رضا بهلوي ومريم رجوي: فرصة تغيير أم قيادة معارضة مصطنعة؟

رضا بهلوي ومريم رجوي: فرصة تغيير أم قيادة معارضة مصطنعة؟

رضا بهلوي ومريم رجوي، اسمان إيرانيان معارضان يبرزان من حين إلى آخر.

بما يحمله الأول من نوستالجيا حكم والده الشاه وعلاقته الجيدة غربياً، والثانية من زعامتها لـ"منظمة مجاهدي خلق" الممتدة بين المنافي الأمريكية والأوروبية والمدعومة من جهات معادية للنظام الإيراني، عاد الاسمان ليظهرا في الأيام القليلة الماضية تزامناً مع التظاهرات الإيرانية.

ثمة محاولات مستمرة لتلميع صورة الاثنين، استفاد منها كل من بهلوي ورجوي ليخرجا مؤخراً للإعراب عن تأييدهما لحراك الإيرانيين وحثهم على التغيير.

فما الحجم الفعلي لكل من بهلوي ورجوي، من المنفى الأمريكي والفرنسي، على الساحة الإيرانية؟ وماذا يعني التلميع الغربي للطرفين؟ ولماذا يتخوف بعض مناصري الحراك الإيراني من ظهورهما حالياً على الساحة؟

معارضة من دون قيادة

في منتصف يونيو العام 2009، وبعد إعلان فوز الرئيس محمود أحمدي نجاد في جولة الإعادة للانتخابات الرئاسيّة على حساب مرشح المعارضة مير حسين موسوي، احتشد في شوارع طهران حوالي 5 مليون متظاهر، منددين بتزوير الانتخابات.

ارتفعت الشعارات الخضراء في طهران، من تلوين الكف إلى ربطة العنق والرايات، وعلت الحناجر متسائلة "أين صوتي؟" و"من سرق صوتي أيها الديكتاتور؟".

بسبب لون شعاراتهم، سمي تحركهم لاحقاً بـ"الحركة الخضراء" وبرزت فيه أسماء عدة معارضة بينها مهدي كروبي القادم من صفوف اليسار الإسلامي، والذي اعتُبر امتداداً للخط الإصلاحي الذي انتهجه الرئيس محمد خاتمي.

كانت تظاهراتهم الأكبر بعد الثورة الإسلامية في العام 1979، وكانت قياداتهم واضحة، ولو أنهم اتهموا بضبابية الشعارات وعدم بلورة أفكارها بشكل منظم قبل النزول إلى الشارع. لاحقاً قُمعت الحركة الاحتجاجية، وتشرذم أفرادها بين إقامة جبرية واعتقالات وتضييق وحجب.

في أواخر ديسمبر العام 2017، احتشدت الشوارع الإيرانية في مناطق متعددة بالمتظاهرين بشعارات اقتصادية منددة بارتفاع الأسعار وسياسية انقسمت بين انتقاد الكرم الإيراني في المنطقة والنظام الإسلامي في الداخل.

لم تخرج أي أنباء عن زعيمي المعارضة السابقين موسوي وكروبي، الخاضعين للإقامة الجبرية منذ أعوام، بل اللافت في المشهد كان أن أي طرف، حزبي أو سياسي، لم يستطع تقديم نفسه كقيادي للحراك.

بين من يحتجّ على البطالة والفساد ومن يعترض على حكم روحاني ومن يسعى لنظام أكثر ليبرالية، وبين من يحنّ لنظام الشاه ومن يميل لتأييد منظمة مجاهدي خلق، بقي الحراك من دون محرك واضح.

لكن بعض المعارضين حاولوا تسلق الموجة عبر دعم الحراك، وتقديمه باعتباره امتداداً لأفكارهم ونشاطهم. من هؤلاء رضا بهلوي، نجل الشاه الإيراني محمد بهلوي، ومريم رجوي، التي عادت نظام الشاه سابقاً ثم نظام الخميني لاحقاً.

أقوال جاهزة

شارك غردما الحجم الفعلي لكل من ابن الشاه رضا بهلوي وزعيمة منظمة مجاهدي خلق مريم رجوي؟ ولماذا يتخوف بعض مناصري الحراك الإيراني من ظهورهما على الساحة؟

شارك غردهي النوستالجيا، إذاً، التي تعيد رضا بهلوي إلى الساحة، ولكن هل تكفيه ليلعب دوراً فعلياً في إيران الآتية من دون أن يملك تنظيماً؟

بهلوي... نوستالجيا من دون تنظيم

"كان نجم الاحتجاجات هذه المرة شخص آخر ارتفع نجمه في سماء إيران فوق المدن المحافظة المعروفة، مثل مدينة قم ومدينة مشهد، والتي تعتبر معاقل علماء الدين المتشددين والمعاهد الدينية في إيران"، كتبت کاملیا انتخابي فرد في "سي أن أن".

تقول الصحافية الإيرانية، التي وثقت في كتاب سيرتها بين حكم الشاه ووصول الخميني وصولاً إلى المنفى، إن "الحنين إلى إيران ما قبل الثورة يملأ كثيراً من قلوب الإيرانيين اليوم. الحنين إلى الفترة التي كان فيها بلدهم من الدول الإقليمية الرائدة في الحداثة والراحة والنجاح وصعود الطبقة الوسطى، والمنزلة المحترمة التي كان الإيرانيون يتمتعون بها في المجتمع الدولي".

ليست انتخابي فرد وحدها من يرى في رضا بهلوي "فرصة كبيرة لقيادة المعارضة الإيرانية ضد النظام الحاكم"، بل يشاركها هذه النوستالجيا شرائح من الشباب الإيراني الذي لم يعاصر فترة الشاه، فيما دفع ثمن سياسات الحكم الذي أسقطه.

وهو حنين ترجم في عدد من الشعارات منها "أيها الأمير رضا، نرجوك أن تعود إلى إيران!".

مع بدء التظاهرات، دخل بهلوي، الذي يعيش منذ حوالي أربعين عاماً في الولايات المتحدة الأمريكية، على خط تشجيع المحتجين، فتوجه برسالة عبر حساباته على مواقع التواصل إلى "الثوار والمجتمع الدولي"، مستلهماً عبارة مارتن لوثر كينغ بالقول "سوف نتذكر ليس كلمات أعدائنا ولكن صمت أصدقائنا".

رضا، الذي غادر إيران في السابعة عشرة من عمره ليدرس الطيران في الولايات المتحدة، يحرص على عدم تقديم نفسه باعتباره الأمل الوحيد للإيرانيين، لكنه يؤكد مراراً على الأفكار المنفتحة والعلمانية التي ورثها من والده وجده وعلى استعداده لقيادة إيران نحو الازدهار مجدداً متى طُلب منه ذلك.

اكتسب بهلوي شهرة إضافية بعد انتخاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي وعد باتباع سياسةٍ متشدّدة تجاه طهران، بحسب "فوكس نيوز". كما ظهر في مقابلات عدة من بينها تلك التي أجراها مع موقع "بريتبارت" اليميني، بإدارة كبير الخبراء الاستراتيجيين لدى ترامب حينها ستيف بانون، مهنئاً الرئيس الجديد الذي سمع منه ما يأمل عن "دعم الشعب" و"إضعاف النظام".

ويدعو، كما يظهر موقعه الإلكتروني ومقابلاته، إلى استبدال نظام ولاية الفقيه بملكية برلمانية، ويؤكد على احترام حقوق الإنسان وتحديث الاقتصاد وجعل إيران مقبولة لدى جيرانها في الخليج.

في مقابلة له مع "أسوشيتد برس" العام الماضي، قال بهلوي "جينات هذا النظام (الإيراني الحالي) تجعله عصياً على الإصلاح، لقد فقد الناس الأمل في الإصلاح وصاروا يفكرون في أنه لا بد من تغيير أساسي".

وفيما يؤكد أن انشغاله منصبّ على تحرير البلاد، يشير أنه لتحقيق ذلك "مستعد للتعاون مع أمريكا أو إسرائيل أو السعودية أو كائناً من كان".

وقت إجراء المقابلة، كان بهلوي يتطلع قدماً إلى لقاء ترامب الذي يشاركه الرغبة بالتغيير في إيران، في وقت لا يرى في منظمة "مجاهدي خلق" شريكاً مناسباً، فالأخيرة برأيه "وقفت إلى جانب الدكتاتور صدام حسين حين حارب إيران" و"لديها هيكلية تشبه إلى حد كبير هيكلية الجماعات الدينية".

رجوي... تنظيم من دون سمعة

بهذه التغريدة عبّرت زعيمة المعارضة الإيرانية في الخارج ورئيسة ما يعرف باسم "المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية" أن التظاهرات والانتفاضة في إيران ستستمر حتى "إسقاط نظام الملالي" و "تحقيق الديموقراطية والعدالة والرفاهية".

واحتفت رجوي بخطوة "إنزال صور خامنئي القبيحة في أرجاء إيران" التي تبيّن إرادة الشعب الراسخة في إسقاط نظام الإرهاب الحاكم باسم الدين، حسب قولها.

اسم رجوي، الذي لم يغب عن الساحة الإيرانية، حضر بقوة في الأيام الماضية، واستعاد البعض علاقات "مجاهدي خلق" بالنظام العراقي السابق، كما باللوبي الصهيوني والسعودية.

لا يمكن فصل اسم مريم عن اسم زوجها مسعود رجوي، الذي تولى زعامة "مجتهدي خلق"، فتحولت مع الزوجين إلى أشبه بطائفة حصرية.

أنشئت المنظمة في العام 1965 بهدف الإطاحة بنظام الشاه، مستلهمة الفكر الماركسي والإسلامي على السواء، فيما قضى معظم مؤسسيها في سجون الشاه.

بعيد الثورة الإسلامية، اعتبرت المنظمة قانونية، لكن في العام 1981 أعلنها النظام خارجة عن القانون إثر تظاهرات مسلحة. فرّ أعضاؤها إلى أنحاء مختلفة، وتحديداً إلى فرنسا حيث أسس رجوي هناك "المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية".

في العام 1986، وفي ظل التقارب الفرنسي الإيراني، طُرد رجوي من باريس، فتركز تواجد المنظمة في العراق حيث قاتلت إلى جانب نظامه آنذاك ضد إيران، ما جعل الأخيرة تتهمها بـ"الخيانة" لغاية الآن.

التعاون بين "مجاهدي خلق" وصدام أسّس لنفور من المنظمة لدى العديد من الإيرانيين، حتى المعارضين منهم، ومع ذلك تحافظ المنظمة على امتدادها في العديد من دول العالم.

في العام 1993، انتخب المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية مريم رجوي رئيسة للجمهورية الإيرانية في المنفى، وفي العام 2003 اعتُقلت في باريس مع 160 شخصاً ليتم الإفراج عنها بعد أسبوعين وسط تظاهرات عديدة لأنصارها.

وقد تمكنت المنظمة في العام 2009 من أن تُشطب عن لوائح المنظمات الإرهابية في أوروبا وفي العام 2012 في أمريكا، وسط احتجاجات إيرانية رسمية تصل دائماً إلى فرنسا التي "تستضيف المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية".

وبعد انتخاب ترامب، انتشرت الأخبار عن دفع المنظمة مبالغ مالية لفريق عمله كي يذكرها في خطابه، بينما أثارت دعوة مسؤولين في الكونغرس لمريم رجوي وزوجها قبل عامين، للحديث عن كيفية محاربة تنظيم داعش، الاستياء.

وتحافظ رجوي على الحضور في العديد من اللقاءات الدولية، حيث التقت مسؤولين دوليين عديدين، واقترحت على الغرب ما أسمته "الحل الثالث" للتعامل مع إيران، وهو إحداث تغيير بيد الشعب الإيراني مؤكدة أن ذلك هو "الطريق الوحيد للحيلولة دون وقوع حرب خارجية".

التلميع الغربي

بحسب "أسوشييتد برس"، يقول المؤرخ أندرو سكوت كوبر إن "قمع النظام لأي حوار حول عائلة بهلوي لوقت طويل أدّى إلى نتائج عكسية، إذ أثارت فضول الشباب في إيران حول ما لا يعرفونه... إذ يقول الإيرانيون الشباب لآبائهم وأجدادهم الذين ثاروا ضدّ الشاه وعائلة بهلوي لماذا تخلصتم من ذلك النظام وجئتم بالحالي؟".

وفي هذه التغريدة، يتحدث الصحافي الإيراني مزيار بهاري عن نجل أحد الأشخاص الذين اعتقلهم الشاه لسنوات طويلة وكان ناشطاً في الثورة الإسلامية، مستغرباً كيف أصبح الابن راغباً بعودة نظام الشاه.

هي النوستالجيا، إذاً، التي تعيد رضا بهلوي إلى الساحة، ولكن هل تكفيه ليلعب دوراً فعلياً في إيران الآتية من دون أن يملك تنظيماً، وفي ظل قمع النظام لأي تحركات قادمة؟

ولأن النوستالجيا تصوّر الماضي وردياً، فماذا عمن يتذكرون جيداً الظلم الطبقي الذي عاشوه أيام الشاه ويعارضون تحكمه بموارد البلاد وعلاقاته الخارجية؟

أما رجوي، فهي وإن كانت تدير تنظيماً ممتداً، إلا أن سمعتها لا تخدمها، وتخيف كثر من إيران يشاركونها مطالبها لكنهم يعتبرون دعمها للتظاهرات مضراً بالأخيرة ويخدم اتهامات النظام للمتظاهرين بالتآمر على البلاد.

مع ذلك، الأكيد أن الغرب، وتحديداً الولايات المتحدة في عهد ترامب، يتحين الفرصة لأي تغيير يلوح في الأفق الإيراني، حتى لو كلف الأمر اصطناع قيادة ما للحراك والتسويق لها.

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

كلمات مفتاحية
إيران

التعليقات

المقال التالي