منهم جنود ومتمردون وسلاطين... تاريخ الرق في مصر بعد الفتح العربي

منهم جنود ومتمردون وسلاطين... تاريخ الرق في مصر بعد الفتح العربي

عرفت البشرية أشكال الرق منذ زمن بعيد، فعلى أكتاف العبيد شُيّدت أعظم الحضارات وبنيت أشهر آثارها، وهي حقيقة قاسية لا يمكن تجاهلها.

عرف العرب "الرق" قبل الإسلام، ولكن تجارة الرق تنامت بعده نتيجة لجلب الأسرى من الأقوام المهزومة في الحروب، وهنا نتابع تاريخه في مصر بالتحديد، في محاولة لمقاربة جانب من تاريخنا ليس من السهل التصالح معه.

دخل العرب مصر عام 21 للهجرة، بعد معارك متعددة وبعد إخماد ثورات قامت ضدهم. ورغم أن مصر فُتحت عنوة إلا أن عمرو بن العاص لم يسترقّ أحداً من أهلها. غير أن دخول العرب إلى مصر، استجلب معه ثقافة الاستخدام الواسع للعبيد. وهي ثقافة لم تكن تجهلها مصر القديمة. فكيف كانت العبودية بعد فتح مصر؟

INSIDE_EgyptSlaves2 سوق العبيد في القاهرة، للفنان المستشرق دايفيد روبرتس

الاسترقاق لمَن حارب العرب

فرّق العرب عند دخولهم مصر بين الجنود المحاربين من الرومان، وبين أهل مصر الأقباط الذين لم يحاربوهم. يقول ألفريد بتلر في كتاب "فتح العرب لمصر": "أخفق الإمبراطور هرقل في سعيه لتوحيد المذاهب المسيحية في مصر، ثم عسف في الحكم حتى صار اسمه مفزعاً للقبط، كريهاً عندهم. لمدة عشر سنين أمعن في اضطهاد مذهبهم".

والرواية الأكثر رواجاً مفادها أن بعض المصريين قد عاونوا العرب أملاً في التخلص من اضطهاد الروم، ولكن هناك سرديات أخرى تلقي الضوء على أحداث هذه الفترة بشكل أدق وأوسع. وبعد أربعة أعوام من ضمّ مصر، هاجم أسطول بيزنطي الإسكندرية، واستولى عليها، وفي الحرب التي دارت بينهم وبين العرب، هذه المرة، استرق عمرو بن العاص جزءاً من أسرى الروم.

ولم يحدث استرقاق للمصريين إلا في عهد الخليفة المأمون، حين سبى عدداً من الثوار البشموريين، وهو ما ذكره كتاب ثورات المصريين حتى عصر المقريزي، لعبد العزيز جمال الدين، كما كتب عنه ستانلي بول في كتاب "تاريخ مصر في العصور الوسطى"، حيث يقول: "أرسل جيشاً تحت قيادة ‘الأفشين’ (حيدر بن كاوس الأشروسني) إلى الحوف، حيث ذُبح الأقباط المتمردون بدم بارد، وأحرقت قراهم، وبيعت زوجاتهم ونساؤهم إماء".

إلا أن الاسترقاق لم يكن من العرب وحدهم. ففي عام 238 هجرية، هاجم الروم الساحل المصري، ودخلوا مدينة دمياط وأسروا منها 600 وأخذوهم إلى بلادهم كعبيد.

من أين أتى الرقيق؟

تمثلت مصادر العبيد في الأسرى، وتجارة الرقيق، ومعاهدة البقط. أصدرت الباحثة ل. أ. سيمينوفا كتابها "صلاح الدين والمماليك في مصر" (ترجمه إلى العربية حسن فيومي)، الذي يغطي تاريخ مصر بين عامي 1171م، أي مع بداية حكم صلاح الدين، إلى الغزو العثماني في 1517م. وفيه تقول: "كان وجود العبودية ملمحاً مميزاً في البنية الاجتماعية في مصر في العهدين الأيوبي والمملوكي، وكان المصدر الرئيسي لهؤلاء العبيد حتى نهاية القرن الثالث عشر هو الحروب الصليبية. كان العبيد يجلبون من سوريا، بمثابة غنائم مباشرة من المعارك الحربية، أو بالشراء من الأسواق".

INSIDE_EgyptSlaves3 سوق العبيد في القاهرة، 1830

واشتغلت قبائل العرب التي استقرت في إفريقيا بتجارة العبيد، ويقول يوسف فضل في كتابه "تاريخ إفريقيا العام": "زاد الطلب على العبيد السود، ولكن النوبة بسبب قلة سكانها لم تكن تستطيع أن تلبي حاجات العالم الإسلامي، واضطر التجار العرب إلى البحث عن مصادر أخرى في جنوب غرب النوبة وكردفان وبحر الغزال وشندي ودار برنو ودار سيلا". كما أن التجار المغاربة جلبوا العبيد من غرب إفريقيا إلى أسواق القاهرة.

جزية النوبة: 360 "عبداً" سنوياً لحكام مصر

ذكر ستانلي بول في كتاب "مصر في العصور الوسطى" (2014)، أن عبد الله بن أبي السرح، والي مصر من قبل عثمان بن عفان، سعى إلى فتح النوبة رغبة منه في تقليد الغزوات التي قام بها سلفه ومنافسه عمرو بن العاص. فغزا مملكة قره النوبية المسيحية عام 31 هجرية، وحاصر عاصمتها دنقلة وضربها بالمنجنيق وهدم كنيستها، وأجبر ملكها على طلب الصلح، وعقد معاهدة عرفت باسم "معاهدة البقط".

ويقول عنها: "قرر القائد العربي عقد صلح عرف باسم البقط، مؤداه أن يدفع ملك النوبة لبيت مال المسلمين 360 رأساً من الرقيق كل عام، ووعده عبد الله بن سعد بهدية سنوية من حبوب وملابس لمّا شكا له الملك النوبي قلة الطعام في بلده".

وعانى ملوك قرة في جمع العبيد كل عام، للوفاء بالمعاهدة التي استمرت لما يزيد عن ستة قرون، وكان من نتائجها استعباد عشرات آلاف الأشخاص، مع انقطاعات بسيطة، وتخفيف من حين لآخر من قبل الحكام المسلمين.

أقوال جاهزة

شارك غردكيف يمكن أن ننظر إلى تاريخ العبودية في ثقافتنا دون أن نخرجه من سياقه التاريخي، ولكن دون أن نتخلى عن مسؤوليتنا تجاهه؟

شارك غردكان الاسترقاق صيغة مقبولة في التاريخ الإسلامي في إطار الحروب والأسرى، وكذلك عن طريق الشراء وكشكل من أشكال الجزية

وظائف وأدوار العبيد في مصر

تنوّعت الوظائف التي شغلها العبيد في مصر ما بين الخدمة المنزلية، والزراعة، والجندية، والعمل في الإنشاءات، أو استخدامهم في الترفيه: راقصين، ومغنّين، ومحظيات، أو للتباهي والتفاخر بامتلاكهم كدليل على الثراء والجاه.

ولكن لا بد أن نذكر هنا، أن العلاقة بين الأسياد والعبيد في الدول الإسلامية لم تكن أحادية الشكل. فمثلاً، كان بعض الأرقاء البيض المجلوبين للخدمة في الجيوش يفتخرون بأوضاعهم، ويقول ستانلي بول: "كانت حالة العبودية تلك بعيدة كل البعد عن أن تسبب لهم وصمة عار".

وتقول سيمينوفا في مرجعها المذكور: "كان العبيد عادة يشتغلون كخدم في قصر السلطان، أو في قصور الأمراء، والتجار، وعند رؤساء القبائل، وكان العبيد المتقنون لفنون الغناء والرقص يثمنون بسعر خاص، ولم يكن عددهم بالقليل. يقول المقريزي إن عرس بنت السلطان الناصر محمد كانت تغني فيه عشرون فرقة تتكون من عبيد السلطان وعبيد الأمراء".

واستخدم حكام مصر الأسرى العبيد في الأعمال الشاقة. فقد استخدمهم صلاح الدين في بناء القلاع، وذكر المقريزي أن سلاطين وأمراء المماليك استخدموهم في الإقطاعيات الزراعية. واستخدم السلطان الناصر محمد الأسرى في إنشاء حظائر كبيرة للمواشي، وقلده في ذلك باقي الأمراء. وتذكر سيمينوفا عن ابن إياس أن وجهاء مصر استخدموا العبيد في مزارع قصب السكر.

وتقول رشا عدلي في كتاب "القاهرة: المدينة والذكريات" إن العبيد من النساء في مصر في القرن التاسع عشر كنّ يصنفن بلون بشرتهن: أبيض، وبني، وأسود. وكانت الأعمال التي تكلفن بها تعتمد على هذا التمميز، فكانت الفتيات الشركسيات والعجماوات يكلفن بالأعمال البسيطة كإعداد القهوة والشاي، في حين كانت تكلف الفتيات الحبشيات الإفريقيات بالأعمال الأكثر إجهاداً.

العبد الحبشي كافور حاكماً لمصر

بدأ تجنيد الأفارقة في الجيوش مع ابن طولون، وبلغ عددهم في جيشه "40 ألفاً". ويتساءل مصطفى سعد في كتابه "الإسلام والنوبة في العصور الوسطى" (1960)، "كيف حصل ابن طولون على هؤلاء النوبيين للعمل في جيشه؟" ويتبنى سعد رأي المقريزي، فيقول: "حصل عليهم عن طريق الشراء كما ذكر المقريزي"، ولكن السؤال وجوابه كذلك، دون شك، بحاجة إلى مزيد من التمحيص.

وفي كتابه "مقدمة فى تاريخ الممالك الاسلامية فى السودان"، يقول يوسف فضل حسن: "كان العبيد السود مطلوبين بشدة في عهد الطولونيين والإخشيديين والفاطميين في مصر لضمهم إلى صفوف الجيش".

وفي عهد الإخشيديين في القرن العاشر، تولى أحد العبيد الأفارقة السابقين حكم مصر، وهو أبو المسك كافور، مولى محمد بن طغج الإخشيد (مؤسس الدولة الإخشيدية في مصر)، وكان وصياً على أبناء مولاه الصغار، إلا أنه انفرد بالحكم دونهما.

واستعانت الدولة الفاطمية بالجنود البربر والسودان والترك لتثبيت حكمها، أما الترك والسودان فكانوا عبيداً يتم شراؤهم. كما تزوج الخليفة الظاهر بجارية سوداء تدعى رصد، أنجب معها ابناً هو الخليفة المستنصر بالله، الذي تولى الحكم صغيراً، وتسلطت والدته على الحكم، وقربت الجنود السودان على الترك، ما تسبب في فتن متتالية، حتى قضى صلاح الدين على طوائف الجند السودان.

الأرقاء البيض... من الجندية إلى ولاة مصر

بدأت عملية إحلال عناصر أجنبية محل العرب في الجندية مع الدولة العباسية، وكانت الغلبة للعنصر الفارسي أول الأمر، ثم انتقلت للعنصر التركي الذي فتن الخلفاء والأمراء. ويقول ستانلي بول في كتابه: "منذ ذلك الوقت الذي دخل فيه العرب في اتصال مع الأتراك عند ما وراء النهر وحموهم تحت لوائهم، ارتفع تقدير العبيد الأتراك إلى أقصى حد في بيوت المسلمين".

وتنامت عملية شراء الترك وتجنيدهم منذ عهد المأمون، وتولى العديد منهم حكم مصر كولاة للخليفة العباسي. وكان أحمد بن طولون ابناً لعبد تركى أُهدي للمأمون الذي أعتقه ورقّاه. ودرج الخلفاء والأمراء على جلب العبيد الأتراك، وتربيتهم وتدريبهم كحرس وجنود، وحظي أغلبهم بالعتق.

INSIDE_EgyptSlaves كارافان ينقل العبيد من أفريقي عبر الصحراء

شجرة الدر... من جارية إلى ملكة

مع انتهاء عصر الدولة الفاطمية، اتبع صلاح الدين الأيوبي وخلفاؤه نهج تكوين الفرق العسكرية من المماليك، ويقول ستانلي بول: "ساد عرف توظيف الضباط والفرسان الرقيق بشكل طبيعي ضمن السلالات الحاكمة التي ظهرت بنفس الطريقة. فقد أُحيط نور الدين وصلاح الدين بمجموعات مختارة من المماليك، واستمر نظام الحرس الخاص من المماليك البيض خلال حكم خلفائه، ووصل إلى أعلى درجات الفاعلية على يد الصالح أيوب، الذي أنشأ جيشاً صغيراً مدرباً من الرقيق الذين اشتراهم بماله الخاص، وكانت غالبيتهم من الترك".

وكانت شجرة الدر جارية تركية للملك الصالح، وأحبها فتزوجها، وبعد موته اختارها مماليكه لتكون حاكمة لمصر، ولكنها اضطرت للزواج من أتابك العسكر عز الدين أيبك، والتنازل له عن الحكم.

وبدأت دولة المماليك مع شجرة الدر لتنتهي بدخول العثمانيين إلى مصر عام 1517، وكانت فترة هامة وغنية في تاريخ مصر.

إلا أن استجلاب العبيد للجندية لم ينته إلا بالقضاء على المماليك في مذبحة القلعة عام 1815. وكان الانتساب لسلك الرق المملوكي فخراً بينهم، ويذكر ستانلي بول أن أمراء المماليك الأوائل عابوا على أمير يدعى قوصون أنه لم يدخل في الرق سلفاً، كما أن العلاقة بينهم وبين أسيادهم كانت أقرب لروابط العائلة.

ثورات العبيد الأفارقة ضد حكام مصر

شارك العبيد في العديد من الثورات في مصر، فقد ثار الجنود السودانيون في عهد الفاطميين والأيوبيين، وثاروا مرات عدة في عهد المماليك.

وتنقل سيمينوفا في مرجعها السابق عدداً من حوادث الثورة، منها أنه "في منتصف القرن الخامس عشر اشتعلت في إقليم الجيزة حيث مراعي السلطان ومزارع قصبه أوسع هبات العبيد السود انتشاراً. وفي ما يبدو كان المتمردون يهدفون إلى الاستيلاء على السلطة في كل من مصر وسوريا".

محمد علي يجلب العبيد وخلفاؤه يقضون على العبودية

عام 1820، أرسل محمد علي حملتين على السودان بهدف جمع العبيد لإنشاء جيشه الجديد. ويذكر خالد فهمي في كتابه "كل رجال الباشا: محمد علي وجيشه وبناء مصر الحديثة" أن الحملة أرسلت دفعة أولى من 1900 رجل وامرأة وطفل، فاختير منهم مَن يصلح للخدمة العسكرية، وبيع الباقون في أسواق العبيد، كما استخدم العبيد والإماء في المصانع، وبدأت مدرسة الولادة بطالبات من الجواري.

وبدأت مكافحة الرق في عهد سعيد باشا، الذي أمر بمنع جلب العبيد الأفارقة إلى مصر. وفي عهد الخديوي إسماعيل بُذلت جهود قانونية وعسكرية ومالية لمنع الرق من منشئه، وخلال عهد خليفته توفيق اكتمل القضاء على نظام الرق في مصر.

ويبقى لنا اليوم أن ندرس هذا التاريخ لنصيغ الأطر التي تمكننا من فهمه دون أن نعزله عن سياقاته التاريخية، ولكن في نفس الوقت، دون أن نكون حيادين أو أنْ نتخلى عن مسؤوليتنا تجاه هذا الجانب الصعب من تاريخنا.

حامد فتحي

​حامد فتحي، صحفي مصري، مقيم في القاهرة، حاصل على بكالوريوس في الإعلام جامعة القاهرة، وطالب دراسات عليا فلسفة جامعة القاهرة، مهتم بالأدب نقدا وكتابة، ليبرالي

كلمات مفتاحية
مصر

التعليقات

المقال التالي