سعد هلالي... الفقيه ابن الدولة الذي يحتمي بالإعلام

سعد هلالي... الفقيه ابن الدولة الذي يحتمي بالإعلام

لا تمر فترة من الزمن بدون أن يخرج أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر سعد الدين هلالي بتصريحات سجالية، ولطالما عُرف بإثارته للجدل وبخوضه معارك فقهية مع جماعات الإسلام السياسي بل ومع الأزهر الذي ينتمي إليه.

إذا أردنا أن نتتبع ظاهرة الهلالي فسنجد سلسلة طويلة من الآراء والتصريحات التي يمكن أن نرى فيها تناقضات، فهي تتنوع بين آراء يمكن إدراجها ضمن محاولات التجديد الديني، وأخرى هدفها أقرب إلى تأييد للسلطة، وثالثة تعطي شعوراً بأنها صدرت حرصاً على الظهور الإعلامي...

رسل الله والراقصة الشهيدة

من تصريحات هلالي التي وضعها كثيرون في إطار تغزّله بالسلطة، ما قاله في حفل تكريم أسر ضحايا الشرطة المصرية في فبراير 2014، حين شبّه وزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي ووزير الداخلية محمد إبراهيم بالنبي موسى وأخيه هارون، معتبراً أنهما من رسل الله.

وقال: "ما كان لأحد أن يتخيل أن سنة الله تتكرر ويأتي مَن يقول لا إسلام إلا ما نمليه عليكم (قاصداً الإخوان المسلمين)... ويقيّض الله للمصريين مَن يقف في مواجهتهم لكي يحقق أن يكون الدين لله كما أمر الله فابتعث الله أيضاً رجلين، كما ابتعث وأرسل من قبل رجلين موسى وهارون أرسل السيسي ومحمد إبراهيم".

ومن تصريحاته التي اعتبر البعض أن هدفها "تشريع" بعض الممارسات التي تقوم عليها السياحة في مصر، في مواجهة الإسلاميين، قوله في مقابلة تلفزيونية إن الراقصة تعتبر شهيدة إذا كانت خارجة لأداء فعل مباح شرعاً، وقوله في مقابلة أخرى إن "البيرة" حلال بالقدر الذى لا يُسكر طبقاً لرأي أبي حنيفة.

ومن أبرز آرائه الحديثة التي وصفه البعض بسببها بأنه "فقيه السلطان" قوله بعدم وقوع الطلاق شفوياً، بالتزامن مع دعوة السيسي إلى ضرورة توثيق الطلاق لكي يقع ما أدخله في سجال مع شيخ الأزهر أحمد الطيّب. ولكن هذا الرأي يمكن وضعه أيضاً في إطار محاولات التجديد الديني.

"جميع الآراء اجتهادات"

وأمام الاتهامات التي طالته بسبب رأيه في مسألة الطلاق الشفهي، يقول هلالي "إن العقد الذي كان موثقاً ابتداءً لضمان صحته يجب أن يوثّق انتهاءً أيضاً، فالزواج والطلاق في الإسلام كان يتم شفاهةً حتى صدور التشريع القانوني عام 1931".

ويضيف لرصيف22: "جميع الآراء الفقهية في الإسلام هي اجتهادات شخصية وتعبّر عن فهم الفقيه للنص، وهذا الفهم يتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال".

ويشير إلى أن الطلاق كان يتطلب توثيقاً في مصر منذ العام 2000 واستمر ذلك خمس سنوات، قبل أن يتم إلغاؤه بموجب حكم من المحكمة الدستورية العليا، مضيفاً: "نحن لا ننادي بجديد بل نريد تصحيح المسار كما كان في السابق".

أقوال جاهزة

شارك غردسعد الدين هلالي.. فقيه للسلطان أم صاحب منهج يتصادم مع سلطوية الأزهر لأنه امتداد لتيار محمد عبده؟

شارك غردسعد الدين هلالي.. "لو لم يكن مشهوراً ولو لم يوالِ السلطة، لما استطاع الجهر بآرائه الدينية على الملأ"

وينفي الرجل عن نفسه تهمة "فقيه السلطان"، ويقول عن تزامن دعوته لتوثيق الطلاق مع دعوة السيسي: "لا يوجد ارتباط بين رأيي ودعوة السيسي، فالقانون كان موجوداً بالفعل ونحن ننادي بإعادة العمل به تحقيقاً للصالح العام".

آراء في خدمة "الدولة الحديثة"

لهلالي عدة آراء توافق رغبات السلطة وتؤيدها بشكل كبير، وآراء أخرى يمكن اعتبارها داعمة لفكرة الدولة الحديثة بشكلها الرأسمالي، بمعزل عن السلطة. فهو قال عدة مرات إن المتغيرات العالمية الحالية تفرض تغيير الفقه ليتناسب مع العصر، وهو يتنصر لدولة القانون على حساب الدولة الدينية.

وعدا رأيه بالطلاق الشفوي، أثار رأيٌ آخر شهير له سجالاً خلاصته أن أجر مقدم الخمر حلال وليس حراماً، وهو ما يتماشى مع القانون المصري الذي يبيح بيع الخمر وتقديمه، فلو صدرت فتوى بتحريم الخمر سوف تتأثر الدولة اقتصادياً، وهو يريد الدفاع عن بعض أسسها الاقتصادية، ومنها قطاع السياحة.

ويشير أستاذ الفلسفة بجامعة الإسكندرية أشرف منصور إلى أن سعد هلالي وجميع فقهاء السنة بمذاهبهم الأربعة مؤيدون للسلطة بطبيعتهم، و"إذا نحونا قليلاً نحو نقد السلطة فذلك يعني شيئين: إما التداخل مع التيار الشيعي الذي كان مناهضاً للسلطة السنية المفروضة، أو مع تيارات الإسلام السياسي التي لها سردية أخرى وفقه آخر، يمكن أن يناهض الدولة أو يواليها بحسب المصلحة السياسية".

ويضيف منصور لرصيف22 أن أغلبية فقهاء السنة يرتبطون بالسلطة السياسية، نظراً لسطوتها من ناحية، والمنطلقات الفكرية للفكر السني ذاته من ناحية أخرى، فهم يبررون ولاية المتغلب، والجويني على سبيل المثال، وهو فقيه شافعي ويعد أحد أبرز علماء السنة عامةً والأشاعرة خاصة، يشرح ويبرر نظرية الولاء للحاكم المتغلب.

ويوضح أن الفقه الإسلامي متسع بشدّة، وفيه من الآراء ما يمكن أن تستدل به على أي شيء ترغب فيه، لافتاً إلى أن أي باحث يستطيع الإتيان بأدلة وشواهد تثبت أن الطلاق على سبيل المثال، لا يقع إلا بتوثيقه، فالقرآن تحدث في بعض آياته عن التوصية بتوثيق العقود مثل "إذا تداينتم بدين فاكتبوه".

بدوره، يرى الباحث المختص في الفكر الإسلامي أحمد سعد زايد أن كل الأزهريين يُعتبرون فقهاء للسلطة بشكل ما، وسعد هلالي ليس استثناءً من بينهم، لكن في الوقت نفسه له آراء عدة ربما لا توافق هوى السلطة.

بين الفتوى وعرض الآراء الفقهية

ويفرّق الباحث في الفكر الديني جمال عمر بين الفتوى وعرض الآراء الفقهية على اختلافها، ويقول لرصيف22: "سعد هلالي لا يفتي. هو يعرض آراء الفقهاء فقط، ويصادف أن يعرض رأياً فقهياً إسلامياً لأقلية لم تسُد فيعتبره عموم الناس، وحتى المتخصصون السلطويون، رأياً شاذاً عن الإجماع، وهذا هو سبب انقلاب الأزهر عليه".

ويضيف أن هلالي، باعتباره أستاذاً مختصاً في الفقه المقارن، يعرض جميع الآراء ويُظهر بذلك التعدديّة في الفكر الإسلامي، "هذه التعددية التي تخالف مبدأ الإجماع الذي تلتف حوله أية سلطة أو كهنوت"، فيتصادم مع جماعات الإسلام السياسي مثل الإخوان المسلمين، ومع الأزهر ذاته "كسلطة دينية تنحاز إلى رأي واحد وتريد تعميمه، بدعوى أنه لا يجب عرض جميع الآراء حتى لا يتشتت الناس وتزداد حيرتهم حول أمور الدين".

"التعددية في مواجهة الكهنوت"

"سعد هلالي يحاول أن يرفع الوصاية عن الدين واحتكار جماعة معينة للرأي الواحد"، يقول عمر، موضحاً أن ظهور العديد من المستجدات السياسية والاقتصادية مثل الثورة الإيرانية وما ارتبط بها من محاولات لنشر التشيّع، فضلاً عن تدفق أموال السعودية ودول الخليج في السبعينيات والثمانينيات من القرن لماضي، كان له أثر كبير في محاولات كل فريق سياسي نشر مذهبه الديني بالانحياز إلى أسانيد معينة "تكوّن في مجموعها سلسلة من الآراء المترابطة التي تهمّش باقي الآراء".

ويؤكد عمر أن "منهج هلالي في عرض مختلف الآراء، يتصادم في حقيقته مع أي سلطة تنحاز إلى الرأي الواحد، سواء دينية أو سياسية".

ويشرح عمر أن "ظهور الجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة المحمدية في عام 1912 ثم جمعية أنصار السنة المحمدية في عام 1926 ثم جماعة الإخوان المسلمين في عام 1928، وكلها جماعات تنحاز لآراء فقهية وتفسيرات دون أخرى، أدى إلى تفريق للدين ومحاولة احتكاره من قبل كهنوت ديني، وهو الحال أيضاً مع مؤسسة الأزهر التي تنحاز إلى المذهب الأشعري وترى فيه وسطيّة الإسلام، وبالتالي ليس عجيباً أن يتصادم الرجل مع كل هؤلاء في محاولاته لإظهار تعددية الإسلام ورحابته".

ويعتبر عمر أن الهلالي "امتداد لتيار محمد عبده داخل الأزهر ولذلك يتصادم مع سلطويّة الأزهر ذاته، كباقي أعضاء هذا التيار الذين يلاقون تهميشاً شديداً داخل الأزهر، فالآلة الإدارية الأزهرية شديدة القمع للمخالفين وتشبه السجن الكبير المغلق على ذاته".

INSIDE_SaadeddineHilaly_azhar

ابن الدولة الذي يحتمي بالإعلام

"سعد الهلالي رجل ذكي، فهو يحتمي بسلطة الدولة عن طريق فتح المجال لعدة آراء، منها ما يأتي على هوى الدولة كسلطة تنظيمية"، يقول عمر، ويضيف: "يمكن اعتباره مُجدداً تقليدياً لأن أراءه توالي السلطة بطبيعة الحال، نظراً لأشعريته".

ويرى أنه يحتمي بظهوره الإعلامي المتكرر وحضوره القوي. وبرأيه، "كل هذا يمنع الأزهر من التنكيل به، فهو إن لم يكن مشهوراً ولم يوالِ السلطة، فلا يستطيع الظهور أو الجهر بتلك الآراء على الملأ".

ويتّفق عضو مجمع البحوث الإسلامية الدكتور محمد الشحات الجندي مع جمال عمر، في أن ما يعرضه سعد هلالي من آراء لا يعتبر فتاوى، ولا يجوز إطلاق لفظ فتاوى عليه، بل آراء شخصية.

لكنّه يقول ذلك لرصيف22 من منطلق مهاجمة هلالي. فبرأيه، "جميع ما يقول به سعد هلالي لا يُعبّر عن رأي الشرع في المسائل المعروضة عليه، بل عن آرائه الشخصية دونما دليل من الكتاب والسنّة"، رافضاً اعتبار أقواله اجتهادات لأن "الاجتهاد في الإسلام له معايير وضوابط عديدة، إنما تصريحاته هي مجرد تنظير شخصي، وهي آراء غير مُعتبرة وتعتمد على الهوى وليس الشرع".

وينتقد الجندي رأي هلالي في عدم وقوع الطلاق الشفهي، معتبراً أن "تصريحاته تعتبر إساءة للإسلام نفسه". ورغم اعترافه بأن كثرة حالات الطلاق تؤكد الحاجة إلى فرض توثيقه وبأن المصلحة الاجتماعية تقتضي ذلك بالفعل، فإنه يعتبر أن في ذلك استهانة كبيرة بالشرع، "فإن كان للقانون ما يبرره من الناحية الاجتماعية فلا نستطيع تغيير واقع فقهي ثابت ومستقر لا خلاف عليه".

أحمد الجمل

صحافي مصري متخصص في الشأن القضائي ومهتم بالأدب وقضايا التجديد الديني، وصدرت له مجموعة قصصية بعنوان "موتٌ أرقُّ".

كلمات مفتاحية
مصر

التعليقات

المقال التالي