صدام حسين... الديكتاتور الذي كان يلقي النكات

صدام حسين... الديكتاتور الذي كان يلقي النكات

تخيّل أنك تجلس بالقرب من صدام حسين، وسمعته يحكي نكتة. هل تضحك أم لا؟ على الأرجح ستضحك، حتى ولو كانت تافهة. ستضحك، وقد تقهقه، وربما تمد صوت ضحكتك طويلاً. ليس لشيء، بل لأن مُلقي النكتة هو صدام حسين الذي قد يعدمك إذا ما فشلت في التفاعل معه.

ليس غريباً أن يحب الديكتاتور النكات والموسيقى والرسم والشعر، فهو إنسان مثلنا. لكن الغريب هو أن يظهر صدام حسين الصلب والقاسي في لحظات يكون فيها مصدر ابتسامة لمَن يسمعه.

صاحب النكتة "الرصين"

كان الرئيس العراقي السابق يحكي النكات لمَن حوله، لكنه لم يكن يُغيّر شيئاً من حركات جسده التي تبقى تلك التي تتحرك ببطء مع سيجارته (الجروت) والضحكة الرزينة التي صارت لازمة له أو لمَن يريد تقليده.

قبل سقوط نظام صدام حسين، لم يكن العراقيون يتداولون النكات المنسوبة إلى "قائدهم" أو تلك التي تسخر منه، خاصة النوع الثاني منها، إذ قد تودي بمتداولها إلى الإعدام. لكن، بعد التاسع من أبريل 2003، صار الجميع يذكرون اسم صدام كثيراً في نكات تسخر منه.

ومن هذه النكات التي كانت "محرّمة"، واحدة تعبّر عن مدى الخوف من الرئيس العراقي الأسبق. وعلى يوتيوب فيديو لها ولكنه فيديو مزيّف، فالصوت ليس لصدام.

يقول الباحث الاجتماعي واثق صادق لرصيف22 إن "صدام كان يلجأ الى النكتة في حالات كثيرة من أجل إيصال رسالة بأنه ابن المجتمع العراقي، وابن الشعب العراقي الذي كان في قرارة نفسه يخشى سطوته وعنفه وقسوته".

أقوال جاهزة

شارك غردصدام حسين وإلقاء النكات... غرابة أن يتحوّل الديكتاتور العراقي الصلب والقاسي في لحظات إلى مصدر ابتسامة لمَن يستمع إليه

شارك غردتخيّل أنك تجلس بالقرب من صدام حسين، وسمعته يحكي نكتة. هل تضحك أم لا؟ على الأرجح ستضحك، حتى ولو كانت تافهة. ستضحك، وقد تقهقه، ليس لشيء، بل لأن مُلقي النكتة هو صدام حسين الذي قد يعدمك إذا ما فشلت في التفاعل معه

ويضيف: "قد تُرسل النكات التي يلقيها في مجالسه الخاصة ولقاءاته بالدائرة الضيقة المقربة منه مواقف سياسية أو مواقف عدوانية تجاه شرائح بعينها، كما في النكتة التي أطلقها ذات مرة عن مكون عشائري محدد دون غيره كان قد تورط أحد أبنائه بمحاولة اغتيال فاشلة ضده".

ففي إحدى المرات، ذكر صدام نكتة عن عشيرة الدليم، العشيرة الكبيرة التي تتحدر من محافظة الأنبار، غرب العراق، والتي لطالما كانت محور العديد من النُكات، مثلها مثل عشائر وجماعات عراقية أخرى.

وعام 1995، حاول اللواء الركن محمد مظلوم الدليمي الانقلاب على صدام.

أثناء إلقائه النكتة، يبتسم صدام مع قيادات حكومته ويبلغهم أن وزير الإعلام الأسبق لطيف الدليمي هو مَن رواها له، في محاولة للتخلص من أي عتب دليمي عليه.

نكات عن القمع!

لم يكن صدام حسين يرسل رسائل إلى شعبه من خلال النكات التي يلقيها في بعض اجتماعاته وأمام الكاميرات، فمَن هم مثله لا يحتاجون إلى تشفير أقوالهم أو التحدث بلغة غير مباشرة. لكنه كان يلقيها وهو مسترخٍ في بعض المواقف.

كان صدام حسين بسلوكه هذا يعبّر عن جزء من شخصية الفرد العراقي، الذي ما إن تسنح له الفرصة حتى يذكر نكتة لمَن حوله. إن كان العراقي في مناسبة رسمية أو غير رسمية، حزينة أو مفرحة، لن تكون النكتة بعيدة عن لسانه.

في إحدى النكات، يؤكد صدام حسين مدى استخدام بعض رجال الأمن العراقيين إبان حكمه سلطتهم لتحقيق الرغبات الشخصية، فهو يتحدث عن خوف ورهبة المواطنين من مخابراته وشرطته.

ولم تكن هذه النكتة عملياً بعيدة عن واقع العراقيين. فأسلوب الخوّات والأتاوات اختبره العراقيون، وبالتالي كانت نكتته واقعية. فقد كان الجنود الذين يقفون على المناطق الحدودية مع سوريا والأردن أو مع إقليم كردستان العراق، يأخذون ما يريدون من سيارات التجار ومجاناً.

ويقول واثق صادق: "يبقى الطاغية فرداً يحاول التناغم مع محيطه الاجتماعي وفق الآليات التي تنتجها ثقافة المجتمع، سعياً منه إلى إقناع نفسه أولاً بأنه فرد مقبول اجتماعياً ولا يختلف عن المجتمع الذي يحكمه".

إضحاك الرئيس

أيضاً، كان صدام حسين أحياناً مستمعاً إلى نكات يرويها المحيطون به. يوثّق أحد الفيديوهات عميداً في الجيش العراقي وهو يستأذنه لإضحاكه فيوافق. ومشهد صدام الواقف برصانة أمام العميد يجعلك تنتظر النهاية وتتساءل: ماذا لو لم يضحك الديكتاتور. ولكنه يضحك، فقد أعجبته النكتة.

وصارت ضحكته جراء هذه النكتة وتعليقه "هاي حيل قوية" (هذه قوية جداً) لازمة لكثير من مقاطع الفيديو المضحكة والساخرة.

نكات عن إيران

وفي قصة قصّها ضابط في الجيش العراقي السابق، تواصل صدام حسين هاتفياً مع قادة بعض القطع العسكرية أثناء الحرب مع إيران، وقبل إغلاق الهاتف ذكر لهم نكتة تُسيء إلى قيادات إيرانية.

أثناء الحرب العراقية الإيرانية، كان بعض "المثقفين" و"الشعراء" الشعبيين ممّن يُحاولون التقرب من صدام حسين، يعدون نكاتاً تربط بين "شجاعة" صدام و"هزيمة" الخميني، فراجت خلال ثمانينيات القرن الماضي نكات لا يتردد صدام بذكرها للمحيطين به، بحسب صحافي كان يعمل في تلفزيون الشباب العراقي التابع لعدي صدام حسين.

تقول إحدى النكات إن الجيش العراقي أسر جندياً إيرانياً أثناء الحرب، وعندما رآه صدام قال له "ولك أنت منو أرسلك"، فرد عليه بلغة عربية ضعيفة "آيتو ألله الخميني"، فضحك صدام وقال للجيش: "اربطوه بصاروخ وأرسلوه للخميني خليه يسلملي عليه". ولكن معظم النكات التي تذكر صدام والخميني فيها إساءات كبيرة للثاني.

ويروي الصحافي الذي طلب عدم كشف هويته لرصيف22: "كنت دائماً أحضر لقاءات حكومية وخطباً واجتماعات رسمية لبثها في قناة الشباب، وكنت أسمع صدام في كل مرة يذكر نكتة للحاضرين".

ويضيف: "كانت تلك النكات لا تُبث في الإعلام، بل تُقتطع قبل ذلك، إلا تلك التي يريد مكتبه الخاص نشرها".

مصطفى سعدون

صحافي عراقي معني بصحافة حقوق الانسان، ومؤسس ومدير المرصد العراقي لحقوق الانسان.

كلمات مفتاحية
العراق

التعليقات

المقال التالي