الآثار السياسية والعسكرية للكوارث الطبيعية في بلاد العرب والمسلمين

الآثار السياسية والعسكرية للكوارث الطبيعية في بلاد العرب والمسلمين

 

في التاريخ العربي والإسلامي، لم تُحسم المعارك العسكرية دائماً بفضل الخطط المحكمة أو بفضل شجاعة الجنود، كما لم تنتج التغييرات السياسية دائماً عن حنكة السياسيين. فكثيراً ما تدخلت الكوارث الطبيعية من زلازل وسيول ومجاعات وأوبئة لتغيير أوراق اللعبة لمصلحة أحد الطرفين.

في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، كان المسلمون على موعد مع أول كارثة طبيعية امتزجت برائحة السياسة. روى محمد السيد الوكيل في كتابه "جولة تاريخية في عصر الخلفاء الراشدين" أن وباءً عُرف باسم طاعون عمواس (نسبة إلى البلد التي ظهر فيها) انتشر في بلاد الشام بعد فتح المسلمين، وذلك بسبب كثرة عدد القتلى من جنود المسلمين والروم.

وتسبب هذ الوباء بمقتل بعض كبار قادة الجيش الإسلامي كأبي عبيدة الجراح، ومعاذ بن جبل، وسهيل بن أبي سفيان، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام وآخرين.

وروى الوكيل أن عمر بن الخطاب كان قد عزم على الخروج إلى الشام، ولكن أمراء الأجناد استقبلوه على الحدود، وأخبروه بأن الأرض سقيمة وأن الوباء يعصف بأرواح الناس وطلبوا منه العودة.

وفي هذه الأثناء، انقسم الناس إلى قسمين: الأول يرى ضرورة الرجوع فراراً من الوباء وآخر يصرّ على البقاء، وكانت النتيجة أن استقر عمر على العودة إلى المدينة بينما بقي فيها من جنود المسلمين مَن بقوا.

وبحسب الوكيل، عرّض النقص الحاد في عدد جنود المسلمين وقادتهم بسبب الوباء عمليات الفتح لعواقب وخيمة في ظل مخاوف من مجيء الروم مرة أخرى إلى بلاد الشام ومحاولة استردادها.

ولما انكشف الوباء، خرج عمر متوجهاً إلى بلاد الشام ليقف بنفسه على أحوالها، وأطلق الشواتي والصوائف (حملات عسكرية كانت تخرج بانتظام في الصيف والشتاء)، وسد الثغرات وعيّن الأمراء في الجهات المختلفة فقطع بذلك الطريق أمام عودة الروم مرة أخرى للشام، ونجا المسلمون من هزيمة كان يمكن أن تتسبب بها كارثة طبيعية.

سقوط الإخشيديين

وربما كان الدور الأبرز للكوارث الطبيعية إسقاط دول لمصلحة أخرى. عندما ضربت مصر مجاعة، عجّل ذلك بسقوط الدولة الإخشيدية واستيلاء الفاطميين عليها.

سقوط-الإخشيديين

وروى الدكتور عمرو عبد العزيز منير لرصيف22 أن الغلاء الشديد استمر تسع سنوات بسبب نقص فيضان النيل، ما أدى إلى القحط الشديد وكثرة الثورات الشعبية التي عصفت بالإخشيديين في سنة 969.

الحملات الصليبية

غير أن تأثير الكوارث الطبيعية على سير المعارك فرض نفسه أكثر مع الحملات الصليبية التي بدأت تزحف على الأراضي العربية عام 1097. ذكر محمد حمزة صلاح في دراسته "الكوارث الطبيعية في بلاد الشام ومصر 1097- 1517" أن بلاد الشام تعرّضت عام 1098 لطاعون أجّل الصليبيون بسببه زحفهم إلى بيت المقدس.

ولعبت الكوارث دوراً ضد الصليبيين في عام 1125، حين حاصروا مدينة حلب، فجاءهم سيلٌ أغرق عدداً كبيراً منهم ومن دوابهم وأتلف مجموعة كبيرة من عتادهم، ما جعلهم يفكّون الحصار ويرحلون عن المدينة.

في المقابل، كان لسقوط الثلج بكميات كبيرة دورٌ في هزيمة الصليبيين أثناء مهاجمتهم سهل البقاع في لبنان سنة 1251، إذ أعاق حركتهم ومكّن شمس الدولة توران شاه، أخو صلاح الدين، وكان نائباً عن أخيه على دمشق آنذاك، من مباغتتهم.

أقوال جاهزة

شارك غردمن طاعون عمواس الذي قتل قادة حملة فتح المسلمين للشام إلى زلزال ضرب الأستانة وشغل السلطة بعاصمتها.. كوارث طبيعية تركت آثاراً كبيرة على حياة العرب والمسلمين السياسية والعسكرية

شارك غردكثيراً ما تدخلت الكوارث الطبيعية من زلازل وسيول ومجاعات وأوبئة لتغيير أوراق اللعبة لمصلحة أحد طرفي النزاع في بلاد العرب والمسلمين

ومثلما لعبت الكوارث دوراً في ترجيح كفة على أخرى، ساهمت أيضاً في بقاء الحال على ما هو عليه. "لما حدثت زلازل في بلاد الشام سنة 1170، تعرّضت حصون وقلاع المسلمين والصليبيين على حد سواء للدمار، وانشغل الجميع بعمارة ما تهدم، وتوقفت العمليات الحربية بينهم"، ذكر حمزة.

وفي سنة 1190، انحازت العواصف للصليبيين أثناء حصارهم لعكا. "أرسل السلطان صلاح الدين الأيوبي للمحاصرين سبع سفن محملة بالإمدادات، ولكن الرياح العاصفة أغرقتها، ما ساهم في عدم صمود المدينة وعجّل بسقوطها".

وكان للوباء دور حاسم في سيطرة الصليبيين على مدينة المنصورة بدلتا مصر أثناء حملتهم الخامسة عام 1219. حاصروا المدينة لمدة طويلة، فانتشرت المجاعة والوباء بين سكانها، ما اضطر أهلها إلى الاستسلام.

وبعد مرور 31 عاماً، وتحديداً في سنة 1250، انتشر الوباء ذاته بين جنود الحملة الصليبية السابعة، ما دفع لويس التاسع إلى اتخاذ قرار بالانسحاب من المنطقة المحاصرة الموبوءة إلى دمياط، ما عجّل بهزيمة الحملة.

وكان للعواصف الكلمة العليا في عام 1299، لمصلحة العرب أيضاً. حدثت عاصفة شديدة في البحر المتوسط مقابل سواحل بيروت أدت إلى غرق بعض سفن الصليبيين الذين كانوا يحاولون مهاجمة المدينة في ذلك الوقت، ذكر حمزة.

ضم الأماكن المنكوبة

تسببت الكوارث الطبيعية أيضاً بضم بعض المناطق المنكوبة إلى الدول أو السلطة الحاكمة المجاورة لهذه المناطق، ما أدى إلى تغيير الجغرافيا السياسية على الأرض في بعض الفترات.

روى حمزة "عندما ضربت الزلازل بلاد الشام سنة 1114، خربت قلعة عزاز (شمال سوريا) وهرب واليها (المرعراوي) إلى حلب، وهناك قتله لؤلؤ الخادم لما بينهما من مشاحنات سابقة، واستولى على هذه القلعة وضمها للمناطق الخاضعة لنفوذه".

ولما حدثت مجاعة في دمشق سنة 1154 استسلمت المدينة لنور الدين بن زنكي الذي حكم حلب بعد وفاة والده، وقام بتوسيع إمارته بشكل تدريجي.

وبحسب حمزة، دمّر زلزال مدينة شيزر (مدينة سورية تقع على نهر العاصي) سنة 1157، فتوجه إليها ابن زنكي وضمها إلى مناطق حكمه، بعد أن كانت بيد آل منقذ (أسرة عربية من بني كنانة) لمدة 120 سنة، وعمّر أسوارها ودورها.

اضطرابات داخلية

أسفرت الكوارث الطبيعية أيضاً عن حدوث اضطرابات داخلية شهدتها بلاد الشام ومصر خاصة عند تفشي الطواعين وحالات الجفاف والمجاعات. "حدثت مجاعة في مصر سنة 1194 – 1195 فسادت فوضى عامة نتيجة فقدان المواد الغذائية الرئيسية في الأسواق"، روى حمزة.

ولما حدث جفاف في بلاد الشام سنة 1359، حدث نقص حاد في المياه خاصة في دمشق وحوران، فانتشرت الفوضى والاضطرابات نتيجة اقتتال الناس على موارد المياه.

ولما حدث جفاف ومجاعة في بلاد الشام خلال السنوات 1394 – 1396 احتكر بعض رجال الدولة الكبار السلع في مدينة دمشق، وفقدت المواد الغذائية فيها، فقام عامة الناس بالثورة وإحداث الفوضى والاضطرابات العنيفة، ما أدى إلى مقتل ابن احد كبار المحتكرين ويدعى ناصر محمد بن النشو.

المغرب والأندلس

ولم تنأ بلاد المغرب والأندلس عن التأثيرات العسكرية والسياسية للكوارث الطبيعية. ذكر عبد الهادي البياضي في كتابه "الكوارث الطبيعية وأثرها في سلوك وذهنيات الإنسان في المغرب والأندلس" أن القرن الثالث عشر شهد موجات من الجفاف اندلعت على أثرها مجاعات طاحنة تركت بصماتها على الأوضاع السياسية حينئذ.

فألمّت بالمغرب مجاعة عام 1210 امتدت تأثيراتها على مدى سنتين، وكانت سبباً في هزيمة الخليفة محمد الناصر الموحدي على يد تحالف الجيوش الأوروبية في موقعة العُقاب بالأندلس عام 1212، ما شجع قبائل بني مرين على اكتساح شرق المغرب وبسط السيطرة على سهوله.

واصطلى المغاربة مرة أخرى بنار القحط والمجاعة التي امتدت من عام 1220 إلى عام 1239 وهي المعروفة بـ"أيام المجاعة"، وكانت مجاعة 1239 أخطرها، إذ اشتد الغلاء واختفى الطعام بمدينة سبتة في هذا العام، وذكر البياضي أن هذه المجاعة الشديدة شجعت ثوار بني مرين على اكتساح باقي أجزاء المغرب.

وبعد قضائهم على الوجود الموحدي بالمغرب نهائياً عام 1270 أخذ بنو مرين في ترتيب أمورهم الداخلية والإعداد لمنازلة الجيش المسيحي في الأندلس، والذي كان يحكم الحصار على أشبيليه، غير أنهم انشغلوا بأمورهم الداخلية بعد أن تأثر المغرب بمجاعة عام 1275 وكان وقعها شديداً في رجراجة وفاس بينما ألّم جفاف شديد عانى منه عوام رُندة (تقع في ملقا جنوب أسبانيا).

وبحسب البياضي لما توجه السلطان أبو عنان المريني عام 1357 لإخضاع قسنطينة، أعاقته في طريقه رياح وأعاصير قوية وفيضانات جارفة، فعجز رجاله عن تحويل مجرى السيول، فأمر بجمع المتاع والعتاد استعداداً للرحيل.

ولاحظ البياضي أن الفترات التاريخية التي شهدت قحطاً ومجاعات تزامنت مع مراحل الفتن والثورات. فقد شهدت منطقة سوس مجاعة قاسية عام 1147 تزامنت مع اندلاع ثورة الماسي التي قام بها محمد بن هود بن عبدالله الذي انقلب على الخليفة عبد المؤمن الموحدي بعد أن بايعه، وسيطر على تامسنا وبلاد أخرى وبايعته قبائل كثيرة، لكن الخليفة أرسل له جيشاً كبيراً قضى على ثورته.

وأعقبت مجاعة عام 1148 ثورة أهل سبتة على الموحدين، ثم اندلعت ثورة أبي مزكيدة (ثائر من برغواطة على الساحل الأطلسي) بتامسنا سنة 1149، وفيها أيضاً ثار السبتيون على عامل الموحدين.

فتوحات الدولة العثمانية

وخلال توسعاتها واجهت الدولة العثمانية عدداً من الكوارث الطبيعية التي أثرت إيجاباً وسلباً في مسيرتها.

في كتابه "تاريخ الدولة العثمانية"، روى الدكتور عبد اللطيف الصباغ أن السلطان أورخان بن عثمان (1327 – 1360) استغل انهيار أسوار مدينة غاليبولي (تقع على مدينة الدردنيل) عام 1357 وفرار أهلها منها إثر زلزال ضرب المنطقة، فدخلتها القوات العثمانية، واتخذتها قاعدة لتوسعاتها في البلقان.

وبعد وفاة السلطان العثماني محمد الفاتح عام 1481، حدث نزاع على العرش بين ابنيه بايزيد وجم. وكانت السلطة حينذاك تواجه تحديين: تحدي توسع روسيا على حساب الدولة العثمانية، وتحدي تجاوزات الممالك المسيحية في الأندلس عام 1499، والذي استجاب له بايزيد بالفعل من خلال إرساله أسطولاً بحرياً لنصرة المسلمين حقق بعض الانتصارات، لكنه لم يكن بالقوة التي تقلب المعادلة في شبه الجزيرة الأيبيرية، حسبما ذكر الصباغ.

وقد أثرّت الكوارث الطبيعية سلباً على قوة بايزيد عسكرياً وقتئذ، إذ ضربت الأستانة وقتذاك زلازل فتهدم ما يربو على الألف بيت وعدد كبير من المساجد والقصور والقلاع والأسوار المحيطة بالمدينة، كما زاد المد البحري في القرن الذهبي حتى هدد المدينة ذاتها.

وبسبب ذلك، أمر بايزيد الثاني 15 ألفاً من عماله بإصلاح ما تهدم، ما كلف خزانة الدولة مبالغ طائلة أثرت سلباً على سير العمليات الحربية في ممالك العثمانيين في الجانب الأوروبي.

كلمات مفتاحية
التاريخ

التعليقات

المقال التالي