العلاقة بين جمال عبد الناصر وتشي غيفارا كما رواها المصريون

العلاقة بين جمال عبد الناصر وتشي غيفارا كما رواها المصريون

مع بدايات عام 1959 سقطت الديكتاتورية العسكرية في كوبا بعد ثورة اشتهر من قادتها أرنستو تشي غيفارا وفيديل كاسترو. كان قد مر على ثورة 23 يوليو 1952 المصرية نحو سبع سنوات وكانت قد أنجزت الأخيرة إصلاحاً زراعياً يُقال إن غيفارا أعجب به.

في يونيو 1959، لوّح غيفارا بيده للصحافيين وكبار رجال دولة كوبا قبل أن تقلع به الطائرة من مطار هافانا نحو مصر والابتسامات ترتسم على وجهه.

حسب رواية محمد حسنين هيكل في كتاب "عبد الناصر والعالم"، لم تكن الثورة الكوبية موضع اهتمام جمال عبد الناصر لشكه في أن الاستخبارات الأمريكية تدعمها. وبالرغم من ذلك، استقبل ضيفه بحفاوة شديدة في قصر القبة.

ففي تلك الفترة، كانت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية قد دبرت انقلاباً على رئيس غواتيمالا جاكوبو أربينز للإطاحة به، ولذلك طرأ على مخيلة عبد الناصر أن أمريكا هي التي تشعل فتيل الثورة الكوبية بزعامة غيفارا وكاسترو للانقلاب على الديكتاتور "باتيستا".

Nasser_Che_Guevara_1965

رسالة غيفارا لعبد الناصر

قال غيفارا لعبد الناصر إنه أعجب بشجاعة وصمود الجنود المصريين في مطاردة بريطانيا وفرنسا وإسرائيل أثناء العدوان الثلاثي على مصر، وأن ذلك أثّر إيجابياً على الكوبيين الثائرين ضد "باتيستا" عام 1956، إذ كانت التجربة المصرية بمثابة قوة روحية للشعب الكوبي لمجابهة النكسات في حرب العصابات التي خاضها في التلال، حسبما روى الكاتب عصام عبد الفتاح في كتابه "غيفارا قديس الثورة... أمير الثوار"، ناسباً هذا الكلام إلى حديث دار بين الثائر والرئيس.

تلاشي الطبقة الإقطاعية

يحكي هيكل في كتابه "عبد الناصر والعالم" أن الاختلاف بين عبد الناصر وغيفارا بدا واضحاً حينما تطرق الزعيم المصري الراحل للحديث عن الإصلاح الزراعي وقال إن ما يفعله هو تصفية امتيازات طبقة معينة وتفتيت سلطة الإقطاعيين.

تشي غيفارا كان يُقيس عمق التحوّل الاجتماعي بعدد الأشخاص الذين يمسهم تأثير الإصلاح، لذلك وجه إلى عبد الناصر سؤالاً: كم من اللاجئين المصريين أُجبروا على مغادرة البلاد؟

كان ردّ عبد الناصر أن الأغلبية كانت من المصريين من ذوي اللون الأبيض، أي من فئة أصحاب الجنسيات الأجنبية الذين تمصّروا بحكم إقامتهم في مصر، بحسب كتاب "غيفارا قديس الثورة".

رحل غيفارا عن مصر ولم تتمخض زيارته عن شيء يُذكر، حسبما وصف هيكل اللقاء في كتابه المذكور.

دخان في أروقة قصر القبة

مع الزيارة الثانية لغيفارا إلى القاهرة عام 1965، كان عبد الناصر قد نبذ فكرة دعم أمريكا للثورة الكوبية وحاول أن يفتح قلبه للثائر الأرجنتيني ليتحدث معه باستفاضة عما يحدث في كوبا وطبيعة العلاقة بينه وبين كاسترو.

أخذ غيفارا ينفث دخان سيجاره وهو يخطو خطواته مع عبد الناصر في أروقة قصر القبة. علامات الغضب كانت تسيطر على ملامح تشي وكان منطوياً لا يتحدث كثيراً.

أقوال جاهزة

شارك غردالتقى غيفارا بعبد الناصر مرتين... وهذا ما دار بينهما مع قليل من "البهارات" المصرية

شارك غردعبد الناصر لغيفارا: "ليلة اندلاع الثورة مثل ليلة الزفاف، ولكن عليك بعد الزفاف أن تجعل الزواج ناجحاً بالإنجاب والعمل والمال".

هيمن الصمت على أروقة القصر. فحاول عبد الناصر أن يحثه على الكلام بسؤالين: كيف تسير الأحوال في كوبا؟ هل كل شيء على ما يرام بينك وبين فيديل كاسترو؟

وبحسب كتاب "غيفارا قديس الثورة"، كانت الأخبار المتواترة من الكونغو تترك في قلب غيفارا غصة، لذلك اقترح على الرئيس المصري النضال في الكونغو لتحرير إفريقيا من الاستغلال والهيمنة.

سيجاران وطرزان

أمضى تشي أوقاتاً كثيرة في التفكير خلال إقامته في فندق "شبرد" ليطرح على عبد الناصر فكرة قيام الثورة في الكونغو. وحينما أتى الرئيس المصري إلى الفندق في اليوم الثاني قال غيفارا إن السفير الكوبي في تنزانيا "ريفالتا" صنع يدوياً سيجارين بالغي الطول وهو يفكّر في قيام الثورة في الكونغو ليشرح له صعوبة الموقف في اتخاذ القرار وطيلة المدة، يروي عادل عبد الناصر شقيق الرئيس الراحل لرصيف22.

Che-Guevara_Gmal-Abdelnaser-bee-media.blogspot.com_

وكان "ريفالتا"، الزعيم السابق لنقابة عمال السيجار في كوبا، يرافق غيفارا في فندق "شبرد" أثناء زيارته الثانية لعبد الناصر، ويصحب معه التبغ الكوبي ويصنع السيجار كلما أتيح له الوقت.

ورداً على قوله بإشعال الثورة في كاتانغا، وصف عبد الناصر تشي بـ"طرزان"، في تعبير أراد منه القول له إنه غير واقعي، بحسب هيكل.

غيفارا... "الرجل الأبيض"

حينما ألح تشي على عبد الناصر بفكرة إشعال فتيل الثورة في الكونغو قال له: عليك أن تنسى فكرة الذهاب للكونغو لأنك رجل أبيض ولن تنجح وسيُكتشف أمرك بسهولة وإذا رافقك آخرون ستعطي فرصة للاستعماريين ليقولوا إن ليس هناك فرق بينك وبين جيوش المرتزقة.

رفض عبد الناصر مشاركة تشي في الكونغو ورفض إرسال جيوش مصرية معه لأن الثورة هناك ستنتهي بالفشل، بحسب تقديره، على ما يروي هيكل.

خيبة الأمل كانت واضحة في حديث غيفارا لعبد الناصر عن المشاكل التي هيمنت على كوبا عقب الثورة. تناول الحوار رؤساء الهيئات الحكومية الجالسين في الهواء المكيف والخاضعين للفتيات الساحرات.

كانت الشيوعية تسيطر على مخيلة غيفارا وكان متردداً بين الثورة والدولة، حسبما قال بنفسه في كتابه  "مذكرات مقاتل".

الثورة والزيجة

حينما تحدث غيفارا عن الثورة العالمية الكبرى في بوليفيا، شبّه عبد الناصر الثورة بالزيجة، وقال: "نعيش هيام الحب، نحب الثورة، نحب التمرد إلى أن نصل للزواج. أنت تريد فقط من الثورة ما هو قبل الزواج"، بحسب كتاب عصام عبد الفتاح.

عوامل الثورة الناجحة من وجهة نظر عبد الناصر تختلف كثيراً عما يدور في ذهن غيفارا. بين طيات صفحات كتاب هيكل "عبد الناصر والعالم"، ظهر ذلك من قول ناصر لغيفارا إن الثورة تنشب إذا وجدت نواة من البورجوازية الصغيرة والعمال ولا داعي لوجود البروليتاريا.

ورأى ناصر أنه لا يمكن أن تقوم ثورة جماهيرية حقيقية من دون توافر المقومات الأساسية لمرافق الخدمات العامة، وقال إن "الأفكار تحتاج إلى المواصلات مثلما يحتاج إليها الاقتصاد، وإذا كان الاقتصاد في حاجة إلى طرق ومطارات فإن الأفكار تحتاج أيضاً إلى وسائل الانتقال".

لخّص عبد الناصر لغيفارا رأيه بعوامل النجاح في عبارة: "ليلة اندلاع الثورة مثل ليلة الزفاف، ولكن عليك بعد الزفاف أن تجعل الزواج ناجحاً بالإنجاب والعمل والمال"، كما ورد في كتاب "عبد الناصر والعالم".

لم يقتنع تشي غيفارا بما قاله عبد الناصر مبرراً ذلك بأنه حينما يصل الثوريون إلى المناصب يقومون بالتخطيط فيتحولون إلى طبقة بيروقراطية تجهض الثورة.

قنوط غيفارا وحفاوة الاستقبال

"بناء المصانع وإدارتها يشكلان عبئاً عسيراً يبعث الملل والقنوط"، قال غيفارا مبرراً موقفه من البناء.

ولكن حين تجوّل غيفارا مع عبد الناصر خلال افتتاح أحد المصانع في المنوفية، دب الحماس في وجدانه لما شاهده من حفاوة الاستقبال التي يحظى بها عبد الناصر.

خلال ذلك، قال غيفارا لمضيفه: "هذا ما أريده، هذا هو الغليان الثوري، ولكن جمال عبد الناصر أشار له بيده نحو المصانع والجمهور، موضحاً أنه لن يُجنى ذلك إلا إذا شُيّدت مصانع ومؤسسات للشعب"، يقول هيكل.

وقبل أن يرحل غيفارا من المنوفية ويصافح الرئيس عبد الناصر قال له: يا حبذا لو أستطيع أن أصوت لك في الانتخابات الرئاسية.

انتهت رحلة تنقل غيفارا مع جمال عبد الناصر خلال الـ15 يوماً التي قضاها في مصر، ونصحه الأخير بأن فكرة الثورة في إفريقيا ستجهض ويخلق استعمار جديد، وبالتالي لا فائدة منها، بحسب رواية هيكل.

في السابع من نوفمبر 1967، دخل غيفارا الأراضي البوليفية رافعاً راية الثورة، ولكنه وجد ما كان يحذره منه عبد الناصر. قُتل بين أحراشها. إلا أن الثائر الأرجنتيني ترك رسالة مقتضبة للزعيم فيدل كاسترو لينقلها إلى شعبه في كوبا وفيها: "أريدك أن تعرف أنني أرحل بمزيج من الغبطة والألم"، قالت ابنته إليدا غيفارا في مقابلة متلفزة لقناة "بي بي سي".

اختلاف الشخصيتين

لم يطمح غيفارا إلى أن يكون رئيساً، بل كان يمضي ثائراً ساخطاً يُحدث الثورات من أجل تحقيق مصالح الفقراء، بحسب المؤرخ عاصم الدسوقي.

وهذا ما يقوله الكاتب عصام عبد الفتاح في كتابه "غيفارا قديس الثورة"، مستنداً إلى عبارة قالها تشي: "لا أطمح أن أحصل على مناصب في الوزارات، أحلم بانتصار الخير على الشر".

أما عبد الناصر فكان يرى أن الثوار يجلسون في مقاعد الحكم بعد الثوة حتى يستطيعوا إدارة البلاد وإحداث التغيير، قال الدسوقي لرصيف22.

ولكن هذه القصة لا تخلو من بعض الالتباس، لأنها مروية عن لسان مصريين فقط بينما لا يصح أن يعتمد التأريخ للأحداث التاريخية واللقاءات بين الزعماء على شخص بعينه، ولا بد أن يكون هناك تنوع في المصادر، بحسب رئيس قسم التاريخ بكلية الآداب جامعة القاهرة الدكتور محمد عفيفي.

ويضيف عفيفي لرصيف22 أن هيكل كان يلقّب في الستينيات من القرن الماضي بصحافي الرئيس جمال عبد الناصر لأنه كان مقرّباً منه بشدة.

ويشير إلى أن هيكل لم يطلق على نفسه لقب المؤرخ بل كان يقول إنه راوٍ لتاريخ الزعماء والأحداث العالمية التي كان شاهداً عليها.

ويرى أن هيكل قد يكون روى كواليس اللقاء وأضفى عليه شيئاً من الـ"بهارات" نظراً لحبه لعبد الناصر.

إبراهيم عيد

صحافي مصري حاصل على درجة البكالوريوس في الإعلام من جامعة القاهرة وعمل في مواقع مصرية مختلفة.

كلمات مفتاحية
عبد الناصر مصر

التعليقات

المقال التالي