المسجد في حياة المسلمين... تاريخ طويل من الاستخدام لأغراض سياسية

المسجد في حياة المسلمين... تاريخ طويل من الاستخدام لأغراض سياسية

حين شعر تنظيم داعش باقتراب هزيمته في الموصل في يونيو الماضي، فجّر مئذنة الحدباء في الجامع النوري، وأعلنت القوات العراقية أن زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي أقدم على ذلك حين اقتربت هذه القوات من طرد أعضاء التنظيم من الحي الذي يقع فيه المسجد.

هذا المسجد هو ذاته الذي اعتلاه البغدادي، في يونيو 2014، معلناً في تسجيل مصور قيام دولة الخلافة، ومطالباً المسلمين بمبايعته خليفة. قصة داعش بدأت وانتهت من المكان نفسه.

المسجد في فقه جماعات الإسلام السياسي والتيارات الجهادية ليس بيت عبادة فقط بل له استخدامات سياسية كثيرة، بداية من كونه مقراً للحكم وصولاً إلى احتمال تحوّله إلى مأوى لـ"المنافقين" ما يبرر، برأي البعض، هدمه وتفجيره.

وكل ذلك ليس بدعة ابتدعها داعش وإنما ممارسة لتقاليد سارت عليها الكثير من الجماعات الإسلامية على مرّ التاريخ.

المسجد كمقر للحكم

حكاية المسلمين مع المساجد بدأت مع الهجرة النبوية إلى المدينة المنورة عام 622 ميلادية، إذ كان بناء مسجد أول ما فعله النبي محمد، وهو المسجد الذي سيعرف لاحقاً بمسجد "قباء". وبجانب تأدية الصلاة فيه، كان المسجد مقراً للحكم ومدرسة وللتربية وللقضاء في المسائل الخلافية ومنبراً للدعوة للغزوات وتسيير الجيوش.

The-original-Quba-Mosque-built-by-Muhammad,-prior-to-its-demolition-in-the-20th-century

يقول النائب الأسبق لمرشد جماعة الإخوان كمال حبيب إن الغاية النبوية في تلك الفترة كانت ربط كل ما يحدث للمسلمين بدينهم، فالمكان الذي يصلّى فيه هو الذي يتلقى فيه المؤمنون التعليمات الدينية والدنيوية ويتم الحكم فيه.

ففي تلك الحقبة، يتابع حبيب، لم تكن هناك مقارّ معروفة للحكم سوى قصور بلاد الفرس والروم وهي مظاهر بذخ رفضها النبي الذي كان مؤمناً بشعار "انما أنا رجل منكم"، وبالتالي لم يكن يقبل بأن يكون هناك كرسي للحكم، وبالتالي، كان المسجد ضرورة وليس خياراً.

ويضيف حبيب لرصيف22: "لعل تلك القاعدة هي التي منعت خلفاء النبي (أبو بكر الصديق، عمر بن الخطاب، عثمان بن عفان وعلي أبي طالب) من اتخاذ أي مقر للحكم غير المسجد.

هذا الاستخدام السياسي للمسجد منذ البدايات الأولى دفع بعض فقهاء المسلمين إلى وضع اشتراطات لذلك البناء، كما أورد محمد راتب النابلسي في كتابه "فقه السيرة النبوية"، إذ أشار إلى ضرورة أن يكون المسجد في وسط المدينة لا على الأطراف حتى يكون جامعاً للكل وظاهراً للجميع.

من أول استخدامات المسجد بعد وفاة النبي محمد استخدامه مقراً لـ"محكمة علنية". يوضح مفتي الديار المصرية الأسبق علي جمعة لرصيف22 أنه حين بدأ عمر بن الخطاب في تعيين القضاة للفصل في الخلافات بين الناس، كان المسجد هو مكان المحكمة ومَن يصلون هم الشهود، وذلك من أجل إرساء مبدأ علنية المحاكمات. وسار الكثيرون بعد ذلك على نهج عمر.

"التاريخ الحقيقي" لاستخدام المسجد سياسياً

ويعتبر جمعة أن التاريخ الحقيقي لاستخدام المساجد لأغراض سياسية افتُتح مع بدء الدولة الأموية الذي أنشأها معاوية بن أبي سفيان عام 662 ميلادية، إذ إنه أول من اتخذ قصراً لممارسة وظيفته كخليفة للمسلمين وترك المساجد للتربية وتدريس علوم الدين.

لكن تلك المساجد التي ظلت لسنوات طويلة جامعات يخرج منها الفقهاء كانت أيضاً مقرّاً لاختمار الكثير من الثورات ضد الخلافة الأموية، مثل ثورة المختار الثقفي الذي حارب الدولة الأموية عام 682 وكان أحد مساجد الكوفة مقره الأساسي.

وتختلف علاقة السلطة السياسية بالمساجد بحسب نظرة الحكام إليها وإلى أهميتها. فالفاطميون الذين حكموا مصر بين عامي 971 و1171 كان شعارهم البناء، لذلك ليس غريباً أن تكون 70% من مباني القاهرة الإسلامية قد بُنيت في عهدهم، بما فيها مبنى الجامع الأزهر الذي افتتح عام 972 على يد نائب حاكم مصر الفاطمي جوهر الصقلي.

أقوال جاهزة

شارك غرداعتمد داعش في تفجيره للمساجد على واقعة "مسجد ضرار" وهي واقعة شهيرة في السيرة النبوية

شارك غردفي العصر الحديث، أعيد استخدام المساجد لأغراض سياسية مرة أخرى، وشاركت في ذلك قوى سياسية مدنية

هذه المعلومة التي يذكرها مستشار شيخ الأزهر محمد مهنا تشير إلى استخدام سياسي آخر للمساجد ظهر في عصر الدولة الفاطمية. فلم تكن المساجد تُقام من أجل عبادة الله أو تعليم العلوم الدينية فقط بل من أجل تأسيس شرعية للدولة الجديدة من خلال مبانيها.

ولعل اسم "الأزهر" نفسه أبلغ دليل. يقول مهنا لرصيف22 إن هناك الكثير من المساجد التي أقيمت في عهد المعز لدين الله الفاطمي في الدول التي فتحها الفاطميون وسُميت بـ"الزهرة"، فما كان من جوهر الصقلي حين أراد تسمية المسجد الجديد الكبير في القاهرة إلا أن اختار له اسم "الأزهر" كصيغة مبالغة تشير إلى أنه الأفضل، و"ذلك بالطبع كي يحظى بمكانة كبيرة عند الخليفة".

الاستخدام السياسي الحديث للمساجد

في العصر الحديث، أعيد استخدام المساجد للأغراض السياسية مرة أخرى على يد جماعة الإخوان المسلمين الذين بدأوا دعوتهم من المساجد، بحسب القيادي السابق في جماعة الجهاد الإسلامية ناجح إبراهيم، الذي يضيف أن منهج الإخوان استخدمته بعدهم جميع تيارات الإسلام السياسي سواء في مصر أو غيرها وإن بطرق مختلفة.

واستخدم الإخوان المسجد سياسياً في تجنيد الأعضاء. فمن خلال حلقات الدروس الدينية التي أقاموها في المساجد، كان يظهر الملتزمون والحريصون على الحضور وهؤلاء أول مَن تقع عليهم العيون للتجنيد، ثم أن طبيعة الأسئلة ومدى النقاش مع الأستاذ يحددان أيضاً ميول الأشخاص ومدى طاعتهم.

وفي سبعينيات القرن الماضي، سارت الجماعات الإسلامية مثل الجهاد الإسلامي على نهج اتخاذ المساجد مراكز للتجنيد و"محاكمة الأنظمة"، بحسب ما قاله إبراهيم لرصيف22.

كما أن الشيخ المصري الراحل عبد الحميد كشك حوّل منبره إلى قناة معارضة لسياسات الرئيس الراحل أنور السادات، وباتت تخرج منه الكثير من التظاهرات في ذلك الوقت، واعتاد أعضاء التيار الإسلامي وقتها حمل المصاحف وهم يخرجون من المسجد.

أهم مركز لممارسة العمل السياسي

يشير الخبير في الحركات الإسلامية أحمد بان لرصيف22 إلى أن عادة استخدام المساجد سياسياً انتقلت إلى الأفراد غير المنتمين إلى التيارات الإسلامية وبات المسجد أهم مركز لممارسة العمل السياسي، وظهر ذلك بوضوح في ثورات الربيع العربي عام 2011.

في مصر، لم يكن اختيار يوم الجمعة في 28 يناير لخروج تظاهرات كبيرة من قبيل الصدفة، فهو اليوم الذي يؤدي فيه ملايين المسلمين الصلاة في المساجد، ما يمكّن من تحريك عدد كبير منهم.

المسجد في فقه جماعات الإسلام السياسي والتيارات الجهادية ليس بيت عبادة فقط بل له استخدامات سياسية كثيرة

وتكرر خروج المصلين في المساجد إلى التظاهرات في سوريا التي انطلقت انتفاضتها في 15 مارس 2011. وكان الداعون إلى تلك التظاهرات حركات سياسية ونشطاء سياسيين غير منتمين إلى التيار الإسلامي، لكنهم "أدركوا أن تلك الطرق قادرة على تجميع الناس وبث روح البسالة فيهم وهم يخرجون من بيت الله، فللأمر بعد نفسي"، كما يوضح بان.

وحين أرادت جماعة الإخوان المسلمين الاعتصام بعد إقصائها عن الحكم، اختارت مسجد رابعة العدوية في مدينة نصر بالقاهرة، وهذا استخدام سياسي آخر للمساجد يوضحه القيادي السابق بالجماعة ثروت الخرباوي، مشيراً إلى أن اختيار المسجد يندرج تحت مفهوم "صناعة المظلومية التي يجيدها الإخوان جيداً".

ويقول الخرباوي لرصيف22 إن من بين الأفكار الأساسية في أدبيات الجماعة، اختيار المساجد للتظاهر حولها أو الاعتصام بداخلها، و"ذلك يُكسبهم الكثير، فمن ناحية لن تجرؤ قوات الشرطة على مطاردتهم داخل المسجد لما لذلك المكان من حرمة، فمَن بداخله آمن كما تشير القواعد الشرعية، أما إذا تجرأت قوات الشرطة على ذلك فهنا يمكن تسويق نظرية أن تلك القوات تدافع عن نظام لا يخشى بيت الله ومُحارب للإسلام، وبما أن أغلبية الشعب العربي مسلم فإن تلك الدعوة تلقى لديها صدى كبيراً تستفيد منه الجماعات كثيراً".

هدم المساجد

توقفت جماعة الإخوان عند ذلك الحد، لكن التنظيمات التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة تجاوزته كثيراً، فبيوت الله التي تم استخدامها سياسياً باتت مهددة على أيديهم بالهدم، وإن كان ذلك لأغراض سياسية، مثلما فعل تنظيم داعش في أكثر من مسجد بالعراق، وأخيراً في الهجوم على مصلين داخل مسجد الروضة في منطقة بئر العبد في شمال سيناء.

ويقول علي جمعة إن داعش يعتمد في تفجيره للمساجد على واقعة "مسجد ضرار"، وهي واقعة شهيرة في السيرة النبوية، مفادها أن النبي محمد حين دخل المدينة المنورة، أقدم عدد من المنافقين على بناء مسجد يلتقون فيه ليكيدوا المؤامرات ضده، فنزلت الآية {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ. لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُّحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} (التوبة: 107-108).

ويكمل جمعة أن النبي توقف عند الأمر بعدم الصلاة في هذا المسجد لكن حديثاً مذكوراً في سيرة ابن هشام عن عمار بن ياسر ومالك بن الدخشم يروي أن النبي قال لأصحابه بعد نزول تلك الآية: "انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه واحرقوه، ففعلوا"، وهو برأي جمعة حديث ضعيف ولا يمكن الاستناد عليه لأنه عكس طبيعة النبي الذي لم يقترب طوال حياته وفتوحاته من دور عبادة.

وأكد جمعة أن تفجير المساجد لا يتم لأغراض دينية بل لأغراض سياسية هدفها الأول بث الرعب في قلوب المؤمنين، خاصة أنه لا توجد أية دولة تستطيع حماية مصليها وبالتالي فإن استهدافهم يخدم مصالح الجماعات الإرهابية في القول إن الدولة التي يعيشون فيها لا تستطيع حمايتهم.

 

عبدالرحمن عباس

صحفي وكاتب مصري

كلمات مفتاحية
الإسلام المسجد

التعليقات

المقال التالي