الحرس الجمهوري اليمني... أضعفته السعودية والآن تتمنى نهوضه بقيادة أحمد صالح

الحرس الجمهوري اليمني... أضعفته السعودية والآن تتمنى نهوضه بقيادة أحمد صالح

لم يكن يتصوّر كثيرون أن يُهزم علي عبد الله صالح ولديه أكثر من 20 ألف جندي من تشكيلات الحرس الجمهوري، تلك القوة التي احتمى بها الرئيس السابق طويلاً، وهدد بها أعداءه كثيراً، وتمسّك بها حتى آخر رمق من حياته.

قُتل صالح بعد يومين من إعلانه فك ارتباطه بالحوثيين، واستطاع الحوثيون الوصول إلى منزله ومربّعه السكني الذي كان من الصعب الوصول إليه.

طرح ما جرى تساؤلاً حول القوة التي كان يحتمي بها. هل كانت القوة التي لم تستجب للرئيس عبد ربّه منصور هادي حينما حاول الاستعانة بها في مواجهة الحوثيين تدين له بالولاء؟

الحرس العائلي

لطالما أطلق خصوم صالح على قوات الحرس الجمهوري والقوات الخاصة تسمية الحرس العائلي وتحديداً، مع بدء الاحتجاجات الشعبية التي انطلقت في مطلع العام 2011.

في ذلك الوقت، طالب شباب الثورة السلمية في اليمن قيادات وعناصر الحرس الجمهوري بالانضمام إلى الثورة والانحياز إلى إرادة الشعب.

ولكن لم تنجح هذه الدعوات برغم انضمام العديد من الوحدات العسكرية إلى الثورة. فقد كانت وحدات النخبة في الجيش اليمني تدين بكامل الولاء لقائدها العميد الركن أحمد علي عبد الله صالح، نجل الرئيس الأكبر.

YEMEN-POLITICS-UNREST-SALEH علي عبد الله صالح برفقة نجله

التأسيس وإعادة الهيكلة

تأسست قوات الحرس الجمهوري عقب ثورة 26 سبتمبر 1962، وتحديداً بعد دخول القوات المصرية إلى اليمن للدفاع عن الثورة. استلهمت الوحدات الجديدة أبرز معالمها من التجربة المصرية، وشاركت في الدفاع عن الثورة وساهمت في فك حصار السبعين يوماً عن صنعاء، بعد انسحاب الجيش المصري عام 1967.

وبعد استقرار الدولة، بدأ هذا الحرس يتطور ولكن ببطء. وبعد أن تولى صالح الرئاسة عام 1978 اهتم كثيراً ببناء القوات المسلحة بشكل عام، وتحديداً بقوات الحرس الجمهوري.

وحتى عام 2000، كان الأخ غير الشقيق لصالح، علي صالح الأحمر، يقود هذه القوات، قبل أن يتسلم أحمد علي رسمياً قيادة الحرس الجمهوري والقوات الخاصة.

بدأ أحمد بتطوير هذه القوات من حيث التدريب والتسليح. كانت تحصل على أحدث الأسلحة وأقوى التدريبات. واستقدم مدربين من العراق ومصر والهند وأرسل مجموعات إلى الولايات المتحدة للتدرّب على المهام الخاصة، لينشئ في ما بعد القوات الخاصة.

YEMEN-ARMY-GRADUATION

وفي مطلع عام 2012، بدأ الرئيس هادي بتفكيك هذه القوات تحت مسمى إعادة الهيكلة. كانت تتكون من أكثر من 22 لواء عسكرياً موزعة على جميع مناطق الجمهورية وبشكل خاص حول صنعاء. أقال هادي أحمد من قيادتها وعيّنه سفيراً لليمن في الإمارات، وشكّل قوات الحماية الرئاسية من هذه قوات ووزّع ما تبقى منها على المناطق العسكرية.

لم تمرّ هذه القرارات بسلام، فقد تمردت عليها مجموعة من أقارب صالح، وفي مقدمتهم طارق محمد صالح، ابن شقيق علي عبد الله، الذي قُتل في الاشتباكات الأخيرة.

رفض طارق تسليم القائد الجديد اللواء الثالث المدرّع الذي يُعتبر من أقوى ألوية الحرس، إلا أن تدخل المبعوث الدولي وقتها جمال بن عمر وتهديده بالعقوبات الدولية جعله ينفّذ الأمر.

الحرس والحوثيون

مع بداية تقدم الحوثيين نحو مدينة عمران 40 كيلومتراً شمال العاصمة، واقتحامهم اللواء 310 مدرع وقتل قائده حميد القشيبي، أحد الخارجين على صالح عام 2011، بدأت الأصوات تتعالى بأن من اقتحم هذا اللواء هم جنود اللواء 63 بتوجيهات من صالح ونجله، إذ لم يكن بقدرة الحوثيين الوصول إلى عمران واقتحام أكبر ألوية الجيش اليمني وقتل قائده بهذه السهولة.

لم يتوقف الحوثيون هنا. مع مطلع سبتمبر 2014 دخلوا صنعاء بسرعة ولم يتعرضوا لأية مضايقات من قوات الحرس التي كانت تطوّق العاصمة. ومع اقترابهم من دار رئاسة الجمهورية، وفقاً للعديد من المصادر، أعطى الرئيس هادي توجيهات لقوات الاحتياط (هي نفسها قوات الحرس) بأن يواجهوا الحوثيين، إلا أن قائدها علي الجائفي رفض أن تتحرك من مكانها.

أقوال جاهزة

شارك غرداتبع الحوثيون طريقتين للسيطرة على معسكرات الحرس الجمهوري: إرسال مرشدين ثقافيين إليها لاستمالة عناصرها، وتسريح كثيرين من الموالين لصالح ونجله

شارك غردغارات التحالف بقيادة السعودية على معسكرات الحرس الجمهوري في اليمن وعلى مخازن أسلحته سمحت للحوثيين بالسيطرة عليها

في الحرب السادسة بين الجيش اليمني والحوثيين، عام 2009، اشتبكت قوات الحرس مع المقاتلين الحوثيين في منطقة بني حشيش، شمال العاصمة، وحرف سفيان بمحافظة عمران وتمكّنت وقتها قوات الحرس من إلحاق هزيمة قاسية بهم.

وفي مطلع عام 2015، حاول الحوثيون، بعد استيلائهم على وزارة الدفاع، السيطرة على معسكر القوات الخاصة غرب العاصمة واشتبكوا مع عناصره بعنف دون أن يتمكّنوا من دخوله وخسروا الكثير من مقاتليهم وأُسر أكثر من 75 منهم، فتدخلت وساطة سمحت للحوثيين باستلام بوابة المعسكر وتحرير أسراهم. بعد هذه الحادثة ظهر قائد الجماعة عبد الملك الحوثي في خطاب متلفز اعتذر فيه لحزب المؤتمر الشعبي العام ورئيسه وقال إن هذه الحادثة غير مقصودة.

كان هذه الحادثة البداية الحقيقية لبدء الحوثيين إستراتيجية جديدة في التعامل مع قوات الحرس الجمهوري واستمالتها لتكون داعمة لهم.

يقول العميد الركن المتقاعد من الجيش اليمني عام 2005 عبد الرحمن صالح إن قوات الحرس الجمهوري كانت تدين بالولاء المطلق لأحمد علي صالح، وإن أحمد كانت له شعبية عارمة بين وحداتها وكان قريباً من عناصرها.

ولذلك بدأ الحوثيون بالسيطرة على المعسكرات بدون قتال وبأوامر من وزارة الدفاع وهيئة الأركان التي سيطروا عليها من خلال خطوتين مهمتين: الأولى هي إرسال مرشدين ثقافيين إلى تلك المعسكرات للتأثير ثقافياً من خلال محاضرات مكثفة على عناصرها؛ والثانية هي تجنيد العديد من أتباع هذه القوات وتسريح عدد كبير ممن كان ولاؤهم لصالح ونجله.

ويتحدث العميد عبد الرحمن عن أنه من هنا بدأ صالح في فقدان سيطرته المطلقة على قوات الحرس الجمهوري.

عاصفة الحزم

مع بداية عاصفة الحزم، استهدفت طائرات التحالف الذي تقوده السعودية معسكرات الحرس الجمهوري في صنعاء والحديدة ودمّرت مخازن السلاح الضخمة ومخازن الصواريخ التي كان صالح ممسكاً بها كورقة رابحة في أيّة حرب داخلية يخوضها.

ويؤكد المحلل السياسي إياد زكريا أن قصف التحالف المركّز على ألوية الحرس الجمهوري أضعف صالح وسهّل للحوثيين الدخول إلى أهم معسكر له، وهو معسكر اللواء 83 مدفعية في جبل نقم والسيطرة على مخازن سلاح ونقلها إلى أماكن أخرى.

وسيطر الحوثيون على النقاط العسكرية بجانب المعسكر بدلاً من قوات صالح، وتكرر هذا السيناريو في معسكرات كثيرة أبرزها معسكر 48، مقر قيادة الحرس الجمهوري.

لم يكن بوسع صالح، المستهدف الأول من السعودية والذي اعتبروه خائناً، الاستمرار في السيطرة على قوات الحرس، وفقاً لزكريا، فقد تمكن الحوثيون من التغلغل في جميع مفاصلها ومعرفة أسرارها وعيّنوا فيها قيادات تدين بالولاء المطلق لهم.

وفي الثامن من أكتوبر عام 2016، قُتلت مجموعة كبيرة من قيادات الحرس في قصف الصالة الكبرى بصنعاء، وفي مقدمتهم قائد القوات اللواء الجائفي. فقد صالح بهذا القصف مفاتيح قوته المطلقة على جزء من الجيش والحرس الجمهوري تحديداً.

صالح والحوثيون... المواجهة المباشرة

بدأت المواجهة المباشرة بين الحوثيين وصالح مع مطلع عام 2017، عندما أنشأ نجل شقيقه، العميد طارق، معسكراً أطلق عليه اسم معسكر الشهيد حسن الملصي، تكريماً لأحد ضباط الحرس الخاص الذين قُتلوا في مواجهات حدودية بين الحوثيين والسعودية.

وبدأ طارق بتجميع جنود الحرس الذين سرّحهم الحوثيون أو سرّحتهم سابقاً عملية إعادة الهيكلة في منطقة قريبة من سنحان، مسقط رأس صالح، وتم تدريبهم على سلاح القناصة بشكل مكثف.

راح الحوثيون يهاجمون صالح إعلامياً واتهموه بأنه يسعى إلى شق الصف وهدم الشراكة معهم، وهو ما نفاه مراراً. وطالبوا كثيراً بإغلاق هذا المعسكر إلا أن صالح ونجل أخيه رفضا ذلك معللين رفضهما بأن منتسبي المعسكر يذهبون إلى جبهات الحدود وليست لهم علاقة بالخلاف السياسي بين الطرفين.

لم يقتنع الحوثيون. وفي آخر فصول الصراع على النفوذ بين الطرفين، هاجموا جامع الصالح في 29 نوفمبر بحجة تأمين فعالية لهم في ميدان السبعين المجاور له، في ذكرى المولد النبوي. كان الجامع منذ إنشائه محمياً بقوات من الحرس وأخذت هذه القوات تتضاءل تدريجياً حتى تمكن الحوثيون من السيطرة عليه دون مقاومة كبيرة.

صار أحمد علي عبد الله صالح الرجل المنتظر منه الحلول محلّ أبيه ليس على رئاسة الحزب فقط بل كذلك على جمع شتات قوات الحرس الجمهوري

في الأول من ديسمبر، بدأت حدة الاشتباكات تتصاعد إلا أنها كانت محدودة في مربع سكني واحد وهو المربع السكني الذي يقيم فيه صالح ونجل شقيقه طارق، ما طرح تساؤلاً: أين اختفى الحرس الجمهوري؟

يروي م. ص. س، أحد عناصر الحرس الجمهوري سابقاً وكان يقاتل في جبهات القتال في تعز ونهم، أن الحوثيين لم يكونوا يثقون كثيراً بجنود الحرس ولم يكونوا يهتمون بهم كما كانوا يهتمون بأفراد جماعتهم. وبسبب امتعاضهم من الحوثيين، ذهبوا إلى "الزعيم"، كما يصف صالح، وحدثوه، فردّ عليهم بأنه لم يحن الوقت لقتال الحوثيين وبأن الأخيرين سيُهزمون في أول مواجهة مباشرة بين الطرفين.

إلا أن الكثيرين منهم لم يعودوا يعوّلون كثيراً على مواقف صالح الذي نجح الحوثيون في استفزازه أكثر من مرة دون أن يرد عليهم. وقال م . ص . س إنه حتى بعد مقتل العقيد خالد الرضي المقرّب من صالح على أيدي الحوثيين لم يحرك صالح ساكناً وهو ما دعاه إلى فقدان الثقة بأنه ينوي التحرك في لحظة ما، ما دفعه وبعض زملائه للعودة إلى منازلهم.

وقُتل صالح

في الرابع من ديسمبر قُتل صالح على أيدي الحوثيين بعد اقتحامهم منزله وقتلوا معه مجموعة من القيادات السياسية لحزب المؤتمر الشعبي العام بينهم طارق. لم يتصور أحد أن يُهزم صالح بهذه السهولة، هو الذي كان يصف نفسه بأنه يرقص على رؤوس الثعابين.

يقول زكريا إن ضعف الحرس الجمهوري جعل صالح يراهن بشكل كبير في الفترة الأخيرة من حياته على قبائل الطوق التي خانته وقدمته لقمة سائغة للحوثيين.

بعد مقتل صالح، نكّل الحوثيون بعناصر الحرس الجمهوري. ووفقاً لأكثر من مصدر، احتجزوا المئات من جنوده وضباطه في السجن المركزي وصفّوا كثيرين، وهو ما أكده م . ص . س الذي قال إن مجموعة من زملائه اختفوا بعد الرابع من ديسمبر ولم يُعرف مصيرهم إلى الآن ولم يتواصلوا مع أسرهم ما يرجّح اعتقالهم أو تصفيتهم.

أحمد علي وإنقاذ الحرس

عقب مقتل والده، عاد العميد الركن أحمد علي عبد الله صالح (45 عاماً) إلى الواجهة، بعد أن كان آخر ظهور له قبل عام ونصف العام، عندما زارته مجموعة من قيادات المؤتمر في أبوظبي. تردد اسمه كثيراً في الأيام القليلة الماضية على أنه مَن سيجمع المتبقين من قيادات المؤتمر الشعبي العام وقوات الحرس الجمهوري.

"إنّا على الدرب ماضون حاملين نفس رايته التي استشهد... من أجلها، وأدعو الجميع للتكاتف والتآزر للتصدي لهذه المخاطر وإبعادها عن وطننا بيد واحدة"، ختم أحمد بيانه بمناسبة مقتل والده.

وتدفقت التعازي على أحمد ولعلّ أبرزها زيارة ولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد إلى مقر إقامته في أبوظبي وكذلك تعازي الرئيس هادي ونائبه علي محسن الأحمر ورئيس الوزراء اليمني أحمد بن دغر.

صار أحمد الرجل المنتظر منه الحلول محلّ أبيه ليس على رئاسة الحزب فقط بل كذلك على جمع شتات قوات الحرس الجمهوري، الجالسة في منزلها والتي لا تزال تقاتل في بعض الجبهات إلى جانب الحوثي.

يرى الكثيرون أن أحمد علي لا يزال يحتفظ بشعبيته الكبيرة وخصوصاً أنه لا يزال غامضاً للكثيرين، فهو لا يظهر في الإعلام إلا في حالات نادرة ولم تُسلّط عليه الأضواء كثيراً، ما جعل منه رجلاً متواضعاً في نظر الكثيرين وشخصاً مقبولاً حتى لدى بعض خصومه.

ويرى كثيرون أن أحمد علي يجب أن يعمل في إطار شرعية الرئيس هادي الذي يترأس المؤتمر الشعبي العام في الرياض، لكي يكون محل ثقة التحالف العربي ولكي يتلقى دعماً.

ولكن، لن تكون عودته سهلة. تحديات كثيرة ستواجهه لعلّ أبرزها العقوبات والمنع من السفر التي فرضها مجلس الأمن عليه عام 2014، كما أنه يحتاج إلى عصا سحرية تساعده في إعادة لملمة قوات الحرس الجمهوري.

كلمات مفتاحية
اليمن

التعليقات

المقال التالي