قراءة في خطاب نصر الله... ثلاث إشارات مهمة للمرحلة القادمة

قراءة في خطاب نصر الله... ثلاث إشارات مهمة للمرحلة القادمة

بعد أزمة عنوانها الارتقاب، ارتقاب كشف مسبباتها المباشرة وارتقاب مسارها وتطوراتها في الأسابيع القادمة، أطلق أمين عام حزب الله حسن نصر الله في خطابه الأخير مجموعة إشارات مهمة حول موقف حزبه من ملفات مطروحة أو يُرتقب طرحها في لبنان والمنطقة.

الدور الخارجي لحزب الله

من أهم ما قاله نصر الله حول عمليات حزبه الخارجية هو أن العدد الكبير من قادة حزبه و"كوادره الجهاديين" و"مدربيه" و"خبرائه" العاملين في العراق "سيعودون".

وربط نصر الله هذه العودة بـ"إعلان النصر النهائي"، وبإجراء مراجعة "مع الإخوة هناك" لتقدير حاجتهم إلى دعم عناصر حزب الله، قبل إعلان "أن المهمة أنجزت" في العراق. ويمكن اعتبار هذا الشرط جزءاً من سعيه إلى نفي ارتباط خطوات حزبه القادمة بالضغوط العربية الممارسة عليه والتي عبّر عنها بيان مجلس جامعة الدول العربية الذي انعقد في دورة غير عادية، بطلب من السعودية، على مستوى وزراء الخارجية في القاهرة.

أما الأهم فهو حديثه عن معركة مدينة البوكمال، الواقعة في محافظة دير الزور السورية، على الحدود السورية مع العراق، ضد داعش، والتي اعتبر أنها تسجّل "نهاية دولة داعش"، في تمهيد لسحب مقاتلي حزبه من سوريا.

وفي سوريا، كما في العراق، ربط الخطوة القادمة لحزبه بإعلان "القيادة السورية" انتصارها على داعش، ما يمهّد للانتقال إلى مرحلة عقد "ندوات ومؤتمرات وحلقات" وإحياء "احتفالات نصر".

ولكن ما ينتظره نصر الله من "الإخوة" في العراق ومن "القيادة السورية" أتى من مرجع أهم بالنسبة إليه. فبعد ساعات من خطابه أعلن قائد فيلق القدس قاسم سليماني "إنهاء هيمنة" تنظيم داعش الذي وصفه بـ"الشجرة الخبيثة الملعونة" بانتهاء معركة البوكمال، وذلك في رسالة وجهها إلى المرشد الأعلى للثورة الإيرانية السيد علي الخامنئي.

هذا يعني أن سليماني افتتح عملية الانتقال إلى المرحلة الثانية.

ما لم يقله نصر الله

ما لم يقله نصر الله في خطابه هو أن تدخّل حزبه في الحرب السورية لم يكن لمحاربة داعش، لا بل إن مواجهة عناصر حزب الله لعناصر داعش لم تجرِ إلا في الأشهر الأخيرة، فيما بدأ دور هذا الحزب في سوريا قبل نحو أربع سنوات.

وكان دور العمليات الأساسية لحزب الله في سوريا منع انهيار النظام السوري ومنع تقليص رقعة ما سُمّي في مرحلة معيّنة بـ"سوريا المفيدة"، ثم تطوّر هذا الدور مع تنامي الطموحات التي بعثها التدخل الروسي ونجاعته الحربية إلى توسيع مناطق سيطرة النظام لتتصل بالحدود العراقية وهو ما تأمّن بعد معركتي القائم من الجانب العراقي والبوكمال من الجانب السوري.

ولم يفت نصر الله التذكير بهذا المكسب الاستراتيجي لـ"محور الممانعة" من خلال تأكيده على أن هذا "الوصل بين سورية والعراق قد تم وحصل وبشكل طبيعي"، وبحضور قاسم سليماني في ميدان المعركة.

لا بل تحدث نصر الله عن تحقيق هذا الوصل بالرغم من "حرص الإدارة الأمريكية خلال كل الشهور الماضية على منع حصوله بالمطلق"، وهو اتهام غير صحيح إذا بُني على الدعاية الروسية ودعاية حزب الله عن تأمين أمريكا غطاءً جوياً لداعش ولكنه صحيح إذا ما تذكرنا السباق بين قوات النظام السوري وحلفائه وبين قوات سوريا الديمقراطية على الوصول إلى البوكمال.

أقوال جاهزة

شارك غردفي سوريا، لن تكون هناك أية حاجة بعد الآن لعناصر حزب الله الذين كانوا ضروريين للأعمال الخطرة مثل الاقتحامات

ملامح المرحلة القادمة

تزامن خطاب نصر الله مع لقاء الرئيسين السوري بشار الأسد والروسي فلاديمير بوتين في سوتشي بروسيا، وحديث الثاني عن "مسألة ما بعد هزيمة الإرهابيين"، أي عن مرحلة جديدة في تحديد الأولويات في سوريا.

INSIDE_NasrallahSpeech_AFP

وأكد بوتين أن عنوان المرحلة القادمة هو "مسألة التسوية السياسية، التسوية طويلة الأمد للوضع في سوريا"، وأعلن تراجعه عن محاولة جرّ المسار السياسي إلى سوتشي معلناً أنه سيكون تحت مظلة الأمم المتحدة، في تعبير عن التزامه بأحد بنود التفاهم الأميركي الروسي الذي عبّر عنه البيان المشترك الصادر عن بوتين ونظيره الأمريكي دونالد ترامب.

وسيكون ضمان ما حققه النظام السوري على الأرض في الفترة الأخيرة جزءاً من المحدثات التي ستجري الأربعاء في سوتشي بين بوتين وحليفيه في رسم خارطة عدم تصعيد الصراع في سوريا، الرئيسين الإيراني حسن روحاني والتركي رجب طيّب أردوغان.

ولن تكون هناك أية حاجة لعناصر حزب الله الذين كانوا ضروريين للأعمال الخطرة مثل الاقتحامات، في ظل تثبيت حدود السيطرة الحالية للقوى المتصارعة في سوريا.

افتتح نصر الله حملة تخوين سلطات الأكراد السوريين ما يمهّد لتقديم رأسهم إلى أنقرة.. عن الاحتمالات المتعددة للمرحلة المقبلة كما رسمها خطاب الأمين العام لحزب الله

وإذا كان الرضى الإيراني عن تثبيت إنجازات النظام السوري ينبع من حرصها على تفوّقه في الصراع الجاري فإن تركيا تنتظر من شريكيها في سوريا تقديم رأس وحدات حماية الشعب الكردية إليها. وأشار أردوغان قبل أيام إلى أن لقاء سوتشي سيبحث مسألة سيطرة تركيا والمجموعات السورية المتحالفة معها على عفرين، أحد كانتونات الإدارة الذاتية الكردية الثلاثة.

وفي هذا المقام، جاء في خطاب نصر الله ما يشير إلى توافق إيراني-تركي على هذه النقطة، وإن كان الموقف الروسي لم يتضح بعد، فقد ساهم في حملة تخوين سلطة الأكراد السوريين بقوله إنه جرى "استقبال واستيعاب" عناصر داعش الفارين من البوكمال في مناطق شرقي نهر الفرات تسيطر عليها "ما يسمى بقسد أو قوات سوريا الديمقراطية"، غير مستبعد أن تتحول مجموعات داعش الباقية إلى "كتائب في قوات سوريا الديمقراطية التي تديرها وترعاها الآن القوات الأمريكية في سوريا".

كما أتى أيضاً استشهاده بحديث لأردوغان، كمصدر موثوق، ووصفه بأنه "رئيس دولة طويلة وعريضة"، بعد فترة طويلة كان عنوانها عدم ذكر اسمه إلا بمعرض الهجوم عليه، على خلفية موقف تركيا في الفترة الأولى من الثورة السورية.

والأرجح أن ضمان الوضع القائم في سوريا سيكون بدعم روسي-تركي وقد يفضي إلى خروج كل القوات الإيرانية والميليشيات الشيعية، وليس فقط حزب الله منها.

احتمالات متعددة

في مواجهة هذه التطورات، تستضيف السعودية بين الـ22 والـ24 من هذا الشهر اجتماعاً "موسعاً" للمعارضة السورية، بهدف التقريب بين أطراف ومنصات المعارضة وتوحيد وفدها المفاوض في جنيف.

الأجواء السابقة للاندفاعة السعودية الجديدة كانت تتأسس على معلومات عن قبول الرياض بقاء الأسد في السلطة مقابل خروج إيران من سوريا، وعن أنها سترسم ملامح وفد معارض يوحّد المعارضين ويكون دوره تقديم تنازلات من أجل دفع مسار جنيف إلى الأمام.

وقد يكون تقديم المنسق العام للهيئة العليا للمفاوضات رياض حجاب استقالته من منصبه، إضافة إلى استقالة أعضاء آخرين، في هذا السياق. ولكن المتغيّرات في السياسة الخارجية السعودية تضعنا أمام احتمال آخر محتمل وهو استشعار البعض أن المملكة تريد إعادة الزخم إلى مسار المعارضة العسكرية للنظام.

وبحال صدقت صحة هذه الفرضية ستنقسم المعارضة السورية بين جبهة مؤيدة للسعودية وأخرى مؤيدة لتركيا وقطر وهما دولتان تجدان نفسيهما أقرب إلى المسار الذي تشارك إيران في رسمه لأن الأزمة الخليجية أبعدتهما عن دول الخليج.

قد تتكشّف بعض الأمور مما سيسرّب من اجتماع الرياض، وستتكشف أمور أكثر في الـ28 من نوفمبر حين يلتقي السوريون في جنيف، لنتعرّف أكثر على خطوط السياسة السعودية الجديدة في سوريا.

ولكن عناوين المرحلة المقبلة ستكون: إصرار تركيا على عدم منافستها في النفوذ على قوى المعارضة في الشمال السوري مع فتح معركة ضد الأكراد؛ ضمان روسيا لخطوط الأمر الواقع المرسومة حالياً؛ وتجاذب بين السعودية من جهة وبين الأردن وإسرائيل من جهة ثانية حول إعادة تحريك الجبهة الجنوبية وهو ما لا يناسب الدولتين الأخيرتين لأنهما لا ترغبان بمشاهدة معركة شرسة بالقرب من حدودهما، خاصةً أن التفاهم الروسي الأميركي الأخير أفضى إلى تعهد موسكو بإبعاد إيران وحلفائها عن المنطقة.

أما بالعودة إلى لبنان، والإشارات التي أطلقها نصر الله في خطابه، فقد قال: "نحن منفتحون على كل حوار وعلى كل نقاش يجري في البلد"، وهذه العبارات في قاموس حزب الله تعني استعداده للجلوس سنوات على طاولة حوار وطني مع رفضه تقديم أي تنازل لا يرى أنه يصبّ في مصلحته كقوة عسكرية ذات هيكلية مستقلة عن أجهزة الدولة الرسمية.

عماد هاشم

كاتب لبناني مقيم في فرنسا

التعليقات

المقال التالي