ديني أم سياسي؟ كيف نظر العرب إلى صراعهم مع إسرائيل؟

ديني أم سياسي؟ كيف نظر العرب إلى صراعهم مع إسرائيل؟

في صباح 14 مايو 1948، عُقد اجتماع لـ"المجلس القومي" لوضع الصيغة النهائية لإعلان "دولة إسرائيل". ودارت مناقشة حامية حول الصيغة النهائية للإعلان بين فئة أرادت أن تكون هناك إشارة إلى الرب في الإعلان، وفئة أخرى "من الجناح اليساري في حزب العمال" رفضت التوقيع على وثيقة تشير إلى الرب.

هذه المناقشة التي سجلتها غولدا مائير في مذكراتها "اعترافات غولدا مائير" أوضحت صورة للصراع الذي لم يغب عنه العامل الديني منذ اللحظة الأولى.

بعد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وغضب الشارع العربي، يعاد طرح تلك الإشكالية: هل الصراع بين فلسطين وإسرائيل ديني أم سياسي؟

كما يُطرح سؤالان آخران: هل يدافع العرب عن القدس وفلسطين لأنهما محتلتان أم لأن مَن يحتلهما يهود؟ وهل الصراع القائم هو بين المسلمين واليهود أم بين الفلسطينيين والعرب ومَن يحتلون أرضهم؟

عودة إلى بداية الصراع

كان العام 1917 تاريخاً مفصلياً في الصراع، مع صدور "وعد بلفور". وكما يوضح المؤرخ عاصم الدسوقي لرصيف22، فإن إسرائيل كانت أول مَن رفع الشعار الديني في الصراع من خلال مزاعم حقها التاريخي في فلسطين وقولها إنها أرض الميعاد وفقاً لعقديتها، موضحاً أن "أية دولة تريد احتلال دولة أخرى لا بد لها من سبب، لكن الأمر مختلف مع الإسرائيليين، فهم يبحثون عن دولة لهم وبالتالي لجأوا إلى نصوص دينية تعطيهم الحق في احتلال فلسطين".

ويبيّن الدكتور سامي الصلاحات في كتابه "فلسطين... دراسات من منظور مقاصد الشريعة الإسلامية" النصوص الدينية التي تأسست عليها فكرة إسرائيل. يقول إن الدولة الصهيونية استندت في إنشائها إلى عدة أقاويل، منها سفر التكوين في "العهد القديم"، وتحديداً مقولة: "قال الرب لأبرام بعد اعتزال لوط عنه، ارفع عينيك وانظر من الموضع الذي انت فيه يميناً ويساراً وجنوباً وشرقاً وغرباً لأن جميع الأرض التي ترى لك وأعطيها لنسلك إلى الأبد"، وكان لبيت المقدس نصيبه فهو بالنسبة للإسرائيليين مقر هيكل سليمان.

تلك السردية أعلنها بشكل جلي أول رئيس وزراء إسرائيلي ديفيد بن غوريون عام 1948 في الأمم المتحدة، حين قال كما يوضح الصلاحات: "قد لا تكون فلسطين لنا بالحق السياسي أو القانوني ولكنها حق لنا على أساس ديني، فهي الأرض التي وعدنا الله بها وأعطانا إياها من الفرات إلى النيل".

من الناحية العربية، يرى المؤرخ صلاح عيسى أن الصراع وُلد دينياً منذ اللحظة الأولى، فبمجرد الحديث عن إقامة وطن يهودي في فلسطين كانت الاستغاثات لجميع المسلمين لإنقاذ القدس، وكان أول جيش مسلح بقيادة مفتي القدس أمين الحسيني اسمه "الجهاد المقدس"، وهو لفظ ديني.

ويضيف عيسى لرصيف22 أن أسباب دينية الصراع بالنسبة للمسلمين تعود إلى بعض الأحاديث النبوية، ومن أشهرها: "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود، حتى يقول الحجر وراءه اليهودي: "تقاتلكم اليهود فتسلطون عليهم ثم يقول الحجر يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله"، ما جعل المسلمين يعتبرون أن إنشاء دولة إسرائيل بداية معركة آخر الزمان.

من النكبة إلى النكسة

عام 1948، طغى الخطاب الديني على الصراع، ويعود ذلك، كما يوضح نائب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين كمال حبيب، إلى إطلاق مرشد الجماعة الأول حسن البنا النفير العام من أجل التطوع ومحاربة اليهود.

ويضيف حبيب لرصيف22 أن نتيجة ذلك النفير كان تطوّع الآلاف، و"حقق الإخوان في مصر وسوريا والأردن أدواراً بطولية"، مشيراً إلى أن الصراع من وجهة نظر الإخوان كان دينياً، وكانت الدعوة تنبع من المساجد واستخدمت الأحاديث الدينية التي تحث على الجهاد.

ويسرد عضو مكتب الإرشاد للإخوان المسلمين محمد عبد الرحمن المرسي على موقعه الرسمي بعض رسائل حسن البنا لحث المتطوعين على الجهاد، ومنها: "ليست قضية فلسطين قضية قطر شرقي، ولا قضية الأمة العربية وحدها، ولكن قضية الإسلام وأهل الإسلام جميعاً". وفي خطاب آخر قال: "ليست دولتهم الخيالية التي يعبّرون عنها بجملتهم المأثورة من الفرات إلى النيل في عرفهم إلا نقطة ارتكاز تنقضُّ منها اليهودية العالمية على الأمة العربية دولة فدولة ثم على المجموعة الإسلامية أمة بعد أمة".

أقوال جاهزة

شارك غردكان عام 1979 عاماً مفصلياً في اعتبار الصراع مع إسرائيل دينياً. ففي ذاك العام انتصرت الثورة الإيرانية وظهر "المجاهدون الأفغان"

شارك غردالعرب رأوا تاريخياً أن صراعهم مع إسرائيل ديني. وبين عامي 1952 و1967 تراجعت هذه النظرة لمصلحة رؤية قومية للصراع

بعد عام 1952، خفت الخطاب الديني بسبب عوامل كثيرة. يقول الكاتب عبد الله السناوي إن حقبة الخمسينيات والسيتينيات من القرن الماضي حتى عام 1967، شهدت طرح مشروع بديل حقق نجاحاً رآه كل عربي مثل ردع العدوان الثلاثي في مصر، وتأميم قناة السويس، وإقامة نهضة حقيقية، وشعر المسلمون أن هناك طريقاً يمكن أن يأتي بثماره، فالصراع العربي الإسرائيلي من وجهة نظر جمال عبد الناصر كان مؤامرة لتفتيت العالم العربي.

وقد ساعد في ذلك قادة بعض الدول العربية في ذلك الوقت بدايةً من أحمد بن بلا وهواري بومدين في الجزائر، والنظام البعثي في سوريا، وأول رئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية ومؤسسها أحمد الشقيري ذي الخلفية القومية، وهؤلاء قادة أداروا الصراع سياسياً وعسكرياً واعتبروا القومية العربية هي الحل، يكمل السناوي.

عكست خطب عبد الناصر هذا التوجه الجديد. ففي إحداها يقول: "القومية العربية هي الدرع وطريق التحرر للوطن العربي، فإسرائيل مؤامرة ضد وحدة العرب وقوميتهم". ويشير السناوي إلى أن تأسيس حركة فتح بمبادئ علمانية كانت نتاج ذلك الجهد.

مفصل النكسة

بعد هزيمة يونيو 1967، يوضح رئيس قسم التاريخ بجامعة القاهرة محمد عفيفي أن التيار الناصري خفت بريقه وعاد تيار الإخوان للظهور، مضيفاً أن وجهة النظر الإسلامية التي ترى أنه يمكن لجيش قليل العدة والعتاد هزيمة أعتى الجيوش شرط الإخلاص للدين رأت هزيمة يونيو كنتيجة للبعد عن الدين. وكان الإمام محمد متولي الشعراوي تجسيداً لذلك حين أوضح أنه سجد شكراً لله بعد الهزيمة تعبيراً عن فرحه بعدم الارتماء في أحضان الشيوعية.

لم يكن الأمر مقتصراً فقط على العرب، فالإسرائيليون أيضاً اتجهوا إلى الدين بعد انتصارهم واعتبروا أن احتلال القدس نصر لهم. وتصف غولدا مائير المشهد في مذكراتها بقولها: "وما إن انتهت الحرب حتى انتقل آلاف الإسرائيليين إلى الأراضي الجديدة التي وقعت تحت أيدينا وكانت القدس بالطبع هي المقصد الأول لجميع اليهود الذين وقفوا أمام حائط المبكى يبللونه بدموعهم".

1979... تاريخ جديد

يعتبر القيادي السابق في الجماعة الإسلامية، في سبعينيات القرن الماضي، ناجح إبراهيم، أن عام 1979 كان عاماً فاصلاً بسبب واقعتين أولاهما انتصار الثورة الإيرانية بقيادة روح الله الخميني الذي اعتبر قضية فلسطين دينية مطلقاً مقولات شهيرة منها: "شبر من التراب الفلسطيني هو شبر من دار المسلمين"، أما الثانية فكانت بدء حرب "المجاهدين الأفغان" ضد الاتحاد السوفياتي في أفغانستان.

المجاهدين الأفغان عام 1988

ويذكر إبراهيم لرصيف22 أن وقت انتصار الثورة الإيرانية كانت إيران دولة قوية عسكرياً وأمنياً، كما أن البعض رأوا أن محاربة الاتحاد السوفياتي من قبل "مجاهدين" لا يملكون من السلاح الكثير بمثابة تهلكة، ويوضح أن تحقيق الطرفين نجاحات دفع المسلمين إلى رؤية ذلك كقوة نابعة من الدين.

ويشرح أنه بعد حرب أكتوبر، أُطلق سراح سجناء جماعة الإخوان بعد سنوات في المعتقلات، وانبثقت عن الجماعة جماعات أكثر تشدداً تبنت نظرية العدو القريب والعدو البعيد، والمقصود أن هناك عدوين للأمة الإسلامية: القريب هو الحاكم الذي يهادن إسرائيل والبعيد هو أمريكا. واعتبروا أنه لكي يتم تحرير القدس يجب التخلص من العدو القريب.

وعام 1981، تم تطبيق تلك النظرية باغتيال الرئيس المصري الأسبق أنور السادات. ويقول إبراهيم: "صحيح أن الجماعات الإسلامية أعلنت كفر السادات لأسباب كثيرة، منها عدم حكمه بالقوانين الشرعية، لكن اتفاقية كامب ديفيد كانت العلامة الفاصلة في تاريخه، وكان الاعتراض عليها لأنها ضياع لدولة إسلامية".

ورغم أن التيار اليساري كان نشطاً في تلك الفترة، فإن إبراهيم يرى أنه لم يكن له صوت مسموع بسبب تضييق الخناق عليه، بالإضافة إلى أن السادات استطاع توحيد جميع الخصوم ضده.

تأسيس حماس

في عام 1987، تأسست حركة المقاومة الإسلامية "حماس" وحسمت أمرها منذ البداية. فبحسب كتاب مهيب النواتي "حماس من الداخل"، ينص ميثاق الحركة على أنه "لا يمكننا أن نستبدل إسلامية فلسطين الحالية والمستقبلية لنتبنى الفكرة العلمانية، فإسلامية فلسطين جزء من ديننا ومن فرّط في دينه خسر".

قادة إسرائيل استطاعوا توظيف الدين بشكل براغماتي في صراعهم منذ البداية، وليس هناك دليل أبرز على ذلك من كون أهم قادتهم لم يكونوا مؤمنين بالله كغولدا مائير وديفيد بن غوريون

ويقول الكاتب المتخصص في الشأن العربي فهمي هويدي لرصيف22 إنه مع تأسيس حماس، اختلف الوضع إذ استطاعت الحركة الجديدة أن تثبت نفسها كحركة مقاومة مسلحة إسلامية، ثم نشأ تحالف بين إيران وسوريا وحماس، جسّدته إقامة الرئيس السابق للمكتب السياسي لحماس خالد مشعل طوال سنوات في دمشق، لافتاً إلى أن هذا التحالف رفع شعار "الدين كأساس لمحاربة إسرائيل".

ويضيف هويدي أن خطاب السلفية في العقود الثلاثة الأخيرة ساهم أيضاً في إضفاء الطابع الديني على الصراع، إذ إن الشيوخ استخدموا القضية الفلسطينية في الكثير من خطبهم وظهر ذلك في الشعارات التي رفعتها جماعات الإسلام السياسي ضد الانتهاكات الفلسطينية، ومنها: "خيبر خيبر يا يهود جيش محمد سوف يعود".

لكن الأمر اختلف بعد 2011، بحسب هويدي، فإدارة الصراع سياسياً عادت لأسباب أهمها ما يمكن تسميته بسقوط الأساطير. فجماعة الإخوان حين تولت الحكم في مصر تعاملت بمنطق سياسي مع القضية الفلسطينية تمثل في تأكيد الرئيس الأسبق محمد مرسي أن مصر تحترم الاتفاقات الدولية بما فيها كامب ديفيد، بالإضافة إلى أن الشعوب فوجئت بأن هناك جماعات كثيرة تحمل السلاح ولديها القدرة على تحمل القتال لسنوات طويلة، لكن ذلك ضد مواطنيهم، مثل حزب الله والجماعات الجهادية في سوريا.

مخاطر إدارة الصراع من منظور ديني؟

يقول الباحث في علم الاجتماع السياسي عمار علي حسن إن الدين محرك أساسي في حياة كل إنسان، ولكن المشكلة أنه لم يتم توظيف هذا الوازع بشكل مفيد، فجماعات الإسلام السياسي رفعت شعار الدين من أجل تحقيق مكاسب سياسية في فلسطين، وحين تولت السلطة، مثلما حدث مع الإخوان في مصر، "ظهر أن كل هذا شعارات".

من الناحية الأخرى، لم يكن الأمر أفضل، بحسب حسن، "فالقادة العرب استغلوا اللغة الدينية لتصدير صورة للغرب عن أنهم ممثلون للديمقراطية وما دون ذلك جماعات دينية تريد الحرب المقدسة".

وبرأيه "لو استغل القادة العرب غضب الشعب الديني في تحقيق مكاسب دولية لكان الأمر أفضل كثيراً".

واعتبر حسن أن "إدارة الصراع بعيداً عن الدين لن يكسبه الزخم المطلوب، فنتيجة ذلك كان انفصال تام بين الشعوب التي رأت أن ما يحدث هو تفريط في دولة إسلامية، ومعاهدات لم تعطِ للفلسطينيين أدنى الحقوق".

ويرى أن إدارة الصراع دينياً تعني الحديث عن القدس بدلاً من فلسطين، ويضيف أن قادة إسرائيل استطاعوا توظيف الدين جيداً بشكل براغماتي في صراعهم منذ البداية، وليس هناك دليل أبرز على ذلك من كون أهم قادتهم لم يكونوا مؤمنين بالله كغولدا مائير وديفيد بن غوريون.

عبدالرحمن عباس

صحفي وكاتب مصري

التعليقات

المقال التالي