لماذا تمنع السلطات المصرية الصحفيين من تغطية ما يحدث في شمال سيناء؟ 

لماذا تمنع السلطات المصرية الصحفيين من تغطية ما يحدث في شمال سيناء؟ 

أعاد حادث مسجد الروضة الإرهابي الذي وقع شمال سيناء، ظهر الجمعة، الجدل مجدداً حول أسباب منع السلطات المصرية وسائل الإعلام من تغطية ما يحدث في المنطقة التي تشهد معارك بشكل مستمر بين قوات من الجيش والشرطة وبين مسلحين إسلاميين.

تظهر شهادات حصل عليها رصيف22 لصحافيين مقيمين في شمال سيناء أن السلطات تضيّق عليهم للحؤول دون تغطية ما يحدث في المحافظة الساخنة.

كما أن المسلحين يتعاملون بعداء شديد معهم، مما يدل على أن الطرفين لا يريدان أن تصل الحقيقة للرأي العام.

بحسب بيان للنائب العام المصري، المستشار نبيل صادق، صدر ظهر السبت، فإن عدد منفذي الحادث الذي راح ضحيته 305 قتلى، بينهم 27 طفلاً، قرابة 30 مسلحاً كانوا يحملون أعلام تنظيم الدولة الإسلامية "داعش".

ويؤكد البيان أن المسلحين اتخذوا أبواب ونوافذ المسجد مواقع لهم، وقد أطلقوا منها النيران على المصلين، ثم فروا في 5 سيارات ذات دفع رباعي.

وروى شهود أن بعض الجناة كانوا ملثمين، وجميعهم يرتدون ملابس تشبه الملابس العسكرية.

وفي تطور لافت، أعلن أحد شيوخ قبيلة الترابين السيناوية الشهيرة وهو "موسى الدلح"، أن غالبية قبائل شمال سيناء قررت بدء التعاون مع قوات الجيش والشرطة بهدف التخلص من المسلحين.

وأكد الدلح لعدة وسائل إعلامية أن تعاون القبائل مع الجيش والشرطة سيكون بشكل أوسع من أجل ضرب الإرهابيين.

وتعد هذه من المرات القليلة التي تسمح فيها السلطات بعرض هذا النوع من التصريحات على وسائل الإعلام، خصوصاً الحكومية.

رحلة إلى شمال سيناء

في أبريل الماضي، نجح رصيف22 في السفر إلى محافظة شمال سيناء ومقابلة بعض الصحافيين ومسؤول حكومي لفهم حقيقة ما يحدث.

ورغم أن المسافة بين القاهرة وتلك المحافظة لا تزيد على نحو 4 ساعات بالسيارة، دامت رحلتنا إلى المحافظة التي تبعد عن العاصمة حوالي 381 كيلومتراً قرابة 7 ساعات بسبب كمائن نصبتها قوات من الجيش والشرطة.

أُوقفت سيارتنا المتوجهة إلى المحافظة أكثر من مرة، وطُرحت علينا أسئلة من رجال الأمن عن سبب السفر، كما طُلبت هوياتنا.

ليس من السهل الوصول لمصدر رسمي سواء من الجيش أو من الحكومة لتوضيح أسباب التضييق على وسائل الإعلام ومنعها من تغطية ما يحدث، والاكتفاء بوجهة النظر الرسمية التي غالباً ما ينشرها المتحدث العسكري على صفحته الرسمية على فيسبوك.

لكن رصيف22 استطاع التواصل مع مسؤول في المحافظة طلب عدم ذكر اسمه.

برأيه، لا يعرف الكثير من المصريين مدى الخطر الواقع في سيناء. والدافع وراء التضييق "المحدود" على الصحفيين هناك هو "حمايتهم وعدم تعريض حياتهم للخطر".

يقول لرصيف22: "أحترم حرية الصحافة، كما أحترم حرية المواطنين العاديين في التنقل في كل مكان وفي أي وقت، لكن بسبب الأوضاع غير المستقرة يجب أخذ تدابير استثنائية". فرجال الأمن، بحسب وصفه، يخوضون حرباً حقيقيةً ضد تنظيمات مسلحة وممولة.

ويستطرد:" على الجميع أن يتفهموا أن الوضع خطير، وعلى الجميع أن يكونوا مسؤولين، خصوصاً المواطنين العاديين والصحفيين".

أقوال جاهزة

شارك غردأعاد حادث مسجد الروضة الإرهابي الذي وقع شمال سيناء الجدل مجدداً حول أسباب منع السلطات المصرية وسائل الإعلام من تغطية ما يحدث في المنطقة

شارك غردما يحدث في سيناء يثبت أن ميثاق الشرف الصحفي المصري مجرد حبر على ورق

ماذا يقول صحفيو شمال سيناء؟

في العريش، عاصمة محافظة شمال سيناء، التقينا الصحفي حسين القيم، الذي يراسل عدة صحف تتخذ من القاهرة مقراً لها.

بملامحه الهادئة ولون بشرته الذي تركت شمس العريش الحارقة أثارها عليها، أخذ القيم يحكي عن ظروف عمله في سيناء، مستخدماً لكنة تميز كل أهالي المنطقة.

قال: "أن تكون صحافياً في سيناء فهذا يعني أنه غير مسموح لك بالتقاط الصور. لا يوجد قانون مكتوب يقول ذلك، إنها أوامر قوات الأمن، والمسلحين أيضاً".

لا يستطيع أي صحافي أن يلتقط صوراً للتفجيرات في المنطقة التي تعد من أسخن مناطق مصر، وينتشر فيها عدد غير قليل من متشددين إسلاميين يطلقون على أنفسهم اسم أنصار بيت المقدس قبل أن يبايعوا تنظيم دولة الخلافة في العراق والشام "داعش"، وقد باتوا يستهدفون الجيش المصري، الذي يقتل العشرات منهم في حملات لا تتوقف بهدف إضعافهم.

"للعمل في سيناء طبيعة خاصة تختلف عن العمل الصحافي في أي محافظة أخرى. قبل ثورة يناير كنا نحمل كاميراتنا ونوثق ما يحدث، وقد اختلفت الأوضاع بعدما زاد انتشار المتشددين الإسلاميين"، يقول القيم.

وكان القيم قد تلقى عدة تهديدات من مسلحين بسبب تغطيته ما يحدث في المحافظة.

ووصلته التهديدات عبر فيسبوك، وحدث أن وقفت بجانبه سيارة فجأة وأطل من نافذتها شخص ملثم وقال له: "لم نفسك أحسن ما نلمك".

"في كل مرة، لا أقوم بإبلاغ قوات الأمن"، يقول القيم ويضيف شارحاً: "إذا تواصلت مع رجال الأمن فهذا يعني للمسلحين أنني أعمل لدى الأمن، ومن الممكن تصفيتي".

في الوقت نفسه، لا يستطيع أن يجري حوارات مع مسلحين أو مع أهاليهم، لأن هذا قد يدفع رجال الأمن المصري لاعتقاله بتهمة التواصل مع متشددين.

"هي مشكلة كبيرة" يقول، "أنا غير قادر على تنفيذ كل ما أتمناه من موضوعات وقصص صحفية".

اتحاد خاص يجمع صحفيي شمال سيناء

في العام 2013، انطلق اتحاد الصحفيين والمراسلين بشمال سيناء، بقيادة الصحافي السيناوي عبد القادر مبارك، وعددهم 24، ويهدف لحمايتهم وتطوير مهاراتهم.

"الصحافي في سيناء أشبه بمن يسير في حقل من الألغام"، هكذا يختصر مبارك الحال.

ويضيف: "من الممكن أن يموت الصحفي في أي لحظة بطلقة طائشة أو تعتقله الجهات الأمنية أو يخطفه المسلحون، ولا يوجد أي دور لنقابة الصحفيين في حماية مراسلي سيناء لأن أغلبهم ليسوا أعضاء فيها".

إذا تواصلت مع رجال الأمن فهذا يعني للمسلحين أنني أعمل لدى الأمن، ومن الممكن تصفيتي، وإذا أجريت حوارات مع مسلحين أو مع أهاليهم، قد يعتقلني رجال الأمن بتهمة التواصل مع متشددين… أن تكون صحفياً في سيناء اليوم

يذكر مبارك حادثة اعتقال الصحفي أحمد أبو دراع في العام 2013، بتهمة نشر أخبار كاذبة عن القوات المسلحة خلال عمله لحساب صحيفة المصري اليوم، وقد قام الاتحاد بحملة للمطالبة بالإفراج عنه.

وكان الاتحاد نفّذ عدداً من الدورات لصحفيي سيناء موضوعها كيفية التغطية أثناء الاشتباكات وحماية أنفسهم من الأخطار، كما أُقيمت دورات قانونية علمتهم ماذا يقولون لدى اعتقالهم.

وهنالك مشكلة أخرى بحسب مبارك، هي أن المصادر دائماً تخاف أن تتكلم مع الصحفيين، وإذا حدث ذلك تطلب عدم ذكر الاسم. هكذا تصبح أغلب المصادر مجهولة مثل "صرح مصدر أمني، أو قال مسؤول حكومي".

تعليمات المسلحين للصحفيين

في أحد المقاهي بالعريش تحدث رصيف22 مع الصحفي محمود (تم تغيير الاسم بناء على طلبه).

قبل أن يمسك فنجان قهوته أخرج من حقيبته ورقة وقال: "هل تعلم ما هذا؟ إنه بيان وزعه مسلحو سيناء في رفح". وقرأه: "تحذير للجميع، لا تقولوا علينا تكفيريين بل قولوا مجاهدين، ولا تتعاملوا مع الأمن حتى لا تتعرض حياتكم للخطر".

وأضاف: "أصبح من المستحيل أن نغطي ما يحدث في أماكن عدة، مثل الشيخ زويد ورفح وجنوب العريش، لأن الأمن يعدّها مناطق عسكرية، وإذا استطعنا الدخول فمن الممكن أن تستهدفنا أسلحة المتشددين الذين ينشطون فيها".

يؤكد محمود أن الأمن يمنع وصول الصحافيين للمعلومات ويرغب في أن يصبح المصدر الوحيد للأخبار في المحافظة.

يضيف: "حين نسمع صوت انفجار لا نذهب للتغطية، فالأمن يعتقل كل من يقترب من المكان. نبحث عن مصادر أخرى تخبرنا بما حدث، قد تكون مصادر في الإسعاف أو في المستشفيات التي يتم نقل الجرحى لها. كل واحد منا يجتهد حتى يحصل على معلومة".

ويروي: "ذات يوم، أطلقت قوات الأمن النار على السيارة التي كنت أستقلها رغم أن الطريق لم يكن مغلقاً، وليست هنالك لافتات تحذر من الدخول. كدتُ أُقتل".

حرية الصحافة حبر على ورق

يشدد ميثاق الشرف الصحفي المصري على أن "حق المواطنين فى المعرفة هو جوهر العمل الصحفي وغايته، وهو ما يستوجب ضمان التدفق الحر للمعلومات وتمكين الصحفيين من الحصول عليها من مصادرها وإسقاط أي قيود تحول دون نشرها والتعليق عليها".

لكن ما يحدث في سيناء يثبت أن هذا الجزء من الميثاق مجرد حبر على ورق حتى إشعار آخر.

مصطفى فتحي

صحافي مصري حاصل على الماجستير في الصحافة الإلكترونية من كلية الاعلام في جامعة القاهرة، و"المركز الدولي للصحافيين" في واشنطن. يعمل حاليًا مدير تحرير لموقع "كايرو 360"، ويكتب لصحيفة "السفير" و"شبكة الصحافيين الدوليين"

كلمات مفتاحية
حرية التعبير مصر

التعليقات

المقال التالي