خالفوا المذهب السائد أو امتنعوا عن تأييد الحاكم... فقهاء وفلاسفة سُجنوا بسبب آرائهم

خالفوا المذهب السائد أو امتنعوا عن تأييد الحاكم... فقهاء وفلاسفة سُجنوا بسبب آرائهم

لم يكتفِ الفقيه مالك بن أنس بالامتناع عن تأييد العباسيين ضد العلويين، فأصدر فتوى عرضته للسجن في عهد أبي جعفر المنصور عام 763.

وبحسب ما ذكره أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة الأزهر الدكتور عبد الفتاح رسلان لرصيف22، فإن الناس استفتوا مالكاً في الخروج مع محمد بن عبدالله بن الحسن ضد العباسيين وقالوا له: "إن في أعناقنا بيعة للمنصور"، فأجابهم: "إنما بايعتم مكرهين وليس على مكره يمين"، فأسرعوا إلى بن الحسن بدعوى أن بيعة المنصور أُخذت منهم كرهاً.

ولما علم والي المدينة المنورة جعفر بن سليمان بذلك، نهى مالكاً عن الكلام في هذا الحديث مرة أخرى، ثم دس له مَن يسأله عن نفس القضية، فأفصح عن نفس الرأي مجدداً، فغضب المنصور وحبسه وأمر بضربه بالسياط، ومُدَّت يده حتى انخلعت كتفه.

ولم يسلم أبو حنيفة النعمان أيضاً من قبضة المنصور. ذكر عبد العزيز البدري في كتابه "الإسلام بين العلماء والحكام" أن الفقيه كان غير راضٍ عن سياسة أبي جعفر لا سيما قسوته وشدته مع خصومه وخصوم آبائه العباسيين من العلويين، ومَن يُظهر التودد إليهم أو الترحم عليهم، كما كان كثير النقد لأحكام قضاته وتصرفات ولاته.

أراد المنصور أن يوقع بالفقيه، فعرض عليه رئاسة القضاء في الدولة وهو يعلم أنه سيرفض. وحين امتنع أبو حنيفة عن قبول المنصب، ودخل معه في نقاش حاد، سجنه المنصور وضربه 110 ضربات بالسوط، ثم أفرج عنه بعد تدخُّل بعض الخواص، فمُنع من الفتوى والجلوس مع الناس والخروج من المنزل إلى أن توفي سنة 767.

قضية خلق القرآن

اختبر كثير من الفقهاء والعلماء تجربة السجن عندما تبنّت السلطة الإسلامية في أواخر حكم عبد الله المأمون سنة 833 الفكرة القائلة بخلق القرآن، وهي فكرة قال بها المعتزلة، واستعملت السلطة قوة سلطانها في إنزال العقاب بالمعارضين والمخالفين لها، في ما عُرف بـ"المحن".

استمر تبني فكر المعتزلة، كما يذكر البدري، في عهدي حكم المعتصم بالله بن هارون الرشيد (794 – 842) والواثق بن محمد المعتصم بالله (812- 847)، ولم تتخلَّ عنه السلطة إلى أن تقلد المتوكل على الله بن المعتصم (822- 861) مقاليد الحكم.

وذكر رسلان أن أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح كانا أبرز مَن سُجن لإصرارهما على موقفهما في الامتناع عن القول بخلق القرآن، ما أدى إلى إرسالهما مكبلين من بغداد إلى طرطوس لمواجهة المأمون. وفي طريقهما إلى الخليفة، بلغهما نبأ وفاته، كما توفي بن نوح أيضاً قبل أن يصل إلى قصر الخلافة.

وصل ابن حنبل إلى طرطوس في عام 834، ومثل أمام الخليفة الجديد، المعتصم الذي امتحنه بالقرآن فلم يجب بخلقه، فأمر بجلده وسُجن مقيداً.

ولنفس السبب أرسل أبو مسهر الدمشقي (757 – 833) من دمشق إلى المأمون، فسأله عن القرآن، فقال: هو كلام الله، وأبى أن يقول مخلوق، فأرسله إلى بغداد فحُمل إلى السجن حتى مات به، حسبما ذكر رسلان.

كما أمر قاضي القضاة في عهد الخليفة الواثق أحمد بن أبي دؤاد (776- 854) والي مصر بامتحان الفقيه الشافعي أبو يعقوب يوسف بن يحيى البويطي في خلق القرآن، وحينما أبى الأخير أن يجيب بخلقه أرسل إلى بغداد على بغل مقيداً بالأصفاد، وسُجن ومات في سجنه عام 846، روى رسلان.

أقوال جاهزة

شارك غردفقهاء سُجنوا وعُذّبوا بسبب مخالفتهم للسلطان، على رأسهم مالك بن أنس وأبو حنيفة النعمان

شارك غرداختبر كثير من الفقهاء والعلماء تجربة السجن عندما تبنّت السلطة الإسلامية في أواخر حكم الخليفة المأمون فكرة خلق القرآن

الصفات والتجسيم

اختبر الحافظ عبد الغني المقدسي الحنبلي (1146 – 1203) محناً عدة، بينها السجن بسبب آرائه. روى الدكتور خالد كبير علال في كتابه "التعصب المذهبي في التراث الإسلامي" أنه ذات يوم قرأ الحافظ شيئاً من أحاديث الصفات بالجامع الأموي بدمشق، فتعصّب عليه جماعة من الأشاعرة واتهموه بالتجسيم (نسب صفات جسمانية لله)، وأفتوا بكفره وقتله، إلا أنه أخرج من دمشق طريداً.

المحنة الثانية كانت في أصفهان (إحدى مدن إيران)، عندما دخلها وردّ على العالم الأشعري الحافظ أبي نُعيم الأصفهاني في بعض ما كتبه خاصة كتاب "أسماء الصحابة" وانتقده في 290 موضعاً، فتعصب عليه رئيس البلد أبو بكر الخُجندي وكان أشعرياً متعصباً لأبي نُعيم وطلبه ليقتله، فاختفى الحافظ وأخرجه أصحابه من أصفهان خفية.

وفي الموصل، ألمّت به المحنة الثالثة. حل في المدينة وأخذ يدرّس كتاب "الضعفاء" للحافظ العُقيلي، فتعصّب عليه الحنفية لأن إمامهم أبا حنيفة مذكور في الكتاب من بين الضعفاء، وسجنوه وأرادوا قتله، ثم فحصوا الكتاب فلم يجدوا إمامهم مذكوراً فيه، لأن زميله كان قد أخفى القسم الذي فيه اسم أبي حنيفة، فأطلقوا سراحه لذلك، روى علال.

ابن تيمية وتلاميذه

وربما كانت التجربة الأسوأ من نصيب تقي الدين بن تيمية. ذكر علال أن الفقيه أظهر مذهب السلف في الصفات، وأفتى مجتهداً في مسائل فقهية كثيرة، وانتقد الصوفية القائلين بالاتحاد بالله، فتعصب عليه جماعة من الأشاعرة والفقهاء والصوفية، وأفتى بعضهم بضلاله وكفره، وأدخلوه السجن عدة مرات، آخرها سنة 1326، بسبب رأيه المخالف للأئمة الأربعة في مسألة الحلف بالطلاق، فبقي مسجوناً نحو عامين، حتى تُوفي داخله.

ويشرح أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة عين شمس الدكتور عبد الباقي السيد أن ابن تيمية كانت له آراء خاصة بعدم جواز زيارة قبر الرسول ومسألة ما إذا كان الطلاق القولي ثلاث مرات يقع مرة واحدة أم لا، فضلاً عن دعوته للخروج على الحاكم، فاعتبر الفقيه المالكي والصوفي ابن عطاء الله السكندري (1260 – 1309) هذه الآراء بعيدة عن جوهر الدين وطالب السلطان الناصر محمد بن قلاوون (1285 – 1341) بسجنه، وكذلك فعل تقي الدين السبكي الذي نظم كتاب "الدرة المضية في الرد على ابن تيمية".

وسار أحمد بن مري البعلي الحنبلي على منهج ابن تيمية. وذات يوم خطب في أحد مساجد القاهرة وتحدث في مسألة عدم جواز شد الرحال إلى قبر الرسول، وانتقد الصوفية، فتعصب عليه جماعة من الحاضرين وأرادوا قتله فهرب، فرفعوا أمره إلى القاضي المالكي تقي الدين الأخنائي سنة 1324، فضربه ضرباً مُبرحاً حتى أدماه، ثم شهّر به على حمار أركبه عليه معكوساً ونُودي عليه، فكادت العامة أن تقتله، ثم أُعيد إلى السجن، وبعد فترة شُفع به، فأُخرج وسافر إلى فلسطين ومعه أهله، روى علال.

وشملت قائمة التلاميذ أيضاً ابن قيم الجوزية، الذي انتصر لمذهب شيخه ابن تيمية، وسُجن معه، منفرداً، في المرة الأخيرة سنة 1325 بقلعة دمشق ولم يُفرج عنه إلا بعد موت شيخه، ذكر علال.

علم الكلام والفلسفة

وبسبب قضايا علم الكلام والفلسفة، سُجن علماء وفقهاء. روى عبد الرؤوف جبر القططي في دراسته "السجون في مصر وبلاد الشام في العصرين الأيوبي والمملوكي" أنه في سنة 1360 اُدعي على شمس الدين الباجريقي بأنه قال "ليس كل الحق مع أهل السنة بل بعض أقوال المعتزلة قد تكون حقاً" أو نحو ذلك، فعزره القاضي تاج الدين السبكي بكشف رأسه ونُودي عليه، ثم سُجن، ثم أطلق سراحه، وحُكم بإسلامه من جديد، ولما أطلق سراحه، عزّت عليه نفسه فاعتزل الناس حتى أواخر عمره وتوفى سنة 1364.

بلاد المغرب

لم ينجُ بعض علماء بلاد المغرب والأندلس من تجربة السجن بسبب الآرء الفقهية المخالفة. ذكر السيد أن عدداً من فقهاء المالكية سجنوا في عهد الدولة الموحدية لأنهم خالفوا المذهب الظاهري السائد وقتئذ.

ويروي أنه لما أمر السلطان الموحدي يوسف بن يعقوب بعدم قراءة كتب الفروع عامة والمالكية خاصة، استمر الفقيه المالكي محمد بن زرقون (1109- 1190) في تدريس الفقه المالكي متحدياً أمر السلطان، فسُجن وأحرقت كتبه.

وجاء سجن الفقيه الأندلسي لسان الدين ابن الخطيب (1313- 1374) محصلة لصراعات سياسية محلية ولخلافات حول أفكار الرجل التي لم تَرُق لبعض معاصريه. ذكر مصطفى نشاط في كتابه "السجن والسجناء. نماذج من تاريخ المغرب الوسيط" أن قاضيين هما أبي الحسن البناهي قاضي غرناطة وابن زمرك الغرناطي وجها تهماً لابن الخطيب وعملا على إذكائها لدى السلطان المريني أبو العباس بن أبي سالم (1355 – 1399).

وإذا كانت بعض هذه التهم تعلقت بتجاوزاته مثل الإكثار من شراء الدور والتلذذ المفرط بمفاتن الدنيا واستغلال منصبه للعبث بالبشر وهتك الأعراض وهروبه من بلاده الأندلس إلى المغرب، فإن منها أيضاً ما ارتبط بفكر الرجل الذي اتهم بالزندقة إذ زعم القاضيان وغيرهما أن ابن الخطيب، وهو شاعر وفقيه مالكي، يوظّف آيات قرآنية وأحاديث نبوية بطريقة غير صحيحة ولائقة تدخل في قالب الاستهزاء والازدراء.

واتهم ابن الخطيب أيضاً بإنكار نفع الرقية ووصف مستعمليها بالحمق، وجاءت هذه التهمة في فترة شهدت اجتياح الطاعون للبلاد، وثار على خلفيتها سجال فقهي، أسفر عن إدخال ابن الخطيب إلى السجن حيث قُتل فيه خنقاً ودفن بمقبرة في باب المحروق، وفي اليوم التالي أخرجت جثته وأضُرمت فيها النيران قبل أن يُعاد دفنه.

الصوفية والسلطة

دخل بعض حكام المغرب خاصةً في الدولة المرابطية في صدام عنيف مع الصوفية نتيجة تحركهم في المجتمع بموازاة السلطة السياسية وتجاوز خطوطها أحياناً. وبحسب نشاط، ظهرت معارضة الصوفية جلية عقب إحراق كتاب "الإحياء" لأبي حامد محمد الغزالي في عهد علي بن يوسف بن تاشفين، وتحديداً عام 1109 بعدما أنكر فقهاء بعضاً مما جاء فيه.

لذا وظفت السلطة آليات مختلفة في مواجهة الصوفية، فأغدقت الأموال على مَن يسهل استقطابه، وسجنت عدداً منهم خاصةً في عهد الأمير ابن تاشفين لأسباب متعددة، وإن كانت كلها تلتقي حول عدم انسجامهم مع سياسة هذا الأمير.

في هذا السياق، لم تكن أفكار المتصوف أحمد بن عطاء الله الصنهاجي المعروف بابن العريف منسجمة مع الخط المذهبي الذي سطره فقهاء الدولة المرابطية، إذ تشبع بآراء الغزالي، وكان ذلك كفيلاً بأن يشي قاضي المرية أبو بكر الغساني ابن الأسود به لدى الأمير الذي أمر بدوره بنقل المتصوف من المرية إلى مراكش مكبلاً، إلا أن بن تاشفين أحس بالندم تجاه تصرفه حيال الرجل فأمر بتسريحه عندما وصل سبتة.

غير أن ابن العريف لم يقم طويلاً بمراكش إذ توفى بها سنة 1142، وقيل إنه قتل بسم أرسله إليه ابن الأسود.

وذكر نشاط أن السجن كان مآل المتصوف أبو الحسن علي بن إسماعيل المعروف بابن حرزهم (توفي سنة 1164) والذي أودع بسجن فاس بعدما أصبح المتصوف مصدر إزعاج للسلطة بفعل تزايد إقبال الناس عليه. وقبل أن يحمل إلى سجن فاس أودع بسجن مراكش.

كلمات مفتاحية
مصر

التعليقات

المقال التالي