أبحاث تتطلّب موافقة الأمن ونقد التراث ممنوع... نظرة على حرية البحث الأكاديمي في مصر

أبحاث تتطلّب موافقة الأمن ونقد التراث ممنوع... نظرة على حرية البحث الأكاديمي في مصر

بين مطرقة التدخل الأمني وسندان سيادة التراث، فقدت الجامعة المصرية ما كانت تمتلكه من حرية محدودة. فمع ميلادها عام 1908، وُلدت خطوطها الحمراء، ثم زاد التقييد بتدخل الحكومة وصولاً إلى وقتنا الراهن الذي نشهد فيه أقصى درجات التضييق الأمني.

حالياً، لا تُعقد ندوة ولا تنظّم ورشة عمل ولا يسافر أستاذ ولا يُعيّن أكاديمي أو يُرقّى أو تجري رحلة ميدانية إلا بموافقة أمنية لا تضع في اعتبارها ضرورات البحث العلمي أو متطلبات الأكاديميا.

أما التراث، فهو سيف مُصلت على رقاب أي اجتهاد يمس الأصولية الدينية، فتهم التكفير والدعاوى القضائية والفصل من الوظيفة جاهزة لمَن يتجاوز الخطوط الحمراء.

انتصار الأصولية

يقول الباحث في الدراسات التراثية جمال عمر لرصيف22 إن أزمة الحرية داخل الجامعة المصرية بدأت منذ تأسيسها، فهي بنت أزمة الحداثة العربية التي حاولت التوفيق بين التراث والحداثة الغربية. 

ويدلل عمر على أزمة حضور التراث في الجامعة بصراع قديم ثار حين طلب من جرجي زيدان إلقاء محاضرات عن التاريخ الإسلامي، فما كان من أصوليين إلا أن شنّوا هجمة شديدة ضد الجامعة لأن زيدان عربي مسيحي، فرضخت الجامعة، وألغت محاضراته، على الرغم من قيام أساتذة من المستشرقين الأوروبيين، ومنهم يهود، بتدريس التراث الإسلامي داخلها. إلا أن كون زيدان مسيحياً عربياً أثار الحساسية لدى الأصوليين.

تحفيظ لا نقد ودراسة

كانت حادثة زيدان بداية الحضور التمكيني للتراث، وأصبحت أية دراسة منهجية في حكم الممنوعة. ويذكر عمر عدة حوادث نجحت فيها الأصولية في منع دراسات علمية للتراث.

ففي عام 1913، فُصل منصور فهمي المبتعث إلى فرنسا لنيل شهادة الدكتوراه بسبب موضوع رسالته بعنوان "حالة المرأة في التقاليد الإسلامية وتطوراتها"، وكان فهمي قد خُيّر بين تغيير موضوع الرسالة والفصل من الجامعة، فاختار الفصل.

وتكررت الحادثة عام 1926 مع طه حسين بسبب كتابه "في الشعر الجاهلي"، وقدم الأزهر بلاغاً يتهمه فيه بإهانة الدين الإسلامي، واضطر حسين للابتعاد عن الجامعة لمدة ستة أشهر.

ورُفضت عام 1947 رسالة الدكتوراه المقدمة من محمد أحمد خلف الله بعنوان "الفن القصصي في القرآن الكريم"، ومنع مشرفه أمين الخولي من الإشراف على أية رسائل في الدراسات الدينية.

وتكررت الأزمة عام 1992 مع نصر حامد أبو زيد حين تعرض لوقف الترقية، وكُفّر، وفُرّق عن زوجته، بسبب دراساته حول الشافعي والنص القرآني والخطاب الديني، ما دفعه للهجرة خارج مصر، خشية التعرض للقتل، فلم تكن قد مرّت شهور على اغتيال فرج فودة على يد المتطرفين الإسلاميين.

ويروي عمر حادثة أخرى هي فصل علي مبروك الأستاذ بآداب القاهرة، لمدة ثلاث سنوات، بسبب محاضراته النقدية للشافعي.

تضييق في الأزهر

ويعاني الباحثون في جامعة الأزهر نفس التضييق، فقد تعرّض الأستاذ أحمد صبحي منصور للطرد من الجامعة عام 1987 بسبب دراساته النقدية لتاريخ التدين في الإسلام، وكان منصور قد أُجبر على حذف نصف رسالته للدكتوراه، بعنوان "بحث تاريخي واسع حول التأثير الذي تركته الصوفية بمصر في العهد المملوكي" من أجل أن تُقبل مناقشتها.

وواقعة أخرى ذكرها جمال عمر هي التضييق الذي يتعرض له أستاذ الفقه بالأزهر سعد الدين الهلالي بسبب دعوته لتجديد الفقه، كما يتم تجاهله في أية فعالية داخل الأزهر.

أقوال جاهزة

شارك غردفي مصر، لا تعقد ندوة ولا يسافر أستاذ ولا يُعيّن أكاديمي أو يرقى أو تجري رحلة ميدانية إلا بموافقة أمنية لا تضع في اعتبارها ضرورات البحث العلمي

شارك غردلهيمنة الأصولية الدينية في الجامعة المصرية تاريخ قديم. فحين طلبت من جرجي زيدان إلقاء محاضرات عن التاريخ الإسلامي، رفض أصوليون ذلك لأنه عربي مسيحي، ورضخت الجامعة

لا مكان للأرثوذكسية داخل الجامعة

يقول جمال عمر إن الدراسات عن العقيدة الأرثوذكسية ممنوعة في الجامعات المصرية، ولا يوجد أي قسم لتدريسها إلا في جامعة الزقازيق، ويتم تدريسها كما هي بدون مناقشة، وما يتم تدريسه في أقسام الفلسفة هو المسيحية الأوروبية. ويُرجع ذلك المنع إلى رفض السلطة لأية دراسات منهجية للأديان، بحجة الخوف من الفتن الطائفية.

ويضيف عمر أنه بسبب الحضور الطاغي للموروث الإسلامي داخل دراسات اللغة العربية لا يقبل الطلبة المسيحيون عليها، كما أنهم ممنوعون بشكل غير مباشر من دخول جامعة الأزهر، وكلية دار العلوم بجامعة القاهرة، ونادراً ما يوجد طالب مسيحي في أقسام اللغة العربية، كما لا يوجد أساتذة مسيحيون يدرسون الفلسفة الإسلامية.

وتتطلب رسائل الماجستير والدكتوراه التي تخص قضايا المسيحية، موافقة الأمن أولاً، وفق وقائع يعلمها جمال عمر.

موافقة الأمن فوق كل اعتبار

يرجع تاريخ تدخل السلطة في الجامعات إلى سنواتها الأولى. وسجل عام 1933 تدخلاً صريحاً من الحكومة بقرار نقل طه حسين من عمادة كلية الآداب إلى وزارة المعارف، بعد موقفه الرافض لمنح الدكتوراه الفخرية لعدد من الشخصيات السياسية.

عاد حسين إلى منصبه عام 1936، إلا أن تدخلات الحكومة دفعته لتقديم استقالته من الجامعة عام 1942.

ويروي مدير الوحدة البحثية في مؤسسة حرية الفكر والتعبير محمد عبد السلام لرصيف22 وقائع حديثة عن التدخل الأمني. ففي أبريل 2016، رفضت إدارة جامعة عين شمس منح المدرس بكلية الهندسة محمد سليمان الموافقة النهائية على سفره في منحة إلى الولايات المتحدة، رغم استيفائه جميع المتطلبات، بدعوى عدم ورود الموافقة الأمنية.

وتعرّض الأستاذ يسري جعفر، الأستاذ بكلية أصول الدين في جامعة الأزهر، للوقف عن العمل لمدة ثلاثة أشهر، في نوفمبر 2016، بتهمة محاولة إحياء فكر محمد عبده وطه حسين، والهجوم على التيار الإسلامي في محاضراته.

وفي نوفمبر 2017، صدر قرار جامعة القاهرة بفصل عمرو حمزاوي الأستاذ المساعد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، بدعوى الانقطاع عن العمل، وهو الأمر الذي نفاه حمزاوي على حسابه على تويتر، مؤكداً أنه تقدم بطلب إجازة دون راتب، ووافق مجلس القسم والكلية عليها، إلا أن مجلس الجامعة رفض الطلب.

ويوضح محمد عبد السلام أن الأمن يلجأ لحجج رفض الإجازات، ثم يفصل الأساتذة بذريعة الانقطاع عن العمل، بدلاً من الفصل التعسفي، وذلك خشية أن يحكم القضاء بعودتهم إلى عملهم.

وفي ديسمبر 2017، صدر قرار من جامعة القاهرة بفصل خمسة أساتذة بتهمة الانتماء لجماعة الإخوان المحظورة، وهم باكينام الشرقاوي الأستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، والدكتور أحمد الزهيري بكلية الزراعة، والدكتور عبد الرحمن الشبراوي بكلية الصيدلة، والأستاذ رشاد بيومي بكلية العلوم، والأستاذ بكلية الهندسة عصام حشيش.

وعلق محمد عبد السلام على القرار قائلاً إن السلطة لا تريد وجود أي رأي مخالف داخل الجامعات، وأضاف أن الدكتورة باكينام الشرقاوي لا تنتمي للإخوان، وعملها كمستشارة سياسية للرئيس المعزول محمد مرسي كان عملاً تكنوقراطياً.

واقعة أخرى يرويها أستاذ بكلية الآداب جامعة القاهرة فضّل عدم الكشف عن اسمه هي إلغاء الأمن سفر أكاديميين من قسم اللغات الشرقية إلى إيران وتركيا ضمن برامج المنح العلمية، علماً أن مَن يسافر من الأساتذة يتعرض للاستجواب الأمني.

وذكر المصدر واقعة طلب الكلية من المدرس المساعد خلود صابر، العضو في حركة 9 مارس لاستقلال الجامعات، إنهاء سفرها في منحة لنيل الدكتوراه من بلجيكا، لعدم موافقة الأمن بوزارة التعليم العالي.

وفي نفس الكلية، يذكر أستاذ آخر، فضّل أيضاً عدم الكشف عن اسمه، أن الأمن ألغى ورشة أعدّها للطلاب، كما ألغى قراراً بتعيينه في أحد المناصب. وأضاف أنه حاول تنظيم رحلات ميدانية تخص المادة التي يدرّسها، إلا أن إدارة الكلية أبلغته بمنع الأمن تنظيم أي نشاط دون موافقة مسبقة، وعلل ذلك الترصد بموقفه من تيران وصنافير، وتأييده ثورة 25 يناير.

معاناة الاطلاع على الوثائق

يقول الباحث محمد عبد السلام إن مؤسسات الدولة ترى أن الوثائق والمعلومات مسألة أمن قومي يجب عدم الكشف عنها للباحثين المصريين أو الأجانب إلا بحدود ضيقة، مضيفاً أن الاطلاع على الوثائق يتطلب موافقات أمنية متعددة، ولا تصدر إلا بعد مدة طويلة إن لم يكن مصيرها الرفض.

وفي مقالة له، تحدث أستاذ التاريخ خالد فهمي عن أزمة إتاحة الوثائق في مصر للبحث العلمي، مبيناً عدم وجود قانون ينظم تداول المعلومات (المعاصرة أو التاريخية) كحق أصيل للمواطن، موضحاً أن كتابة تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي لم تتم بناء على وثائق، لأن جميعها محجوبة عن الباحثين.

ويذكر عبد السلام واقعتين لمنع الاطلاع على الوثائق: الأولى هي منع الناشط السياسي خالد علي الذي رفع قضية إبطال اتفاقية ترسيم الحدود المصرية السعودية، من الاطلاع على الخرائط في دار الوثائق، رغم صدور حكم قضائي بتمكينه بذلك؛ والثانية هي منع الروائي محمد ربيع مؤلف رواية "عطارد" من الاطلاع على خرائط لبعض أحياء القاهرة، كان يحتاجها في كتابة إحدى رواياته، بحجة أنه ليس باحثاً أكاديمياً.

الباحثون الأجانب... مصدر قلق للأمن

يعاني الباحثون الأجانب الذين يأتون إلى مصر لدراسة قضاياها، أو الاطلاع على أرشيفها من صعوبات عديدة نابعة من نظرة الأمن المتشككة حيالهم. 

ويذكر الأكاديمي المصري عاطف العطار المقيم في ألمانيا لرصيف22 أنه تعرّض للاحتجاز في مطار القاهرة لمدة 24 ساعة في يناير 2016، ليُرحّل بعدها إلى ألمانيا، ويصدر قرار بمنعه من دخول البلاد نهائياً. وكان العطار قد شارك في برامج بحثية مع كلية الآداب بجامعة القاهرة عام 2012.

ويفسر ذلك بأنه نتيجة لموقفه المساند لثورة 25 يناير، وتنظيمه فعاليات في برلين تدين انتهاكات حقوق الإنسان وتساند قضايا المعتقلين في مصر. ويرى أن ما أغضب أجهزة الأمن المصرية جداً هو اللقاء الذي أجرته معه قناة دويتشه فيله عن هذه القضايا أثناء زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لبرلين.

ويقول محمد عبد السلام إن هناك حالة من التضييق على الباحثين الأجانب، تشمل مراقبتهم، ومنعهم من الاطلاع على الوثائق، وتحديد تحركاتهم، ما أدى إلى إلغاء العديد من برامج البحث الأجنبية المشتركة مع جامعات مصرية.

ونشرت مؤسسة حرية الفكر والتعبير تقريراً بعنوان "ممنوع الدخول: عن منع الباحثين والأكاديميين الأجانب من زيارة مصر" رصدت فيه العديد من حالات المنع، من بينها حالة آمال قرامي، وهي أكاديمية بجامعة منوبة التونسية مُنعت من دخول مصر في 2015، رغم أنها جاءت تلبية لدعوة من مكتبة الإسكندرية، للمشاركة في مؤتمر حول التطرف والإرهاب. وقد حاول أحد المسؤولين بمكتبة الأسكندرية إقناع السلطات بالسماح لها بالدخول، إلا أنه لم ينجح، وكان سبب المنع أنها "خطر على الأمن القومي".

وعام 2014، مُنعت الأمريكية ميشيل دن، وهي باحثة بمركز كارنيغي للسلام الدولي، من دخول مصر، وكانت زيارتها بناء على دعوة من المجلس المصري للشؤون الخارجية لحضور مؤتمر عن علاقة مصر بالعالم في ضوء التطورات السياسية التي يشهدها العالم العربي.

وروى عبد السلام لرصيف22 واقعة إلقاء القبض على الباحثة الفرنسية فاني أوييه في 2015، أثناء لقائها أعضاء من حركة 6 إبريل بمدينة دمياط، ضمن رسالتها للماجستير عن "تحليل أنماط النشاط السياسي للشباب في مصر بعد أحداث 30 يونيو 2013"، ليتم ترحيلها بعد عدة ساعات.

وبجانب ذلك، يوجد سوء استغلال للسلطة الأكاديمية إذ يتحكم الأساتذة الأعلى وظيفياً في ترقيات هيئة التدريس، بما ينعكس سلبياً على الإنتاج العلمي في الجامعات المصرية، إذ إن مخالفة فكر الأستاذ ليست مأمونة العواقب.

حامد فتحي

​حامد فتحي، صحفي مصري، مقيم في القاهرة، حاصل على بكالوريوس في الإعلام جامعة القاهرة، وطالب دراسات عليا فلسفة جامعة القاهرة، مهتم بالأدب نقدا وكتابة، ليبرالي

كلمات مفتاحية
مصر

التعليقات

المقال التالي