مقابلة سعد الحريري... أبرز الرسائل التي يمكن استخلاصها

مقابلة سعد الحريري... أبرز الرسائل التي يمكن استخلاصها

كثيرون في لبنان والعالم العربي والعالم تابعوا المقابلة التي أجراها سعد الحريري، ليبحثوا عن إجابات عن أُسئلة أُثيرت منذ أن أعلن رئيس الحكومة اللبنانية استقالته في خطاب "ناري" بثته قناة العربية من الرياض.

وبعد طرح عدد كبير من الأسئلة المرتبطة بعدد من سيناريوهات أثيرت حول ظروف "الإقامة السعودية"، يمكن الجزم بأن ما أدلى به الحريري أثار امتعاض المتحمسين من الطرفين، أولئك الذين كانوا يريدون منه أن يقول "النجدة أنقذوني"، وأولئك الذين أرادوا منه التمهيد لحرب لأن فكرة التحوّل إلى زعماء حرب تدغدغ مخيّلتهم.

الإجابات الواضحة

رسم الحريري في المقابلة الخطوط العريضة لخطابه السياسي في المرحلة المقبلة، بعد التأكيد بدايةً أنه سيعود إلى ممارسة العمل السياسي، في إجابة وضعت حداً لشائعات تدوالها البعض عن نيته (أو إرغامه على) اعتزال السياسة.

وحدّد الحريري أولاً أنه سيعود ليمثّل الطائفة السنية في منظومة الحكم وسيتحدث باسمها وسيكون صوتها داخل التركيبة الحكومية القادمة كما سيكون صوت التوازنات اللبنانية الذي يجب أن يستمع إليه أبناء هذه الطائفة.

وحدّد ثانياً أنه سيعود ليمارس دوراً سياسياً ضمن مناخ يسير نحو تسوية تؤمن الحد الأدنى من الاستقرار للبنان، بما يستجيب بالحد الأدنى لمطالبات الدول الإقليمية السنية منه. وأيضاً في هذه الجزئية، رسم لنفسه دور القيادي المحاور الذي سينقل إلى لبنان المطالبات العربية منه وسينقل ما تقتضيه التوازنات اللبنانية إلى العواصم الإقليمية، لتكفّ عن المطالبة بما لا تحتمله التركيبة اللبنانية.

وفي هذين التحديدين، كان الحريري واضحاً حول خطابه المستقبلي بشأن أدوار حزب الله، من خلال تأكيده على أمرين: هذا السلاح لا يجب أن يلعب دوراً إقليمياً خارج لبنان وهذه أولوية عاجلة يجب الاسجابة لها سريعاً خلال أسابيع أو أشهر.

في هذا المطلب سيكون الحريري مدعوماً من مظلة دولية سائرة في ركب رسم توازنات سياسية -عسكرية في الحرب السورية، أبرزها التفاهم الأميركي - الروسي الذي عبّر عنه البيان المشترك الصادر عن الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين بعد لقائهما في فيتنام.

وهذا البيان بحسب ما أوضحت وزارة الخارجية الأميركية ليس بياناً شكلياً، وهو ما قد يوحي به اقتضابه، بل هو ثمرة أشهر من التفاوض ويعبّر عن اتفاق تقوم روسيا بموجبه بالضغط على النظام السوري وحلفائه (وحزب الله بالاسم) للابتعاد عن منطقة جنوب غرب سوريا، مقابل تعهد أميركا والأردن بمحاربة جبهة النصرة وجيش خالد بن الوليد الموالي لداعش في تلك المنطقة، بما يبعد الخطر عن كل من الأردن وإسرائيل.

وهذا الاتفاق يؤكد نوعاً من تفاهم دولي على الحد من حركة حزب الله في سوريا وسيمهّد لاحقاً إلى انتهاء دوره في سوريا والمطالبة بعودته إلى لبنان، بعد تفعيل البند الآخر من التفاهم الروسي الأميركي القاضي بتثبيت مناطق خفض توتّر تمهّد لنوع من ستاتيكو في الحرب السورية يجري العمل على رسمه قبيل الانتقال إلى مفاوضات سورية في جنيف (وليس في أستانا).

أقوال جاهزة

شارك غردليس مقنعاً تبرير اختلاف خطاب الحريري في المقابلة مع خطابه في بيان الاستقالة بما قاله عن رغبته في إحداث "صدمة إيجابية"...

شارك غردرسم الحريري في المقابلة الخطوط العريضة لخطابه السياسي في المرحلة المقبلة وحدد أولويتين لهما علاقة بسلاح حزب الله...

والأمر الثاني الذي حدّده الحريري بخصوص سلاح حزب الله، في ما يتعلق بوجوده في لبنان نفسه، هو أن مصير هذا السلاح سيجري البحث فيه في حوار لبناني، مع ما يعنيه ذلك من أن حسم مصيره مؤجل لعدة سنوات، وهو الأمر الضروري لمنع تفجّر الوضع في الداخل اللبناني.

يرسم هذان التحديدان الخطوط العريضة لخطاب الحريري السياسي في المرحلة المقبلة ويضعانه في موقع دقيق وحساس وهام جداً في المنظومة اللبنانية، فهو سيكون حلقة الوصل بين العرب وبين لبنان وحلقة الوصل بين سنة لبنان وبين باقي المكونات اللبنانية.

وللعمل على هاتين القضيتين، أشار الحريري إلى أنه لن يخوض مواجهة شاملة مع حزب الله وحلفائه بل سيتنبّه إلى التمايزات ضمن التحالف السياسي المقابل، وسيسعى إلى تحقيق نتائج بالتعاون مع رئيس الجمهورية ميشال عون، بل إنه أوحى بأنه سيوكل إلى الأخير مهمة إقناع حزب الله ببعض الأمور التي ستثير اعتراضه. وبهذا يقوم الحريري بما عليه، ويرمي وزر فشل التوصل إلى معادلة استقرار على عاتق خصومه.

الإجابات غير الواضحة

في مقابلته، سحب الحريري فتيل التوتر السائد في لبنان على خلفية النقاش حول ظروف إقامته في السعودية، ومهّد الطريق أمام فتح نقاش جدي في لبنان حول طبيعة المرحلة القادمة.

لا شك في أن ما أعلنه خلال المقابلة يختلف بشكل جذري عما يمكن توقّعه من رجل قال ما قاله في خطاب الاستقالة. كان متزناً في خطابه لا بل نفى بعض الشائعات التي روّجها البعض في الأيام الماضية حول تلقيه تهديداً من مستشار مرشد الثورة الإيرانية علي أكبر ولايتي، نقلاً عن موقع معارض إيراني لم يسمع به أحد من قبل. وهذا يدلّ على أن دور المحاور والتسووي الذي حدده لنفسه في المرحلة المقبلة لا يستثني حتى التواصل مع الإيرانيين.

ليس مقنعاً تبرير اختلاف الخطاب بما قاله عن رغبته في إحداث "صدمة إيجابية". الفرضية الأقوى هنا هي أن الحريري استطاع التغلّب على بعض الضغوط التي واجهها في الأيام السابقة وأعاد النقاش اللبناني المطلوب إلى دائرة الممكن، بمظلة دولية.

لا يمكن الجزم بما جرى حقيقةً في الأيام الماضية، ولن يمكن الجزم به لا في الأشهر ولا في السنوات المقبلة ربما. سيبقى الإلغاز جزءاً مما جرى. ولكن حقيقة مؤكدة وحيدة يمكن إعلانها: الحريري سيعود كمفاوض للتوصل إلى تسوية تحقق الحد الأدنى من الاستقرار في لبنان. فهل يلاقيه الفريق الآخر في منتصف الطريق؟

عماد هاشم

كاتب لبناني مقيم في فرنسا

كلمات مفتاحية
سعد الحريري لبنان

التعليقات

المقال التالي