كيف سيُنقذ اليمن الدبلوماسية الروسية؟

كيف سيُنقذ اليمن الدبلوماسية الروسية؟

على وقع انعقاد قمة سوتشي الروسية لـ"رسم ملامح مرحلة جديدة في سوريا"، كانت السعودية تستضيف فصائل من المعارضة لـ"توحيد الصف" تمهيداً لمحادثات جنيف.

الاهتمام بالدور الذي يلعبه الكرملين كوسيط في حلّ نزاعات الشرق الأوسط ليس مستجداً، فقد حظي باهتمام إعلامي بالغ منذ بدء محادثات آستانة أواخر العام الماضي.


وقد استفاد الدور الروسي المتنامي في مجال الوساطة في مواضع عديدة منها الأزمة الليبية ثم الأزمة القطرية، بينما بقي التوتر السعودي - الإيراني أبرز هذه المواضع التي تتحرك موسكو في إطارها.

نُظر إلى هذا الدور في الأزمات الإقليمية باعتباره فرصة ذهبية لروسيا من أجل تعزيز موقعها الجيوسياسي في الشرق الأوسط، في وقت لم يحظ التدخل الدبلوماسي الروسي في اليمن باهتمام إعلامي شبيه بذاك الذي كرّسته في سوريا أو ليبيا.

يصف الكاتب الصحفي والمتخصص في العلاقات الدولية صامويل راماني الاهتمام الضئيل من صناع السياسة الغربيين باحتمال التدخل الدبلوماسي الروسي في اليمن باعتباره "قصر نظر".

برأي راماني، يحظى الصراع اليمني بمجموعة خصائص فريدة تتيح لروسيا التدخل على غرار ما فعلته في سوريا، بينما يوفر فرصة منخفضة التكلفة لفلاديمير بوتين (على عكس سوريا) كي يسلط الضوء على نفوذ موسكو في الشرق الأوسط.

ما الذي يعطي الدور الروسي أفضليّة في اليمن؟

الموقف السعودي... والفراغ الدبلوماسي

بعد توقف دام نحو 10 أيام بسبب قصف التحالف العربي لجهاز الإرشاد الملاحي على خلفية إطلاق صاروخ من الحوثيين باتجاه الرياض، وصلت أول رحلة تابعة للجنة الدولية للصليب الأحمر إلى مطار صنعاء.

وكان التحالف العربي، بقيادة السعودية، قد تجاهل طلبات الأمم المتحدة بشأن أكثر من 32 رحلة إنسانية إلى اليمن، في وقت تصاعدت التحذيرات بشأن التكاليف الإنسانية الباهظة للحصار المفروض على البلاد.

يأتي هذا الموقف بعدما نقلت "رويترز" عن مصادر أمريكية مطلعة خبر الطلب الأمريكي من السعودية تخفيف حصارها على اليمن. وجاء ذلك، حسب مصادر الوكالة، باتصال أجراه وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون بالأمير محمد بن سلمان استمر لـ45 دقيقة.

المصدر نفسه، الذي كشف الضغط الأمريكي على السعودية في ملف رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، أوضح أنه على الرغم من التقارب الأمريكي - السعودي في عهد ترامب، ثمة قلق يُعبّر عنه الدبلوماسيون والمحللون الأمريكيون إزاء السياسة الخارجية التي تنتهجها الرياض تجاه اليمن.

وكانت زيارة وزير خارجية السعودية عادل الجبير الأخيرة إلى موسكو قد حملت رسالة بأن السعودية تسعى لتسوية ديبلوماسية في اليمن. ورداً على الصحافة الروسية، أوضح الجبير أن التسوية تجبر أطراف النزاع اليمني على الامتثال إلى قرار مجلس الأمن الدولي الصادر في العام 2015، والذي يدعو إلى إنهاء الحرب الأهلية اليمنية.

من هنا، يشير راماني، الذي يتابع الدور الروسي في منطقة الشرق الأوسط، إلى أن صنّاع القرار في روسيا يعتبرون اليمن وجهة جذابة للتدخل الدبلوماسي، على اعتبار أن السعودية جاهزة لوقف الأعمال العدائية وفق شروط مقبولة.

عدا عن الضغط الأمريكي، يلفت راماني في مقاله الذي نشرته "ذا ناشيونال إنترست"، إلى المشاعر المتصاعدة ضد الحرب في السعودية بعدما اقتنع صناع القرار في المملكة بانحدار الصراع إلى مأزق صعب.

وبعد انسحاب قطر من بعثة مجلس التعاون الخليجي في يونيو الماضي وبدء الإمارات شن هجمات على التجمع اليمني للإصلاح (التابع للإخوان المسلمين في اليمن)، ازدادت حاجة الرياض إلى وسيط خارجي قوي للتوصل إلى تسوية يمنية سياسية.

ولأن الجهات الفاعلة إقليمياً كالكويت وسلطنة عمان قد استنفذت خياراتها الدبلوماسية، وفّر الفراغ في الوساطة فرصة ذهبية لروسيا كي تستعرض مهارتها الدبلوماسي في حل الصراع.

أقوال جاهزة

شارك غرديبدو اليمن مسرحاً مثالياً لترسيخ روسيا لدورها كوسيط في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة...

شارك غردالاهتمام الضئيل من صناع السياسة الغربيين بالدور الذي قد تلعبه روسيا في اليمن يمكن اعتباره "قصر نظر"...

استرضاء الجميع في اليمن

عندما بدأ التدخل العسكري في العام 2015، بقيادة سعودية، تمكنت روسيا من الحفاظ على خيوط تجمعها بكافة اللاعبين الرئيسيين في البلاد.

وتمكنت موسكو أن تسوّق لنفسها باعتبارها أكثر نزاهة من الولايات المتحدة في هذا الصراع. بينما أظهرت الأخيرة دعمها العلني للسعودية، جهدت موسكو في التعبير عن دعمها للحل السلمي.

من جهة، دانت الضربات السعودية وفتحت وسائل إعلامها للكلام عن الحصار ومعاناة الشعب اليمني أكثر مما فعلت أي وسيلة أجنبية أخرى، ومن جهة أخرى أعربت عن دعمها لقرارات الأمم المتحدة وحافظت على قنواتها الدبلوماسية لدى الطرفين. سفارة في صنعاء حيث الحوثيين وقنصلية في عدن حيث حكومة عبد ربه منصور هادي المدعومة سعودياً.

على خط مواز، أعربت عن توافقها مع الموقف الإيراني في اليمن، فيما اعتُبر تأكيداً على إمكانية استحضار ثنائية اللعب بينهما في سوريا على الساحة اليمنية، وفي المقابل تشاورت موسكو مع الفصائل المؤيدة للسعودية وأجرت مفاوضات غير رسمية لوقف الأعمال القتالية في اليمن.

وكانت قد بدأت إمكانية أن تلعب روسيا دور الوساطة تظهر أكثر وضوحاً في يوليو الماضي.

أتى ذلك مع تعيين الرئيس اليمني لأحمد سالم الوحيشي كأول سفير لليمن في روسيا منذ سقوط الرئيس السابق علي عبد الله صالح في العام 2011.

بعد إعلان ذلك، أفادت وكالة أنباء "سبأ" الرسمية أن هادي حثّ سفيره الجديد في روسيا على "تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين على مستويات عديدة".

على خط آخر، ساعدت روسيا هادي على حل أزمة السيولة التي أصابت حكومته، فأرسلت له أوراق نقدية يمنية طبعت في موسكو وصرفت كمرتبات لقوات الجيش والأمن والموظفين الحكوميين.

في المقابل، ومن أجل استرضاء الحوثيين، ردت موسكو على انتقادات الأمم المتحدة للعدوان الحوثي على السعودية، في وقت أرسلت مساعدات إنسانية إلى مناطق اليمن التي دمرتها الضربات الجوية السعودية.

هكذا جمع الكرملين الانتماءات الإيديولوجية جميعها على طاولتها، وضمنت فعالية وساطتها في اليمن، بينما كان كفة التعاطف معها تتصاعد على وقع الاعتداءات السعودية الوحشية على البلاد.

حوافز وطموحات

نعود إلى ما كتبه راماني عن الآثار الإيجابية للتدخل الدبلوماسي الروسي على أجندة موسكو الجيوسياسية.

من منظور تكتيكي قصير الأمد، يفسح وقف الصراع في اليمن المجال أمام روسيا لترسيخ موقعها كقوة عسكرية كبرى على البحر الأحمر.

يشير راماني إلى أنه في العام 2009، أعرب المسؤولون العسكريون الروس عن اهتمامهم بإنشاء قاعدة بحرية روسية على الأراضي اليمنية.

وبما أن الولايات المتحدة تمارس نفوذها على الأنشطة التجارية التي تمر عبر مضيق باب المندب، والصين قد أقامت قاعدة بحرية في البحر الأحمر في جيبوتي، سيكون للقاعدة قيمة استراتيجية لأنها ستزيد من وصول موسكو إلى ممرات الشحن في البحر الأحمر ومضيق باب المندب الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن.

صحيح أن علي عبد الله صالح، الرئيس اليمني السابق المتحالف مع الحوثيين، كان قد أعلن عن رغبته في منح روسيا حقوق إنشاء قواعد عسكرية في البلاد، إلا أن سعي موسكو للتسوية السلمية سببه حرصها على بناء قاعدة بحرية من دون خطر رد فعل عنيف من صنعاء.

أما وفق المنظور الإستراتيجي طويل الأمد، فتنظر روسيا للتدخل الدبلوماسي في اليمن باعتباره وسيلة لتسبغ مصداقية أكبر على مقترحات الوساطة التي تقوم بها في الشرق الأوسط.

ما سبق ذلك من وساطات قامت بها وتحديداً في سوريا واجهت خلاله موسكو اتهامات باستغلال الوساطة خدمة لمصالحها الجيوسياسية، لكن الظروف اليمنية وقرب روسيا من مختلف الأطراف يساعدها على تحقيق هذا الهدف.

نوستالجيا تاريخ الماركسيين المعتدلين

قد يلعب تاريخ روسيا الطويل في دعم الاستقرار السياسي في اليمن خلال فترات الصراع دوراً في دعم حظوظها للعب وساطة ناجحة.

على النهج الحالي نفسه تصرفت روسيا في العام 1986، حين اندلعت حرب أهلية بين الفصائل الماركسية المتنافسة في جمهورية اليمن الجنوبية.

يقول راماني "على الرغم مما حُكي عن تسليح الاتحاد السوفييتي للفصائل اليمنية الجنوبية في أوائل الثمانينيات، إلا أنه في المقابل ساعد على استقرار اليمن من خلال المشاركة العسكرية المحدودة، وتعهد بتقديم مساعدات اقتصادية".

من جهة ثانية، ساعد الاتحاد السوفييتي في المفاوضات الدبلوماسية التي أدت إلى إعادة توحيد اليمن في العام 1990، وذلك من خلال دعم الماركسيين المعتدلين في جنوب اليمن، الذين دعوا إلى المشاركة الدبلوماسية مع اليمن الشمالي.

كما أسّس الاتحاد السوفييتي لعلاقة قوية مع اليمن الشمالي من خلال علي عبد الله صالح، وقد ساعد هذا التحالف على سد الفجوة الطائفية بين اليمن الجنوبي بأغلبيته السنيّة واليمن الشمالي بأغلبيته الشيعية.

في مايو الماضي، أظهر مسح للشباب العربي تحسن التصور العام عن الدبلوماسية الروسية في المنطقة العربية.

وفقاً للمسح، يعتبر 21% من الشباب العرب روسيا حليفاً رئيسياً لبلدهم، ويعد ذلك ارتفاعاً هائلاً عن نسبة الـ9% التي كانت في العام 2016، وارتفاعاٍ عن الـ17% التي حققتها الولايات المتحدة لهذا العام.

وهكذا يبدو اليمن مسرحاً مثالياً لترسيخ روسيا لدورها كوسيط في الشرق الأوسط خلال السنوات الطويلة المقبلة، وهو ما يناقض توجه صناع السياسة الغربيين الذين ركزوا على مواقع أخرى محتملة للتحكيم الدبلوماسي الروسي في المنطقة... وللتنافس معه.

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

التعليقات

المقال التالي