الأزمة الخليجية تتفاقم قبيل قمة الكويت... هل تنهار المنظومة الخليجية؟

الأزمة الخليجية تتفاقم قبيل قمة الكويت... هل تنهار المنظومة الخليجية؟

بعد أقل من يوم على دعوة وزير خارجية البحرين خالد بن أحمد آل خليفة إلى "تجميد عضوية قطر" في مجلس التعاون لدول الخليج العربية، باعتبارها "الخطوة الصحيحة للحفاظ" على المجلس، خرج ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة ليعلن أنه يتعذّر على بلاده المشاركة في أي اجتماع خليجي تحضره قطر.

الدعوتان، ربطهما مطلقوهما بـ"سلوك قطر". فالأولى سارية برأي صاحبها "حتى تحكّم (قطر) عقلها وتتجاوب مع مطالب دولنا وإلا فنحن بخير بخروجها من المجلس"، والثانية سارية "طالما استمرت قطر على هذا النهج" وطالما لم "تعد إلى رشدها وتستجيب لمطالب الدول التي عانت منها الكثير".

وبرأي ملك البحرين، يأتي إقصاء قطر من باب "الحرص على أن تبقى مسيرة مجلس التعاون قوية ومتماسكة"، لأن "اجتماعات وقمم الخير لا يمكن أن تلتئم بوجود مَن لا يريد الخير لهذه المنظومة".

في المقابل، لا تزال قطر تعتبر أن مقاطعتها تهدف إلى "أن نتخلى عن استقلالنا"، بحسب ما قاله مؤخراً أميرها تميم بن حمد آل ثاني في مقابلته مع شبكة سي بي أس.

تساؤلات كثيرة تُطرح في ظل عدم الاتفاق على انعقاد قمة مجلس التعاون الخليجي العادية بالكويت في ديسمبر المقبل، وتلقي بظلالها على مصير المجلس نفسه، في ظل فشل جهود الوساطة الكويتية والأمريكية في إيجاد مخرج يعيد التقاء الدول الست.

احتمالات كثيرة يجري تداولها تراوح بين تأجيل القمة أو إلغائها أو نقلها إلى الرياض أو انعقادها بغياب قطر. ولكن السيناريو الأخطر هو ذلك الذي يتنبأ بتصدع وتفكك المجلس وتشكل كيانات خليجية جديدة.

احتمالات التأجيل

"موضوع التأجيل وارد ومحتمل لأن الكويت لن تقبل أن تعقد القمة بدون بوادر نجاح في أعقاب محاولاتها المستمرة لتحقيق أقل القليل من إعادة رأب الصدع الخليجي"، بحسب ما أوضحت الكاتبة الكويتية إقبال الأحمد لرصيف22.

وكانت صحيفة عكاظ السعودية قد نسبت إلى مصادر خليجية التباحث في تأجيل القمة ستة أشهر.

لكن تفاصيل تأجيل القمة أو نقلها إلى مكان آخر لا تزال تكهنات "في نطاق غير المعروف"، وفق وصف الكاتب الكويتي أحمد الصراف. وبرأي الكاتب الكويتي حمد الأنصاري، "تمرّ الأزمة بتغيّرات كبيرة في الفترة الحالية بشكل يجعل جميع الاحتمالات واردة".

وما يتسبب بهذا اللايقين، بحسب الأحمد، هو "عدم تجاوب أي طرف من أطراف الخلاف مع ما يمكن أن يُطرح من حلول تستوجب بعض التنازلات لحلحلة الأزمة".

أقوال جاهزة

شارك غردمجلس التعاون الخليجي مهدد بالتفكك، وسيناريوهات عدّة تتنبأ بولادة كيانات جديدة

شارك غردمخاوف من "تطبيع الأزمة الخليجية"، ما قد يؤدي إلى تفكك مجلس التعاون وولادة كيانات جديدة

إلا أن بعض الباحثين يحسمون عدم إمكانية عقد القمة في موعدها المقرر. "القمة أضحت بحكم المؤجلة، وتأجيلها حصل لأجل غير معلوم"، يقول الباحث السوري في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات حمزة المصطفى لرصيف22.

وبحسب المصطفى، تشير المعلومات المتقاطعة من مصادر مختلفة إلى أن الدول المقاطعة لقطر اقترحت نقل القمة من الكويت إلى الرياض لضمان عدم دعوة الدوحة، "لكن الكويت رفضت ذلك وأصرت على إرجاء عقد القمة"، لأن هذا السيناريو سيؤدي إلى "تفكك وانهيار" مجلس التعاون.

ويعوّل البعض على إصرار الكويت في عقد القمة بموعدها، حفاظاً على رصيدها الدبلوماسي، خاصة أن "القمة الخليجية لم تتأخر عن الانعقاد السنوي، منذ عام 1981، رغم الخلافات التي كانت تنشب بين الدول الأعضاء"، وفق ما يؤكده الكاتب والمحلل السياسي القطري علي الهيل لرصيف22.

ويضع الهيل زيارة أمير الكويت للرياض مؤخراً ضمن هذا الإطار، لكنه يستدرك أنه "في السياسة كل شيء ممكن وكل الاحتمالات واردة، فقد لا تنعقد القمة، أو تنعقد ببعض أعضائها، أو بتمثيل منخفض".

وفي ظل الضبابية التي تغلّف المشهد الخليجي، توقعت الكاتبة البحرينية سوسن الشاعر أن تعتذر الكويت عن استضافة القمة، مرجحة تأجيل القمة أو دعوة السعودية لانعقادها على أراضيها، داعيةً إلى استغلال موعد القمة لطرح مطالب الدول المقاطعة لقطر الـ13.

استبعاد قطر؟

يتخوّف الكاتب السعودي حمود أبو طالب من احتمالات تأجيل القمة، خشية أن يتكرر التأجيل ويصعب جمع الشمل ثانية، ويدعو إلى عقد القمة سواء بحضور قطر أو غيابها، فبرأيه، "اجتماع خمس دول وغياب دولة أفضل من عدم اجتماع الكل"، متهماً الدوحة بتهديد أمن المنظومة الخليجية "بمؤامراتها مع القوى المعادية للخليج".

ويدعو أبو طالب في مقال له في صحيفة عكاط إلى إعطاء قطر "فرصة أخيرة ونهائية للامتثال لمطالب" الدول التي تقاطعها، وإلا "فاستئصالها نهائياً" من المنظومة الخليجية، فهي بحسب تعبيره "أتفه من أن تكون سبباً لانفراط عقد الكيان التعاوني الوحيد" في الخليج.

الموقف الحاد من قطر يتبنّاه محللون خليجيون كثر، ومنهم الشاعر التي تعتبر الدوحة مصدراً لتهديد منظومة مجلس التعاون، وإذا أخل أحد الأعضاء بـ"المبادئ التي اجتمعت عليها الدول الست" فلا بد من "ردعه حتى يبقى المجلس متماسكاً".

مستقبل الأزمة

تهدد إطالة أمد الأزمة مصير المجلس، لكن الكويت، وفق حمزة المصطفى، تعوّل على إعادة تفعيل الدور الأمريكي في الوساطة "حتى لا يتم تطبيع الأزمة أو التعامل معها بوصفها أمراً عادياً".

ويتحدث عن "التكلفة الباهظة" لاستمرار الأزمة، "لا سيما أن المؤشرات الاقتصادية والمالية لجميع الدول الخليجية دون استثناء هي في تراجع كبير ودائم بسببها"، ولأسباب أخرى متزامنة.

قبل أيام، قال أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح: "علينا أن نعي مخاطر التصعيد في الأزمة الخليجية"، محذراً من أن تصعيد الأزمة ستكون له نتائج بالغة الضرر على أمن دول الخليج وشعوبها.

يعتبر المصطفى أن التحذير الكويتي ينبع من إدراك الصباح، بعد زيارات متعددة إلى الرياض، "أن صانع القرار السعودي غير عقلاني، وأن السعودية تمرّ بمرحلة تحوّل تجعل الأزمة مع قطر عبارة عن غطاء يشغل الرأي العام الداخلي عن التحوّلات التي تجري في المملكة".

ويتخوّف من اتخاذ السعودية "خيارات اعتباطية من شأنها محاولة تشكيل جسم معارض أو تعويم بعض الشخصيات التي تم استقطابها مؤخراً، وهو ما سوف يشكل لعباً بالمحظور ضمن البيت الخليجي".

ورغم أنه يرى أن "الأزمة كما بدأت فجأة يمكن أن تنتهي فجأة"، يشير الهيل إلى احتمال تعذّر حلها لأسباب ذاتية من أمثلتها "حنق إمارة أبوظبي على قطر منذ عام 2010 عندما حصلت الدوحة على استضافة نهائيات كأس العالم، فشعرت الأولى بأن قطر سحبت البساط من تحت قدميها".

احتمالات كثيرة يجري تداولها تراوح بين تأجيل القمة الخليجية أو إلغائها أو نقلها إلى الرياض أو انعقادها بغياب قطر

وبرأيه، تجاوزت الدوحة الحصار المفروض عليها بعد افتتاحها ميناء حمد الدولي وأصبحت منفتحة على أسواق العالم ولم تعد بحاجة للدول الثلاث في المنظومة الخليجية وبدأت تتعود غيابها، وبالتالي فهي "لن ترضخ لأي مطلب يمس سيادتها".

وفي المقابل، هناك آراء تأتي من الجهة الأخرى وتعتبر أن الدول المقاطعة لقطر تجاوزت المطالب الـ13 وتعمل حالياً على إسقاط "تنظيم الحمدين"، في إشارة إلى حمد بن خليفة أمير قطر السابق وحمد بن جاسم رئيس وزرائها السابق، باعتباره يسيطر على القيادة القطرية ويموّل الإرهاب والمؤامرات في الخليج والعالم العربي، وفق ما يقوله مثلاً المحلل الإستراتيجي السعودي عبد الله غانم القحطاني.

انهيار وتفكك المجلس

"إن تصدع وانهيار مجلس التعاون هو تصدع وانهيار لآخر معاقل العمل العربي المشترك"، قال أمير الكويت في تحذيره.

تحذيرات أمير الكويت قابلتها سيناريوهات متوقعة لقيام كيانات خليجية جديدة على أنقاض المجلس.

فاحتمال قيام كونفدرالية تجمع بين الإمارات والسعودية والبحرين، واردة جداً برأي الكاتبة إقبال الأحمد، لكنها تتمنى أن يبقى كيان مجلس التعاون قائماً لحاجة كل دولة إلى هذه القوة لمواجهة العواصف المحيطة والتي تهدد بتفتيت دوله.

ولكن أمام هذا الخيار عوائق، بحسب المصطفى، منها أن خيار نشوء اتحاد خليجي الذي كانت تطرحه السعودية، لا يلقى قبول البحرين، كما أن الإمارات تتخوّف منه، وإن ادّعت العكس، وهي عطّلت لفترة طويلة قضية العملة الخليجية الموحدة لأنها أصرت على أن يكون البنك الخليجي في أبو ظبي لا في الرياض.

وثمة مقترحات بتشكيل مجلس تعاون خليجي موسع وهي فكرة طُرحت، وفق الباحث السوري، بعد الربيع العربي لتحصين الأنظمة الملكية من الثورات، بما يسمح بإدخال الأردن والمغرب إليه، لكن ذلك لم ينجح بسبب اختلافات طبيعة مجتمعات واقتصادات هذه الدول، والتي تفوق تشابه الأنظمة شكلاً.

وتُطرح فكرة تشكيل تكتل من الدول الأربع المقاطعة لقطر، أي السعودية والإمارات والبحرين ومصر، مع محاولة اجتذاب دول أخرى مثل السودان. لكن هذا الخيار أيضاً صعب، برأي المصطفى، لأن الولايات المتحدة تعتقد أن التضحية بمجلس التعاون الخليجي سيكون خطأً جسيماً.

في المقابل، يرى الهيل أن ولادة كيان يجمع دول الخليج الثلاث المقاطعة لقطر قد يشجع الكويت على التقارب أكثر مع قطر وعمان لتشكّل اتحاداً ثلاثياً مقابلاً.

ويذهب الهيل إلى ضرورة تجاوز هيمنة السعودية على المجلس ويطرح ضرورة قيام إصلاحات سياسية في دول الخليج تخرجها من عباءة الأسرة الحاكمة لتصبح ملكيات دستورية، وهو الخيار الذي تخشاه دول خليجية وأبرز الأدلة على ذلك ما تشهده البحرين منذ عام 2011.

التعليقات

المقال التالي