تجربة النادي العلماني... هل يكون النضال الجامعي فاتحة للتغيير في لبنان؟

تجربة النادي العلماني... هل يكون النضال الجامعي فاتحة للتغيير في لبنان؟

في خطوة لافتة في تاريخ الانتخابات الجامعية في لبنان، فاز النادي العلماني في الجامعة الأميركية في بيروت، للمرة الثانية، بأعلى منصب طلابي في مجلس الطلاب والأساتذة، بعدما فازت مرشحة النادي ميرا زين الدين بمنصب "نائب الرئيس"، وعضو النادي فرح بابا بمنصب أمينة السر.

بذلك، يكون النادي قد أحرز مقعدين من ثلاثة جرى التنافس عليها في انتخابات الهيئة الإدارية للمجلس.

وكان الطلّاب المنتمون لحملة "الخيار الجامعي" Campus Choice التي يشكّلها النادي قد ترشّحوا لمناصب الهيئة الإداريّة الثلاثة في لائحة مكتملة في الجولة الثانية من الانتخابات.

المرحلة الأولى أجريت في 13 أكتوبر 2017، وشهدت تقاسم مقاعد المجلس بين الحملات الثلاث المتنافسة: حصد تحالف 8 آذار 7 مقاعد، والنادي العلماني 6، و14 آذار والتيّار الوطني الحر 6.

تقدم النادي العلماني في مجلس الطلاب والأساتذة هو الثاني من نوعه خلال السنوات القليلة الماضية، فمنذ 4 سنوات فازت المرشحة جنان أبي رميا بالمقعد نفسه متفوقةً على بضعة أحزاب متحالفة.

لم يتوقف النادي العلماني عن التحضير بشكل متواصل لمشروعه الذي كان عليه أن يعرضه على عدد من الأساتذة عبر مرشحيه، حتى نال استحساناً وإعجاباً واضحين، لأن عمله لم يقتصر على الجامعة الأميركية بل امتد ليشمل مشاركات واسعة في عدة حملات وطنية طامحة للتغيير في لبنان.

INSIDE_AUBSecularClub3

من هو إذاً مجلس الطلاب والأساتذة؟

هو مجلس يضم 25 عضواً، يتكون من أساتذة من الجامعة الأميركية، يمثلون كليات مختلفة، ومن ممثلي عدة أحزاب وتحالفات تقدمت في الانتخابات الطلابية، بينها النادي العلماني.

يحضر الجميع اجتماعات المجلس التي يكون نائب الرئيس مسؤولاً عن الدعوة إليها وتنظيمها، بالإضافة إلى الممثلين والأساتذة، ويكون رئيس الجامعة الدكتور فضلو خوري حاضراً.

تقول الفائزة بمقعد نائب الرئيس في المجلس ميرا زين الدين إن التقدم الذي أحرزه النادي إيجابي، ويفرض علينا مسؤولية كبيرة أيضاً: "بين الدراسة والحياة الجامعية، أعلم جيداً أن الفوز بهذا المنصب يجلب مسؤوليات إضافية وتوقعات جمة. نحن اليوم بتنا مسؤولين عن حمل صوت الطلاب، ولكنني متفائلة".

وتضيف: "سأعمل بلا ملل لتحقيق ما باستطاعتي تحقيقه كي تصبح جامعتنا مكاناً يحوي الجميع. علينا أولاً كسر الجليد ووضع خطط عمل واضحة. أنا على يقين أن أصواتنا ستصل".

علماً أن التحديات الكثيرة هي التي دفعت النادي العلماني إلى بذل المزيد من الجهود. تقول زين الدين: "خلال المقابلات التي يجريها الأساتذة المسؤولون معنا للتأكد من قدرتنا على الاستمرار في الانتخابات وتحمل المسؤولية في حال فوزنا، سُئلت هل أملك ما يكفي من الوقت لتحمل هذه المسؤولية، إذ كنت أعلم جيداً أن الطريق ليس سهلاً، ولكنني شعرت بدافع كبير لقبول التحدي".

أهداف النادي المحلية تخدم مصلحة الطلاب جميعاً ولا تركز على فئة دون أخرى بحسب زين الدين، التي تشرح لرصيف22 بعض الاهداف المتفق عليها: "يهمنا دائماً أن نختار أهدافاً تهم شرائح مختلفة من الطلاب، مثل السعي إلى إطالة دوام عمل الكافيتريا، الذي قد يبدو مطلباً بسيطاً، ولكنه متعلق أيضاً بمطلبنا الثاني وهو خفض أسعار المأكولات فيها".

كذلك يبرز مشروع إقامة فسحة دراسية مشتركة، هدفها تشجيع الطلاب على التعاون دراسياً في ما بينهم.

أقوال جاهزة

شارك غردإنجازات خارج إطار سيطرة الأحزاب السياسية التقليدية في لبنان... تجربة النادي العلماني في الجامعات اللبنانية

انطلاقة النادي العلماني

تأسس النادي العلماني في الجامعة الأميركية في بيروت عام 2008 واعتُبر من التجارب الشجاعة، خاصة أن اقتراح تأسيسه حصل مباشرة بعد أحداث شهر مايو التي عصفت بلبنان يومذاك. وفي خريف العام نفسه، تم قبول طلب تأسيس النادي الذي باشر أعماله، يقول علي نور الدين، أحد الأعضاء المؤسسين.

نور الدين، الذي لم يعد عضواً في النادي اليوم، متمسك بأهمية التقدم الأخير للنادي: "حقق النادي عدة إنجازات لافتة، بدأنا بمقعد تمثيلي واحد قبل سنوات، واليوم حصدنا 6 مقاعد".

تبدو التجربة النسائية بارزة أيضاً في النادي، كون ميرا زين الدين الطالبة الثانية في النادي العلماني تحصد مقعد نائب الرئيس. علماً أن انخراط المرأة في الشأن السياسي واضح من خلال فوز 5 طالبات وطالب واحد بالمقاعد التمثيلية الستة. وبذلك يؤكد نور الدين أن زمن تهميش دور المرأة في الجامعة انتهى.

INSIDE_AUBSecularClub2

ومن المتغيرات التي شهدتها الجامعة، بحسب نور الدين، عمل الأحزاب الأخرى الدؤوب لإثبات جهودها، يقول: "كانت الاحزاب والتحالفات تعتمد على قوة نفوذها على الأرض وانتماء كثيرين إليها بطرق عشوائية للفوز بالانتخابات. أما اليوم، فبات على الجميع إثبات الإنجازات التي حققوها خلال فترات تمثيلهم الطلاب، وهذا ما حتّم على منافسينا مضاعفة الجهد والعمل على تنفيذ وعودهم لحصد أكبر عدد من الأصوات".

من هذا المنطلق، باتت الجامعة تشهد محاولات حقيقية للتغيير من أطراف متنوعة بهدف الفوز بالانتخابات، كما غدا وجود النادي العلماني يؤمن فرصة للمستقلين للانضمام إلى الحياة السياسية الجامعية من دون الحاجة إلى الانتماء لأي من الأحزاب التقليدية، وبذلك لا يعود العمل الاصلاحي السياسي مرتبطاً بمشاريع حزبية خارج أسوار الجامعة.

تجارب الجامعات الأُخرى

"في السنوات الماضية اقتصر دور النادي العلماني في جامعة القديس يوسف (اليسوعية) على المساهمة في إنشاء لوائح مستقلة (أكاديمية بحتة) في جميع كليات الجامعة وصولاً للسنة الماضية، إذ عمل على تأسيس حملة "صفحة بيضاء" اللاسياسية، التي أحرزت نتائج غير متوقعة في وجه الأحزاب التقليدية". هذا ما يشرحه النادي العلماني في جامعة القديس يوسف قبل إعلانه القرار الأخير الذي دخل النادي بموجبه الانتخابات هذه السنة بإستراتيجية جديدة، هي إنشاء حملة "طالب" العلمانية ذات الآراء السياسية الواضحة.

يقول النادي: "هذه الخطوة بدأت مع قيادات شبابية جديدة في النادي ومن قلب قلعة الأحزاب هوفلان، مدركين أنها لن تكون مهمة سهلة".

هذه الخطوة، بحسب النادي، أثمرت ثماراً عدة، أهمها الخرق الكبير الذي حققته لائحة "طالب" لدى إحرازها 5 مقاعد في كلية الحقوق مقابل 6 لتحالف 14 آذار، ومقعداً في كلية الاقتصاد مقابل 5-5 للأحزاب.

وكانت حملة "طالب" أدخلت لأوّل مرّة في تاريخ الجامعة عناوين عريضة كالعلمانية، والزّواج المدني، والدفاع عن حقوق المرأة وحقوق المثلية، والكثير من القضايا المدنية في لبنان.

وبحسب النادي أيضاً، ستكون "طالب" الحملة السياسيّة للنّادي في السّنوات المقبلة وستستمر في التّوعية السياسيّة والعمل النّقابي الطلابي من خلال اللجان المختصة.

الحركة الطلابية قبل الحرب وبعدها

خلال طاولة مستديرة حول موضوع "الشباب والسياسة: بين العزلة والانسياق الحزبي"، أقامتها جامعة القديس يوسف، ببيروت في أكتوبر 2016، قال الرئيس الأسبق لرابطة الأساتذة المتفرغين في الجامعة اللبنانية الدكتور عصام خليفة: "على الشباب تسلم زمام المبادرة".

وأضاف خليفة الذي قدّم يومذاك نبذة عن نضاله في الجامعة اللبنانية في سبعينيات القرن الماضي، أن القضايا التي حفزت الطلاب على التظاهر والعصيان يومذاك كانت: أهمية تخرّج الطلاب، وضمان حصول ذلك برغم الحرب والانقسامات، وأهمية مشاركتهم في إدارة الجامعة.

ومن الوسائل التي استخدمها خليفة ورفاقه كانت مجلة "الوعي" التي أطلقوها لنشر أفكارهم ومطالبهم لتتحوّل إلى "حركة الوعي" التي تصدرت يومذاك عناوين عدد من الصحف المحلية لما حملته من مطالب شاركها الطلاب مع المواطنين كافة، عبر المذكرات والمؤتمرات الصحافية والجمعيات العمومية والتظاهرات.

نالت "حركة الوعي" نصيبها أيضاً من التعنيف ومحاولات القمع الذي سردها خليفة بطريقة موجزة هدفت إلى حثّ الطلاب على السعي وراء التغيير، "على الرغم من الأثمان التي قد يضطر الطالب إلى دفعها"، بحسب خليفة.

كانت "حركة الوعي" بعيدة عن الأحزاب ومستقلة وغير مدعومة من أي شخصية أو طرف سياسي، وهو أمر "قلّما نجده في جامعاتنا اليوم"، بحسب خليفة الذي بدا ممتعضاً من المحسوبيات المهيمنة على الجامعات الرسمية والخاصة. إلا أن الحركة نجحت بإحداث تغييرات ملحوظة، لعل أبرزها تلخّص بتعديل قانون المشاركة (67/75) في الجامعة اللبنانية وقوانين أُخرى.

وقال خليفة في معرض سرده أحداث عام 1970 "كنا على تفاهم جيد مع الأساتذة، وهذا ما كوّن قوة ضاغطة على إدارة الجامعة، إلا أن الوضع اليوم مختلف لأن المحسوبيات تفاقمت إلى حد تدخل الاحزاب في رفع علامات الطلاب".

أمل للتغيير السياسي في لبنان

تُعدّ تجربة النادي العلماني التي هي في طور التقدم يومياً، فاتحة للتغيير المرتجى في لبنان بسبب تنوع الفئات المنتمية للحركة الجامعية، بالإضافة إلى خطابها الذي يعد معتدلاً، وأولوياتها التي تنطلق من التنمية المستدامة إلى العدالة الاجتماعية والحقوق المدنية.

INSIDE_AUBSecularClub

خطوة فوز النادي بالمقاعد الستة هي خطوة إيجابية بارزة، قد تكون فاتحة لنضال سياسي أوسع. وعليه، يؤكد نور الدين أن مشاركة أشخاص من خلفيات طلابية متنوعة كانت واضحة في المبادرات والتجمعات السياسية الجديدة، منها "بيروت مدينتي" وأخيراً مشروع الشبكة السياسية "مدى".

ويقول علي نور الدين: "الطلاب الذين نجحوا في تحقيق خروق إيجابية في الجامعة انتقلوا لتحقيق تقدم على الأرض. هؤلاء هم اليوم الأكثر كفاءة، وقد ينجحون في  قلب الموازين السياسية إن قرروا الانخراط في العمل السياسي خارج أسوار الجامعات". ويختم "إذا تم التعاون في ما بينهم على مستوى وطني، فهم قادرون على فرض وجودهم، وهو أمر لا بد أن يكون ذا تأثير إيجابي مستقبلاً في لبنان".

لونا صفوان

لونا صفوان، صحافية لبنانية. عملت في عدد من المواقع الإلكترونية الناطقة باللغتين العربية والانكليزية على تغطيات أحداث الربيع العربي، الرقابة والحريات الصحافية.

التعليقات

المقال التالي