من دعاوى الحسبة إلى إهانة الرموز التاريخية... تقديس الماضي في مصر

من دعاوى الحسبة إلى إهانة الرموز التاريخية... تقديس الماضي في مصر

ما إن خرج يوسف زيدان لينتقد شخصيات تاريخية مثل أحمد عرابي، موجهاً إليه تهمة حرق الإسكندرية، وصلاح الدين الأيوبي الذي وصفه بالمجرم، حتى بدأ هجوم ضارٍ عليه من قبل مفكرين وسياسيين مصريين.

خُلق في بعض الأوساط مناخ شيطن النقد أفضى إلى ظهور مشروع قانون "إهانة الرموز والشخصيات التاريخية" الذي أعده أمين سر لجنة الشؤون الدينية في مجلس النواب المصري النائب عمرو حمروش، وأحاله رئيس المجلس الدكتور علي عبد العال على لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية لدراسته.

حبس خمس سنوات وغرامة مليون جنيه

"يحظر التعرض بالإهانة لأي من الرموز والشخصيات التاريخية"، نصت المادة الأولى من مشروع القانون المثير للجدل، ما أعاد إلى الأذهان محاكمة شخصيات مثل نصر حامد أبو زيد، ونوال السعداوى، وإسلام البحيري وغيرهم.

و"يقصد بالرموز والشخصيات التاريخية (تلك) الواردة في الكتب، والتي تكون جزءاً من تاريخ الدولة وتشكل الوثائق الرسمية للدولة"، نصت المادة الثانية من القانون، بعمومية شديدة تركت مسألة إيضاحها إلى "اللائحة التنفيذية" للقانون.

وجاءت المادة الثالثة لتحدد عقوبة "الحبس مدة لا تقل عن 3 سنوات ولا تزيد عن 5 وغرامة لا تقل عن 100 ألف جنيه ولا تزيد عن 500 ألف على كل من أساء للرموز والشخصيات التاريخية، وفي حالة التكرار يعاقب (المتهم) بالحبس مدة لا تقل عن 5 سنوات ولا تزيد عن 7 وغرامة لا تقل عن 500 جنيه ولا تزيد عن مليون جنيه". ولكن القانون استثنى من العقوبة التعرض للرموز فى إطار الدراسات والأبحاث العلمية.

"كدة كفاية"... من هم الرموز؟

رفض الدكتور يوسف زيدان التعليق مطولاً على القانون مكتفياً بعبارة: "كدة كفاية... وكتبت تعليقي على القانون على صفحتي بالفيسبوك". وكان قد كتب: "طيب... ولكن ألا يجب أولاً تحديد: من هم الرموز! هل هم السفاحون الراغبون في السلطة ولو على جثث الناس، أم هم المبدعون الذين ساهموا في صناعة الحضارة الإنسانية؟".

"مجرد اقتراح قانون بهذه الصيغة هو في حد ذاته مخالفة قانونية ودستورية وردة حضارية. ففي عام 1831 ألغى القانون الفرنسي هذه الجرائم المتعلقة بالتطاول والإهانة فهل يعقل أن تعود إليها مصر في عام 2017؟"، قال حمدي الأسيوطي، المحامي بالنقض ومؤلف كتاب "ازدراء الأديان" لرصيف22، مؤكداً أنه بحال تطبيق هذا القانون سيكون أداة لمنع تنقية التراث والتعرض لشخصياته التاريخية، الأمر الذي سيغيّر هوية مصر لتكون عالقة بشوائب الماضي فقط.

وبحسب الأسيوطي، سيكون قانون إهانة الرموز التاريخية مصيدة للمفكرين والباحثين والسياسيين في مصر، ولأفراد الشعب والمثقفين أيضاً، فلا اتفاق على مَن هم الرموز الوطنية والتاريخية، فالبعض يرى أن الشيخ محمد متولي الشعراوى رمز ديني.

ويسأل الأسيوطي: "عن أي تاريخ نتحدث؟ هل هو التاريخ القبطي "المنسي" أم التاريخ الإسلامي "الموّجة بأحداث بعينها"؟

ويتابع: "كل الرموز التاريخية عليها تحفظات ولا يوجد اتفاق عليها. فمفجر ثورة 1919 سعد زغلول كتب بنفسه في مذكراته أنه كان مقامراً ويحتسي الخمر، ولو جاء حالياً مفكر وقال هذا الكلام سيعد قوله تطاولاً على رمز وطني وإهانة له".

أقوال جاهزة

شارك غردمشروع قانون إهانة الرموز والشخصيات التاريخية في مصر... لو طُبّق سيكون أداة لمنع تنقية التراث وللتعرض لشخصياته التاريخية

شارك غردإذا تم تطبيق هذا القانون فسيتردد أي باحث في كتابة بحث تاريخي خوفاً من العقوبات

العيب فى الذات الملكية

يحتوي قانون العقوبات المصري على 32 مادة تدور في فلك السب والقذف والإهانة، و"المصطلح الأخير مطاطي"، بحسب الأسيوطي، الذي يقول إن مشروع القانون المطروح "سيعيد جرائم تم إلغاؤها في مصر عقب ثورة يوليو، مثل التطاول على ‘مسند الملكية’ وهو تركيبة النظام الملكي، ثم العيب في الذات الملكية، الذي تطور إلى مواد ‘إهانة الرئيس’".

وجرى تعديل في عهد الرئيس الانتقالي عدلي منصور خفّض عقوبة إهانة الرئيس من الحبس 5 سنوات إلى غرامة 30 ألف جنيه فقط.

ويعاقب القانون المصري على "خدش سمعة العائلات" بالمادة 308 من قانون العقوبات، وبرأي الأسيوطي هي تغني عن أي قوانين أخرى إذ "تضمن حق أي شخص عادي وليس رمزاً تاريخياً".

ويشكك الأسيوطي بفعالية الاستثناء المتعلق بإلغاء العقوبة في إطار الدراسات والأبحاث العلمية، مستشهداً بنماذج تم طردها من الجامعات وتشريدها من وظائفها لا لشيء إلا لأنها انتقدت التراث في أبحاث ودراسات مثل الدكتور الشيخ علي عبد الرازق الذي طرد من جامعة الأزهر بعد رسالته البحثية "الإسلام وأصول الحكم"، وطه حسين الذى أحيل للتحقيق بسبب كتابه "الشعر الجاهلي"، والدكتور منصور فهمي أستاذ الفلسفة الذي منع من التدريس بالجامعات المصرية عقب رسالة دكتوراه حول "أحوال المرأة فى الإسلام"، والدكتور محمد أحمد خلف الله عقب رسالة دكتوراه حول "الفن القصصي في القرآن الكريم".

وبرأي الأسيوطي، إذا تم تطبيق هذا القانون فسيتردد أي باحث في كتابة بحث تاريخي خوفاً من العقوبات.

"ما جاء في التاريخ الإسلامي وما كُتب عن شخصياته التاريخية ليس صحيحاً بالكامل، ونحتاج إلى إقناع الناس بذلك عبر تغيير الخطاب الديني نفسه، وأن تكون دراسة التاريخ وشخصياته علمية، بما فيه من أحداث جيدة أو سيئة، لا أن تكون من جانب واحد فقط"، يقول أستاذ علم الاجتماع السياسي، وعميد كلية الآداب بجامعة القاهرة الأسبق الدكتور أحمد زايد.

بينما ما يحصل، برأيه، هو محاسبة المنتقدين "مثلما حدث مع المفكر إسلام البحيري الذي حُبس بتهمة ازدراء الأديان".

ومصطلح "الإهانة"، بحسب زايد، "مطاطي"، يجب ألا يُثار سواء من الناقد أو من الشخصية محل النقد، فالقاعدة الحاكمة هي أن كل شخص يدلي برأيه ويقدم الدليل والبرهان عليه، أما القوانين فهي خاصة بالحياة والمعاملات اليومية للمواطنين، ولا يجب أن تناقش الأمور الجدلية غير المتفق عليها خاصة في التاريخ".

فالمطلوب، من وجهة نظر زايد، "قراءه تاريخنا بشكل مختلف، ما يتطلّب منح المجددين في الفكر فرصة للتجديد".

"القانون ضد قوى الشر"

"يخدعون الشباب والشعب بتشويه صورتهم ويسعون إلى هدم ثقة المصريين برموزهم التاريخية المؤثرة"، يقول أمين سر لجنة الشؤون الدينية بالبرلمان ومقترح المشروع عمرو حمروش لرصيف22، مشدداً على أن الهدف من القانون ليس قمع الحريات ومحاكمة التفكير، بل حماية المجتمع ورموزه والشخصيات التاريخية مما وصفه بـ"قوى الشر" التي تسعى إلى هدم الثوابت لدى المصريين.

وبرأيه، سيحدّ هذا القانون من موجة التحريض الممنهجة ضد الرموز التاريخية، لافتاً إلى أنه يقصد بالرموز التاريخية "كل مَن قدموا وبذلوا وأعطوا لمصر والحضارة الإنسانية وساهموا فى صناعة تاريخها"، فهؤلاء "يجب حمايتهم من الإساءة إليهم"، مشيراً إلى أن القانون يشمل التعرّض للرموز في كل وسائل الإعلام عدا الدراسات العلمية والبحثية والسوشال ميديا التى يصعب السيطرة عليها.

وأيد عضو لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب النائب محمد الكومي مشروع القانون، من منطلق رفضه "التعدي على الرموز وضرورة احترام التاريخ، والحفاظ على صورة مصر في الداخل والخارج".

وبحسب كلامه، إن "إهانة رموز مصر إهانة لمصر" خاصة أن مصر "شهدت على الساحة مؤخراً مَن يقوم بالتعدي على التراث والتاريخ المصري ورموزه بشكل ممنهج".

دعاوى الحسبة في ثوبها الجديد

"دعوى الحسبة هي تلك الدعوى التى يرفعها صاحبها مطالباً فيها، بدون تفويض، بحق غيره من البشر، أو مطالباً بحق الله، محتسباً من وراء ذلك نيل الثواب، دون أن تكون له بالضرورة مصلحة شخصية دنيوية متوخاة من وراء دعواه". ووفق هذا التعريف، يحق لأي شخص إقامة دعوى قضائية ضد أي مفكر، وقد تم استخدام "دعوى الحسبة" ضد إسلام البحيري وسيد القمني ونوال السعداوي ونصر حامد أبو زيد وغيرهم.

مشروع قانون إهانة الرموز والشخصيات التاريخية في مصر... النص الذي سيغيّر هوية مصر لتكون عالقة بشوائب الماضي فقط

فحينما تعرّض لـ"الأئمة الأربعة"، أبي حنيفة النعمان ومالك بن أنس والشافعى وابن حنبل، وهم الرموز الدينية التاريخية للمذاهب السنية الأربعة، وشكك بصحة بعض الأحاديث النبوية، تدخل الأزهر لمحاكمة البحيري، فتم حبسه بتهمة "إزدراء الدين الإسلامي" بموجب حكم لمحكمة جنح مستأنف مصر القديمة، في يناير من العام الماضي.

وجاء في بلاغ للنائب العام أن "ما يبثه من أفكار شاذة، خلال برنامجه على إحدى الفضائيات، يمس ثوابت الدين وينال من تراث الآئمة المجتهدين المتفق عليهم، ويسيء لعلماء الإسلام، ويعكر السلم الوطني، ويثير الفتن".

وكان المفكر المصري سيّد القمني محل جدل دائم بسبب هجومه على كتب التراث الإسلامية وشيوخ الأزهر، وطالب بإقالة شيوخ الأزهر فى أحد لقاءاته قائلاً: "لو أردنا الإصلاح بجد، علينا أولاً الإغلاق على هؤلاء. يا مصريين أقيلوا مشايخ الأزهر تصحّوا، لا تستضيفوا المشايخ فى التلفزيونات ستصيرون أفضل وزي الفل. صلِّ وأدِّ الفروض التي طلبها الله منك. امتنع عمّا نهاك عنه لكن لا تُخرج بلاويك على المجتمع"، مطالباً باعتبار الأزهر منظمة إرهابية، الأمر الذي أدى إلى رفع عدة دعاوى قضائية ضده.

وكانت عبارة "السادات دمر مصر" التي قالتها نوال السعداوي، مضيفةً أن عهد الرئيس الراحل أنور السادات سيىء جداً، وأنه السبب في تدمير مصر أخلاقياً واقتصادياً واجتماعياً، سبباً في إثارة الرأي العام وأسرة السادات ضدها. ولو كان مشروع قانون "إهانة الرموز التاريخية" سارياً لتسبب بحبسها.

كلمات مفتاحية
حرية التعبير مصر

التعليقات

المقال التالي