"حصر" السلاح بيد الدولة العراقية... لُعبة أم حقيقة؟

"حصر" السلاح بيد الدولة العراقية... لُعبة أم حقيقة؟

كثيراً ما يدور الحديث في الإعلام العراقي عن ضرورة حصر السلاح بيد الدولة العراقية، لكن الواقع يقول عكس ذلك، فهُناك جماعات مُسلحة تابعة لأحزاب سياسية لديها آلاف القطع غير المرخصة، ويُعتبر السلاح نفوذها الأساسي داخل البلاد، فهل ستتخلى عن نفوذها؟

مع سيطرة تنظيم "داعش" على مدينة الموصل في العاشر من يونيو 2014، تفاقم عدد حمٓلة السلاح خارج إطار الدولة، لكن الحكومة العراقية حينها لم تتطرق للأمر، فهؤلاء يُقاتلون مع قواتها لتحرير المُدن، لكنها التفت إليهم بعد أيام على إعلان النصر النهائي على "داعش".

المرجعية تسبق الحكومة

يبدو أن رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي أراد أن يحرج الفصائل المُسلحة بانتظار دعوة مرجعية النجف لتسليم السلاح، قبل أن يدعو أو يأمر بذلك، فهو يعرف جيداً أن تأثير المرجعية أقوى وأكبر، ويُمكنه أن يُنهي شرعية المُخالفين لأوامرها.

فبعد ساعات على مبادرة مرجعية علي السيستاني في النجف، بضروة حصر السلاح بيد الدولة، سارع رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي للإشادة بموقف المرجعية، وأكد أن الحكومة "بدأت بتطبيق خطة حصر السلاح بيد الدولة".

لكن قبل دعوة المرجعية وموقف العبادي، بادرت ثلاث فصائل شيعية مُسلحة إلى التخلي عن السلاح وتسلميه إلى الدولة، وهو ما قد يُقوي من حظوظ حيدر العبادي في الانتخابات المقبلة برغم أن فصيلين من الثلاثة لديهما تحالف مع خصمه وسلفه نوري المالكي.

يقول سعد الحديثي المُتحدث بإسم رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي لرصيف22: "خطة حصر السلاح بيد الدولة ليست جديدة، وليس لديها أي ارتباط بالانتخابات، بل هي جزء من مشروع حكومي".

الفصائل التي أعلنت تسليم السلاح إلى الدولة

مُنظمة بدر التي تأسست قبل 35 عاماً كانت أولى الفصائل المُسلحة التي بادرت لـ"حصر" السلاح بيد الدولة بعد أن وجه أمينها العام هادي العامري جميع الألوية المُسلحة التابعة لها، بقطع علاقتها الحزبية مع المنظمة والبقاء تحت مظلة الحشد الشعبي.

علماً أن منظمة بدر التي لم تتخلّ عن سلاحها منذ أن تأسست عام 1982، وتُشارك في العملية السياسية منذ عام 2003، لم يُتوقع أن تكون أولى المُبادرات بهذه الخطوة، خاصة أنها ترتبط بعلاقة وطيدة مع إيران المُتهمة بتمويل الجماعات الشيعية المُسلحة في العراق.

أما الفصيل الآخر، فهو سرايا السلام التابع لزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر والذي كان يُعرف سابقاً بجيش المهدي منذ تأسيسه عام 2003، ودخل العملية السياسية عام 2010.

وقال الصدر في بيان في 11 ديسمبر الجاري، إن "ما دفعه إلى اتخاذ هذا القرار هو انتفاء الحاجة لهذا الفصيل المسلح بسبب انتهاء المعارك ضد تنظيم داعش في العراق، بإعلان رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي الانتصار النهائي على التنظيم".

وكانت حركة عصائب أهل الحق التابعة لقيس الخزعلي، والتي شاركت منذ عام 2014 بالعملية السياسية، قد أعلن أمينها العام، عن دعمها لـ"حصر" السلاح بيد القوات الأمنية.

أقوال جاهزة

شارك غردهل هناك إرادة جدية لحصر سلاح الجماعات المُسلحة بيد الدولة العراقية؟

شارك غردحصر السلاح بيد الدولة العراقية شُبه مستحيل، فليس جميع أفراد الفصائل المسلحة منضويين تحت لواء الحشد الشعبي، ولا جميعهم يرتبطون بمرجعية النجف التي يُمثلها علي السيستاني، فبعضهم يرتبط عقائدياً بالمرشد الإيراني علي الخامنائي

هل هناك إرادة جدية لحصر السلاح بيد الدولة؟

واحدةٌ من الروايات التي تتداول هذه الأيام في الوسطين السياسي والإعلامي، تُشير إلى إحتمال وجود اتفاق بين رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي وتلك الفصائل بغية تقوية موقف الأول قبل الانتخابات وتعزيز المكاسب التي حققها في الانتصار على داعش.

لكن الباحث في الشأن العراقي يوسف إبراهيم يرى أن "هناك تسابقاً في خطوة إعلان دعم حصر السلاح بيد الدولة العراقية، ليظهروا بأنهم يتوافقون مع خطوات مرجعية علي السيستاني، لذا كانوا يتوقعون موقف المرجعية في خطبة الجمعة فسبقوها".

ويقول لرصيف22: "سرايا السلام وبدر وعصائب أهل الحق، أرادت إثبات ارتباطها بمرجعية السيستاني من خلال خطواتها التي أكدت حصر السلاح بيد الدولة، وأنها لم تخرج عن إجماع صاحب فتوى الجهاد الكفائي التي أسست الحشد الشعبي".

تبقى عملية "حصر" السلاح بيد الدولة بشكل كامل، شُبه مستحيلة، فليس جميع أفراد تلك الفصائل منضويين تحت لواء الحشد الشعبي، ولا جميعهم يرتبطون بمرجعية النجف التي يُمثلها علي السيستاني، فبعضهم يرتبط عقائدياً بالمرشد الإيراني علي الخامنائي.

ورغم أن حركة عصائب أهل الحق تتبع نظام ولاية الفقيه، فإن المتحدث باسمها نعيم العبودي يؤكد أن "السلاح سيُحصر بيد الدولة العراقية، وأن الحركة جادة في ذلك".

ويقول العبودي لرصيف22: "سلاح الحشد الشعبي هو مؤسسة تابعة للدولة العراقية، والسلاح هو سلاح الدولة وموثق في سجلات الدولة، لذا فإن المرحلة المقبلة هي مرحلة استقرار، وستكون لبناء الدولة وليس للسلاح مكان فيها".

ولا تبدو هذه الدعوات جدية، خاصة أن قادة الفصائل كثيراً ما يتحدثون عن بقاء عملهم العسكري حتى "زوال التهديد"، وهذا يعني أن السلاح لن يُحصر بيد الدولة على المدى المتوسط، إذ أن تهديد تنظيم داعش سيبقى موجوداً على العراق خلال الفترات المقبلة.

مستشار المركز العراقي للدراسات الإستراتيجية يحيى الكُبيسي، يقول إن "الدستور العراقي نص في مادته التاسعة على حظر إنشاء ميليشيات مسلحة خارج إطار القوات المسلحة، والحشد الشعبي هو قوة موازية للقوات الأمنية العراقية وشُكل بعيداً عن المؤسسة الأمنية العراقية".

ويُضيف لرصيف22: "لو أن تلك الفصائل التي أعلنت مبادرات حصر السلاح بيد الدولة تعمل تحت إطار الدولة العراقية، لما قامت هي بالإعلان عن ذلك، وإنما رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي".

هل الحكومة العراقية قادرة على حصر السلاح بيدها؟

وضعت الحكومة العراقية نفسها أمام اختبار حقيقي هذه المرة، فهي تُريد حصر السلاح بيدها من فصائل مُسلحة حملت السلاح ضد القوات الأميركية وتنظيم داعش، وصار السلاح واحداً من أركان قوتها في الشارع العراقي أو العملية السياسية، لكنها هل تكون قادرة على ذلك؟

حتى الآن أعلنت ثلاث فصائل دعمها خطوات حصر السلاح، من ضمن أكثر من 57 فريقاً مُسلحاً، ورغم أن الفصائل التي أكدت موقفها من هذه الخطوة هي الأكبر من ناحية عدد المقاتلين، فإن هذا لا يعني أن عدد بقية الفصائل ليس كبيراً وإن لم يتفق فصيل واحد مع هذه الخطوات، فستحدث مُشكلة.

يقول سعد الحديثي المتحدث باسم رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي إن "الحكومة العراقية تعمل على حصر السلاح بيدها، وعلى الجميع التعاون معها في ذلك".

ويُضيف: "أي جهة تحمل السلاح خارج إطار منظومة الدولة ليس أمامها أي خيار سوى نزعه، لأن أسباب امتلاكها السلاح من دون أي مسوغ قانوني لم تعد موجودة"، في إشارة إلى مقاتلة تنظيم داعش.

وبحسب رئيس القيادة المركزية للقوات الأمريكية، الجنرال ستيفين فوتيل، فإن "أكثر من 100 ألف مسلح ينتمون لفصائل شيعية ينشطون في الأراضي العراقية"، وهذا ما يعدّه الجنرال الأميركي "قلقاً كبيراً".

مصطفى سعدون

صحافي عراقي معني بصحافة حقوق الانسان، ومؤسس ومدير المرصد العراقي لحقوق الانسان.

التعليقات

المقال التالي