السيسي وبوتين... تشابك مصالح وتعاون اقتصادي وفضائي ونووي

السيسي وبوتين... تشابك مصالح وتعاون اقتصادي وفضائي ونووي

لم يكن المعطف الذي ارتداه وزير الدفاع المصري المشير عبد الفتاح السيسي في فبراير 2014، والمزيّن بعلامة "النجمة الروسية الحمراء"، مجرد هدية عادية من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى مسؤول مصري، بل كان إشارة إلى مستقبل سيكون محكوماً بالتحالف بين الرجلين.

بوتين الذي اكتفى بإرسال عمدة "سوتشي" لاستقبال الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، رافضاً دعم نظام حكمه الذي انهار في ما بعد، زار القاهرة الاثنين محملاً بطموحات واتفاقات استثمارية كبيرة للبلاد، تُوّجت بتوقيعه والسيسي عقود محطة الضبعة النووية، وبحث إنشاء منطقة صناعية روسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وكذلك إنشاء منطقة لوجستية للصادرات المصرية في روسيا، في مساعٍ لإعادة بناء علاقات إستراتيجية بين الحليفين السابقين.

قصة تحالف عمره 74 عاماً

عام 1943، افتتحت أول سفارة لمصر في موسكو، وسفارة للاتحاد السوفياتي في القاهرة وقنصلية عامة في الإسكندرية. ومنذ ذاك الحين، بدأت شراكة ممتدة بين الطرفين على جميع الأصعدة، أسفرت عن توقيع أول اتفاقية اقتصادية لمقايضة القطن المصري بحبوب وأخشاب سوفياتية.

ووصلت العلاقات الثنائية إلى ذروتها في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، في عهد الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر، إذ ساعد الخبراء السوفيات في إنشاء المؤسسات الإنتاجية في مصر، مثل السد العالي في أسوان، ومصنع الحديد والصلب في حلوان، ومجمع الألومنيوم بنجع حمادي، ومد خطوط كهربائية بين أسوان والإسكندرية، فضلاً عن إنجاز 97 مشروعاً صناعياً، وتسليح الجيش المصري.

بعد 30 يونيو، بدا واضحاً توجه موسكو نحو استعادة شراكتها مع مصر التي كانت من طليعة الدول التي أقامت علاقات دبلوماسية مع روسيا الاتحادية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991.

وعززت الدولتان تقاربهما بزيارات متبادلة لرئيسيهما ولوزراء الدفاع والخارجية ومسؤولين بارزين، للتشاور حول القضايا ذات الاهتمام المشترك، وفق ما يؤكد رئيس المؤسسة المصرية الروسية للثقافة والعلوم، الدكتور حسين الشافعي.

ويرجع مساعد وزير الخارجية المصرية السابق، السفير ناجي الغطريفي، التعاون الواضح بين بوتين والسيسي إلى تشابك مصالح مصر وروسيا على الصعيدين الإفريقي والعربي، وبشأن عمليات السلام، خاصة أن مواقف الدولتين على صعيد قضايا سياسية كثيرة تكاد تكون متطابقة.

تعاون اقتصادي وفضائي ونووي... والسياحة تنتظر

بلغ حجم التبادل التجاري بين مصر وروسيا خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الحالي، نحو مليارين و526.8 مليون دولار مقابل مليارين و221.4 مليون دولار خلال الفترة نفسها من 2016، فيما حققت الصادرات المصرية أول نمو لها إلى السوق الروسية منذ 2014 بنسبة تخطت 27%.

ويوضح الشافعي لرصيف22 أن قرض إنشاء مفاعل الضبعة البالغة قيمته 25 مليار دولار هو الأكبر من نوعه في تاريخ روسيا، ومن المتوقع أن يدر على الخزينة المصرية ما يزيد عن 264 مليار دولار، وهو أكبر مشروع تعاون بين البلدين في القرن الواحد والعشرين، بعد التعاون على إنشاء السد العالي في القرن الماضي.

ويكشف رئيس المؤسسة المصرية الروسية عن أن حجم التبادل التجاري بين البلدين، بما فيه العسكري، زاد عن 15 مليار دولار، في السنة الأخيرة، فيما لم يتخط مليارين منذ خمس سنوات، كما تغمر الحمضيات والفواكه المصرية أسواق روسيا، وقريباً سيتم إنشاء مدينة صناعية روسية في منطقة قناة السويس، وخصصت لها موسكو سبعة مليارات دولار، لتكون أول منطقة صناعية روسية في الخارج.

أقوال جاهزة

شارك غردبين الروس والمصريين: دعم الجيش الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر ونظام الرئيس السوري بشار الأسد

شارك غردروسيا استعدت حركات الإسلام السياسي، قبل الأنظمة العربية، وأصدرت محكمتها الدستورية العليا حكماً باعتبار الإخوان المسلمين جماعة إرهابية

يضاف ذلك إلى توقيع البلدين اتفاقية للشراكة في قمر صناعي يجري إطلاقه في نهاية العام المقبل من إحدى المحطات الفضائية الروسية، وهو مختص بالاستشعار عن بعد بدقة عالية تسمح بتقديم خدمات للأمن القومي وضبط الحدود، وتخطيط المدن وغيرها، و"مثل هذه الأقمار في العالم معدودة، أما في الشرق الأوسط، فلا يوجد لها مثيل سوى في إسرائيل"، بحسب الشافعي.

على الرغم من الانفراج الكبير في العلاقات بين البلدين، يؤكد عضو الغرفة التجارية والرئيس السابق لشعبة السياحة والطيران عماري عبد العظيم أن الطيران بين البلدين يقتصر في الفترة الحالية على الرحلات الرئيسية فقط، بعد حادث سقوط الطائرة الروسية. وبرأيه، فإن عودة السياحة الروسية بشكل كامل ستأخذ وقتاً أطول، خاصة أن الدولة تعاني من آثار المشاكل الاقتصادية وعمليات الإرهاب.

محمد شاكر وزير الكهرباء والطاقة المصري ورئيس «روساتوم» بعد توقيع اتفاق إنشاء محطة الضبعة النووية خلال زيارة الرئيس الروسى فلاديمير بوتين لمصر

ويلفت إلى أن الروس كانوا يمثلون 30 إلى 40% من السائحين في مصر، ما يشير إلى أهمية عودتهم لإنعاش القطاع السياحي. إلا أن السياحة بشكل عام تأثرت في الفترة الأخيرة بسبب العوامل السابقة، فبعدما وصل عدد السائحين في 2011 إلى 10 ملايين، تضاءل هذا العام إلى خمسة ملايين، فيما دفع عدم الاستقرار السياسي في المنطقة وافدين سابقين إلى مصر للجوء إلى أسواق سياحية أخرى، على غرار تركيا وإسرائيل.

تنويع التسليح، وموسكو هي الحل

يؤكد الشافعي أن سعي القوات المسلحة المصرية إلى معالجة القصور في التقنية العسكرية لديها، نتيجة زواجها الكاثوليكي بالولايات المتحدة خلال فترة حكم محمد حسني مبارك، وامتناع واشنطن عن إمداد البلاد بأسلحة حديثة، دفع السلطة الحالية للجوء إلى تنويع مصادر التسليح بالتواصل مع دول عدة.

وكانت نتيجة هذا التواصل أن أصبحت مصر الدولة الأولى على مستوى العالم في استيراد منظومات التسليح من روسيا في 2015/ 2016، بحجم مشتريات تجاوز 12 مليار دولار، فيما لم يتعد حجم استيراد فنزويلا الحليف الوثيق لموسكو مليارى دولار فقط.

رغبة مصر في تنويع مصادر السلاح كان سببها رغبة الإدارة السياسية في عدم وضع يديها بين أسنان أي حليف قد يمنع عنها الدعم بالمعدات وقطع الغيار، ما يؤثر على الجهوزية العسكرية للبلاد بحال وجود خلاف بين الطرفين، وفق ما يرى وكيل جهاز المخابرات العامة السابق اللواء نبيل ثروت.

ويقول ثروت: "القاهرة طلبت من موسكو أسلحة نوعية مختلفة لدعم قواتها البحرية والجوية والمدفعية وتقوية الأفرع الرئيسية، هذا فضلاً عن التعاون المعلوماتي الكبير بين البلدين في مجال مكافحة الإرهاب"، وهو ما قال البعض إنه أفضى إلى مد الدولة بمعلومات هامة عن عملية الواحات الأخيرة، أسفرت عن تحرير النقيب محمد الحايس، وضبط عدد من المتهمين.

ويرى أستاذ العلوم السياسية حسن نافعة أن التعاون العسكري الضخم بين البلدين قد يقود موسكو إلى إمداد القاهرة بمنظومة صواريخ S400 المضادة للطائرات والصواريخ البالستية والبحرية، في ظل كشف الحكومة الروسية عن مسودة اتفاق تسمح للطائرات العسكرية للدولتين بتبادل استخدام المجالات والقواعد الجوية.

الإرهاب والصراع العربي... خلاف الحلفاء

عادت روسيا مبكراً حركات الإسلام السياسي، وذلك قبل أن تعاديها الأنظمة العربية ذاتها، فأصدرت محكمتها الدستورية العليا حكماً باعتبار الإخوان المسلمين جماعة إرهابية في عام 2003، في وقت كان هذا التنظيم يحظى بدعم الولايات المحتحدة ودول عربية وإقليمية، حسب ما يؤكد الشافعي.

ويلفت اللواء نبيل ثروت إلى وجود تعاون كبير بين البلدين في تبادل المعلومات بشأن خطط الجماعات المسلحة وحجمها وأماكن وجودها لاستهدافها في مصر ومناطق عدة.

ويكمل وكيل المخابرات السابق: "هذا التعاون يظهر جلياً في إعلان الدولتين دعم الجيش الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر ونظام الرئيس السوري بشار الأسد، تسليحياً وسياسياً".

لم يكن المعطف الذي ارتداه السيسي في فبراير 2014، والمزيّن بعلامة "النجمة الروسية الحمراء"، مجرد هدية عادية من بوتين إلى مسؤول مصري، بل كان إشارة إلى مستقبل سيكون محكوماً بالتحالف بين الرجلين

وبرأيه، فإن دعم حفتر مردّه السعي لحماية الأمن القومي المصري، "خاصة أن ليبيا تشكل حدودنا الغربية"، فيما تتفق القاهرة وموسكو على دعم الأسد، "حرصاً على عدم وقوع دمشق في أيدي الجماعات المسلحة وتفتيت المنطقة إلى دويلات تتنازع فيما بينها".

ووطدت العلاقة بين البلدين أيضاً المواقف المشتركة تجاه القضية الفلسطينينة، في الوقت الذي أثار قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، توتراً عربياً وعالمياً".

وتواجه مصر إشكالية كبيرة في تضارب مصالح حلفائها الإستراتيجيين، روسيا وأمريكا والسعودية، في التعامل مع ملفات الصراع بالمنطقة، لكن ثروت لا يتخوف من ذلك، ويؤكد أن الإدارة الحالية لا تتبنى سياسة "مَن ليس صديقي عدوي"، وتبدي حرصها على وجود علاقة طيبة مع جميع الدول.

ورغم التحالف الروسي، لا يتفق ناجي الغطريفي مع القول إن مصر ليست مستفيدة من علاقتها مع الولايات المتحدة، فـ"واشنطن هي الوجهة الأولى للدولة حتى الآن في مجال التسليح العسكري".

وعربياً، يوضح حسن نافعة أن السياسة المصرية تجاه اليمن وسوريا وبلدان أخرى ليست كما تتمنى السعودية، عدا أن سياسة المملكة تجاه دول مثل إثيوبيا، أو ليبيا تتعارض مع مصالح القاهرة، وكل منهما ترسم سياستها حسب رؤيتها الخاصة.

لكن الشافعي يؤكد أن العلاقة التاريخية بين القاهرة والرياض، لم تمنع مصر من اتخاذ قرارات داعمة لروسيا وغير متوافقة مع سياسة المملكة في مجلس الأمن، فيما لم يكن الدعم الاقتصادي الذي تقدمه المملكة مبرراً لخضوع مصر لإملاءات خارجية.

كلمات مفتاحية
السيسي روسيا مصر

التعليقات

المقال التالي