي، في حين لم يتمكن من معرفة مصدرها الأصلي.

ويلفت إلى أن التسجيلات الأربعة تتشابه لجهة المضمون والهدف، وبينما رفض كل من حساسين وفوزي ويسرا (التي هددت بالملاحقة القانونية) المكالمات، كان مجاهد الوحيد الذي أكد لكيركباتريك حصولها مبرراً "موافقته الكابتن الخولي انطلاقاً من تقديره الشخصي بأهمية تجنب اندلاع عنف جديد وليس انصياعاً لأوامر جهاز الاستخبارات".

وقال مجاهد "أنا صديق لأشرف، ونحن نتكلم طوال الوقت… وليس لدي مشكلة أن أعيد علناً كل ما سمعتموه في تلك المكالمة".

يلفت التقرير كذلك إلى أن مجاهد قال مخاطباً مشاهديه عن القدس "كفاية. أصبحت قديمة"، وكان من بين ما سمعه من الخولي اتهامه لقطر وأميرها بالتعاون مع إسرائيل.

قال الخولي لمقدم البرامج "عليك أن تقول إن تميم وقطر لديهم ارتباطات سرية مع إسرائيل. وأنت تعرف كل ذلك"، فردّ مجاهد "ارتباطات واضحة. يسعدني ذلك. يسعدني ذلك. سأضيف ذلك في الحلقة القادمة، إن شاء الله"، والكلام لكيركباتريك.

ولكن ما الذي فات الصحيفة ربما؟

في الرد الرسمي الذي نشرته الهيئة العامة للاستعلامات، أوردت مجموعة من النقاط، بشأن الأسماء المذكورة في التحقيق.

أشارت إلى أن "من اعتبرهم التحقيق مقدمي برامج حوارية مؤثرة"، هم ليسوا كذلك، ففوزي لا يقدم أي برامج تلفزيونية منذ سنوات، وحساسين "توقف عن تقديم برنامجه قبل إثارة موضوع القدس بأسابيع ولا يقدم أية برامج حالياً"، ويسرا لا علاقة لها بأي برامج تلفزيونية.

وانتقدت الهيئة اعتماد التقرير المنشور على أن من قام بالاتصال هو النقيب أشرف الخولي من المخابرات العامة، "دون أن يقدم للقراء أدنى دليل على أن هذا الشخص ينتمي إلى المخابرات المصرية".

طبيعي أن تنفي السلطات المصرية تقريراً يمسها سلباً بشأن موضوع حساس كالقدس، ولكن اسم الخولي لم يسبق فعلاً أن ورد ضمن الأسماء الاستخباراتية التي يتم تداولها في الأوساط الإعلامية وتملي على الإعلاميين في مصر عادة، ومع ذلك لا يمكن الحسم فثمة دائماً أسماء تبقى في الظل في مثل هذه الحالات.

طالما أن الخولي معروف للسلطات المصرية بأنه منتحل صفة و"نصّاب" منذ فترة سبقت الاتصالات المتعلقة بالقدس، فما الذي يجعله طليقاً حتى الآن، يرفع سماعة الهاتف متى يحلو له؟

اللافت كذلك أن برنامج حساسين موقوف فعلاً منذ أغسطس الماضي، إثر قرار من المجلس الأعلى للإعلام، وكذلك فوزي الذي لم يكن لديه ظهور إعلامي في الفترة الماضية. والاثنان لم يذكرا القدس في أي مناسبة في الفترة التي أعقبت قرار ترامب.

الحال نفسه ينطبق على يسرا التي لم يسجل لها أي تصريح بشأن القدس. وحده مجاهد فعل، لكنه في الوقت نفسه انتقد أمريكا بشدة في برنامجه.

في المقابل، ما الذي يجعل كيركباتريك، الذي أقام فترة طويلة في مصر سابقاً، يؤلف رواية مماثلة كما ذكرت الجهات الرسمية؟

السيناريو الثالث الذي برز هنا، كان على لسان أحد الأمنيين في تصريح لـ"القاهرة 24" والذي اتهم فيه الخولي بالنصب وانتحال صفة للحصول على مزايا.

ولفت المصدر، الذي رفض ذكر اسمه، أنه "سبق التحذير على الجميع من ذلك الشخص، مؤكداً أن عزمي مجاهد لا يعرف ذلك الشخص، وقوله للصحيفة الأمريكية إنه صديق شخصي لذلك النصاب ليس فى محله، وأن الأمن أكد على أن ذلك الشخص ينصب على الكثيرين، واعتاد ذلك".

ويبقى السؤال هنا، طالما أن الخولي معروف للسلطات المصرية بأنه منتحل صفة و"نصّاب" منذ فترة سبقت الاتصالات الأخيرة، فما الذي يجعله طليقاً حتى الآن، يرفع سماعة الهاتف متى يحلو له؟

المشهد الإعلامي: استحواذ استخباراتي وإملاءات بالجملة

مهما يكن بشأن صحة تعليمات القدس من عدمها، فإن اتصالات قد حصلت قابلتها تطمينات من الإعلاميين، ما يقدم مثالاً إضافياً عن حجم التردي الذي وصل إليه المشهد الإعلامي في مصر.

ما كشفته الصحيفة الأمريكية قد لا يُعدّ مفاجئاً إذا ما وُضع في سياق ديناميكية العلاقة القائمة بين الجهات الأمنية والإعلامية، إذ تتواصل الجهة الأولى مع الثانية على صورة أوامر ملزمة أو اقتراحات.

وكان السيسي قي تحدث سابقاً، في تسريب نشرته قناة "الجزيرة"، عن أذرع اعلامية يعمل على بناءها داخل المؤسسات الإعلامية في مصر الحكومية منها والخاصة.

في العام 2015، سرّبت قناة "مكملين" المعارضة للنظام محادثة هاتفية بين مدير مكتب السيسي اللواء عباس كامل، والمتحدث العسكري السابق العقيد أحمد محمد علي.

وخلال المحادثة يملي عباس على المتحدث العسكري الخطة الإعلامية الكاملة لـ"تهييج" الناس لمصلحة السيسي، حين كان مرشحا للرئاسة.

وقبل أشهر قليلة، عبّرت منظمة "مراسلون بلا حدود"، في تقريرها «مصر: حينما تبسط المخابرات سيطرتها على الإعلام"، عن قلقها من "وقوع عدد من المؤسسات الإعلامية في أيدي رجال أعمال مقربين من الحكومة وأجهزة المخابرات"، موضحة في الوقت ذاته أن "استحواذ السلطات المصرية على المشهد الإعلامي متواصل بشكل مطرد بل ويطال حتى وسائل الإعلام المقربة من النظام".

وخلال شهر ديسمبر الماضي، كشفت "مدى مصر" عن سيطرة جهاز الاستخبارات المصري على المشهد الإعلامي بأكمله، من خلال استحواذ شركة "إيغل كابيتال" (المملوكة من جهاز المخابرات) على حصة رجل الأعمال أحمد أبو هشيمة في مجموعة "إعلام المصريين"، المالكة لشبكة قنوات "أون تي في"، وعدد كبير من شركات الإعلام المصرية.

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

التعليقات

المقال التالي