هل أصبح "الغضب العربي" غير مجدٍ؟

هل أصبح "الغضب العربي" غير مجدٍ؟

لماذا لا يبدو الغاضبون لأجل فلسطين غاضبين بحق؟ ولماذا لم يستفق هؤلاء قبل خروج الرئيس الأمريكي ليعلن قراره بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس على الملأ؟

يدرك الجميع أن القرار لم يأت من عدم، فهو امتداد لقانون نقل السفارة الذي أقرّه الكونغرس منذ العام 1995، ولم ينفك ترامب يلوّح باستخدامه منذ وصوله إلى سدة الرئاسة. لماذا انتظر الغضب إذاً وقوع الواقعة، ولم يستبقها بتحركات شعبية مندّدة؟

تعيدنا هذه التساؤلات، التي تكررت في اليومين الماضيين، إلى مآلات الغضب العربي، فتستوقفنا أشكاله المستجدة والأسباب التي جعلت "الغضب الساطع" أقرب إلى الفولكلور.

"جمعة الغضب" وسؤال الاستمرارية

بعد خروج ترامب مستعرضاً قراره، معلناً القدس عاصمة لإسرائيل، اهتزت المدن والشوارع العربية بالتظاهرات والاحتجاجات تنديداً.

في "جمعة الغضب"، بدا الغضب الرسمي أقل حدة من ذاك الشعبي. شملت التظاهرات أكثر من ثلاثين مدينة وقرية فلسطينية. من القدس إلى رام الله فالخليل ونابلس وغزة… تخللها مواجهات مع جيش الاحتلال.

وفي شوارع العراق وسوريا ولبنان والأردن والمغرب وتونس والجزائر واليمن ومصر... مروراً بتركيا وإيران وصولاً إلى الولايات المتحدة وألمانيا، عادت الكوفيّات إلى الساحات. وارتفعت الأعلام الفلسطينية رفضاً للتطاول الأمريكي/ الإسرائيلي على القدس.

بموازاة ذلك، غطى التنديد وسائل التواصل الاجتماعي، فنشر مغردون وناشطون وسوماً متعددة أكدت التمسك بالقدس عاصمة لفلسطين، مطالبة الحكومات العربية بمواقف جادة لإبطال القرار المرتقب لترامب.

حسناً، لقد بدا المشهد الجماهيري العربي غاضباً، فما أسباب الانطباع السائد أنها فورة غضب عابرة وسيعود الجميع إلى ما كان عليه، طبعاً مع استثناء الداخل الفلسطيني لاختلاف محددات الصراع وظروف الاحتلال؟

قانون القدس... و"ترند" الغضب

بدا قرار ترامب استكمالاً لواقع سابق أصبحت ملامحه أكثر وضوحاً منذ إعلان "قانون القدس".

القانون، الذي حمل عنوان "قانون أساس: أورشليم القدس عاصمة إسرائيل"، سنّه الكنيست الإسرائيلي في العام 1980، فجعل بموجبه الإعلانات الحكومية الإسرائيلية عن مكانة القدس كعاصمة إسرائيل مبدأ دستورياً.

رفض مجلس الأمن القرار الإسرائيلي، فانتقلت على إثره السفارات الموجودة في القدس إلى تل أبيب احتجاجاً على القانون.

لكن منذ احتلت إسرائيل مدينة القدس في العام 1967، تعمل جاهدة للسيطرة عليها وتغيير معالمها بهدف تهويدها وإنهاء الوجود العربي فيها، وقد استخدمت لأجل ذلك الكثير من الوسائل والإجراءات ضد المدينة وسكانها.

أقوال جاهزة

شارك غردالغضب العربي لم يعد ساطعاً وتحول إلى "ترند" تزول بسرعة... لماذا؟

شارك غردقضية القدس دفعت بعض المحللين للتعويل على الغضب الشعبي واستشراف انتفاضة قادمة... بدا المشهد الجماهيري العربي غاضباً منذ إعلان ترامب، ولكن ما أسباب الانطباع السائد أنها فورة غضب عابرة وسيعود الجميع إلى ما كان عليه؟

بعد انتفاضة الأقصى في العام 2000، ازداد التوسع الاستيطاني في القدس بهدف تطويقها وعزل سكانها لإجبارهم على ترك المدينة.

ومن وسائل التوسع كان قانون أملاك الغائبين الذي يهدف للاستيلاء على أملاك الفلسطينيين "الغائبين"، أي الذين هجّروا من بلادهم في نكبة 1948. كما صودرت أملاك الفلسطينيين في القدس الغربية وفي بقية المدن والقرى التي هجر أهلها.

ثم اعتمدت إسرائيل إجراءات تعسفية، منها زيادة أعداد المستوطنين في القدس، وتهجير السكان العرب، واختلاق الحجج الواهية لطرد حوالي 18 ألف عربي، وهدم الأحياء العربية من المدينة مثل حي المغاربة، وعزل القدس العربية عن غيرها من باقي مناطق الضفة الغربية.

منذ العام 2000 وحتى 2012 تم هدم نحو 1124 مبنى في القدس الشرقية، حسب مؤسسة المقدسي، أعقبها تشريد ما يقارب 5000 شخص.

وقد صاحب ذلك بناء الجدار العازل والتوسع في البؤر الاستيطانية لخنق القدس والاستمرار في الحفريات في محيط المسجد الأقصى والتي تشكل تهديداً كبيراً عليه.

في المقابل، بقيت تحركات الشارع العربي أقل حدة في وجه الممارسات الإسرائيلية الممنهجة، من هنا بدا الاعتراض على قرار ترامب أشبه بـ"ترند" كان مثار انتقاد في العديد من المناسبات باعتباره فقاعة للتنفيس والاستعراض لا أكثر.

هل يعني ذلك تشكيكاً بنوايا المتضامنين مع فلسطين، أو بغضب أولئك الذين ملأوا الشوارع في الأيام الماضية؟ بطبيعة الحال لا، ولكن ثمة عوامل كثيرة تعمق الباحثون في درسها لفهم كيف أصبح الغضب العربي غير مجد.

الغضب لم يعد ساطعاً... لماذا؟

"اغضبوا"، كان عنوان منشور للكاتب الفرنسي ستيفان هيسل قبل سبعة أعوام.

"أتمنى عليكم جميعاً، وعلى كل واحد منكم، أن يملك سبباً للغضب. إنه أمر قيّم. عندما نغضب لسبب معيّن، كما جعلتني النازية أغضب، نصبح مقاومين أقوياء وملتزمين"، قال هيسل.

ولأن صرخته أتت عشية "الربيع العربي"، استعادت ألقها عند بدء أحداثه في تونس، فبدت رسالة معدة سلفاً للشباب العربي الذي أعاد للغضب وجهه الإيجابي، أو أقله قد بدا كذلك حينها قبل أن يغرق في الحروب.

مدفوعاً بالأمل، لمس الشباب العربي أقصى الحلم حين ثار على حكامه، لكنه وهو يرى الظروف التي دفعته للثورة تصبح أسوأ من ذي قبل، غرق في خيبة أمل مدوية.

الغضب المدفوع بالأمل هو الغضب الذي دعا إليه هيسل، لكن ما نراه اليوم هو غضب تحركه خيبة الأمل، وبالتالي فإن مفاعيله خطيرة، حسب تحقيق مطول أجرته مجلة "الإيكونوميست" استندت فيه إلى آراء شباب عرب ودراسات في المجال.

عوامل عدة يمكن سوقها هنا، أفرغت الغضب العربي من جدواه. من هذه العوامل البطالة التي كانت تتراوح في العام 2010 بين 10 و27%، وأصبحت تتراوح الآن ما بين 12 و30%.

يُضاف إليها الانفجار الديموغرافي حيث يُتوقع أن يرتفع العدد في العام 2025 إلى 58 مليون شاباً مقارنة بـ46 في العام 2010.

إضافة لذلك تأتي أسباب أخرى كتغيّر أشكال الهجرة، وانهيار القطاع الرسمي لا سيما بعد أزمة التسعينات المالية، وتأخر سن الزواج.

ثم يأتي ما يوصف باهتزاز الإسلام بين من يخاف المجاهرة به خوفاً من قمع الحكومات وبين من يجاهر به سعياً لأمان ذاتي في إطار الجماعة، وقد وصل لحدود التطرف الذي أمّن لصاحبه الجنس والزواج والمنزل وفرص العمل... و"الأدرينالين" الذي تفتقده الشوارع العربية.

أما مقاربة القضية الفلسطينية فقد خضعت للكثير من التحولات. غرق العالم العربي في حروبه، بينما فقدت القضية الفلسطينية - التي استخدمها الحكام العرب كشماعة - البريق على وقع ممارساتهم القمعية. فلم تعد أحقية فلسطين كافية لتبرير دكتاتوريتهم.

النقاش حول التطبيع بات أقل حدة، بينما تخرج أكثر فأكثر المخططات التي يقيمها الحكام العرب فوق الطاولة وتحتها ضد القضية الفلسطينية.

ولكن ما حصل في الأيام الماضية، دفع بعض المحللين للتعويل على الغضب الشعبي واستشراف انتفاضة قادمة.

قدم أرسطو قبل ألفي عام في كتابه الكلاسيكي "فن الخطابة" الوصفة الجيدة للغضب، ولا يظهر توفر شروطها في المشهد السائد.

كتب أرسطو قائلاً "يمكن لأي شخص أن يغضب، فهذا أمر يسير. ولكن توجيه الغضب إلى الشخص المناسب، وبالدرجة المناسبة، وفي الوقت المناسب، وللسبب المناسب، وبالطريقة المناسبة ليس بإمكان الجميع، فهذا ليس بالأمر اليسير".

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

التعليقات

المقال التالي