ظاهرة إسلام بحيري بين حرية التعبير ومنهجه الانتقائي في تناول التراث

ظاهرة إسلام بحيري بين حرية التعبير ومنهجه الانتقائي في تناول التراث

قضى الباحث في التراث الإسلامي إسلام بحيري أشهراً داخل السجن بسبب ما قاله في برنامجه "مع إسلام" من أفكار مخالفة للسائد أثارت جدلاً بين مؤيدين ومعارضين لها. ولكن يبدو أن انزعاج المؤسسة الأزهرية منه مستمر وآخر الفصول صدور حكم قضائي بمنع بث حلقات برنامجه.

فقد صدر في 29 أكتوبر حكم من محكمة القضاء الإداري المصرية، قضى بإلزام السلطات المختصة بمنع بث أو نشر برنامج "مع إسلام" الذي كان يذاع على قناة "القاهرة والناس"، تأسيساً على أن محتوى حلقات البرنامج أفضى إلى صدور حكم جنائي بحق بحيري في قضية اتُّهم فيها بتعمد هدم التراث والتفوه بعبارات تدعو إلى إزدراء أئمة الإسلام، واعتبار أن ما يوجد في كتب التراث عفن حقيقي.

لكن المحكمة قضت في الوقت نفسه بعدم قبول طلب وقف قناة القاهرة والناس، كما قضت برفض منع ظهور بحيري على القنوات الفضائية، استناداً إلى حق المشاهد في انتقال الأفكار والمعلومات إليه، والانتصار لحرية الفكر والتعبير المكفولة بالدستور، وهذا ما عدّه البحيري انتصاراً له.

Islam_al-Behery.jpeg

من الحبس إلى العفو الرئاسي

أثار بحيري سجالات واسعة بسبب آرائه، منها وصف تقي الدين بن تيمية بـ"سفاح الإسلام" ووصف البخاري بـ"المجرم" واتهام المؤسسات الدينية في مصر بأنها لا يُرجى منها أي إصلاح أو قول حق.

ففي 31 مايو 2015، أصدرت محكمة جنح في القاهرة حكماً بحبس "بحيري" خمس سنوات بتهمة "ازدراء" الدين الإسلامي والطعن في الآئمة. وفي أواخر ديسمبر من العام نفسه، قضت محكمة استئناف مصر القديمة، بقبول استئنافه على الحكم وخففته إلى الحبس سنة واحدة. ثم أيدت محكمة النقض، أعلى محكمة في مصر، في 31 يوليو 2016 عقوبة حبسه عاماً، ليقضي أكثر من عشرة أشهر خلف أسوار السجن، قبل أن يخرج بعفو رئاسي في نوفمبر 2016.

أقوال جاهزة

شارك غردأفكار إسلام بحيري... هل هي تنويرية أم أصولية لكن تحت شعار التنوير؟

شارك غردحكم جديد ضد إسلام بحيري... "الدولة لم تنتقل من الحكم بالفقه إلى القانون وما زلنا في منزلة بين المنزلتين"

وكان الأزهر المحرك الرئيسي لكل هذه الدعاوى القضائية، التي أكدت في نصوصها أن "الأزهر هو المرجع الوحيد في الشؤون الإسلامية وفقاً للدستور، وهو الهيئة العلمية الإسلامية التي تقوم على حفظ التراث الإسلامي ودراسته وتجليته للناس كافة".

مناظرات شهيرة

فى أبريل 2015، اتفق بحيري مع الإعلامي خيري رمضان على عقد مناظرة مع أسامة الأزهرى والحبيب علي الجفري، وهي المناظرة الأشهر في مسار بحيري، وقد أثارت جدلاً كبيراً استمر عدة أسابيع.

وتباينت ردود الأفعال حول المناظرة التي تعدت مدتها أربع ساعات، فالبعض أيّد أفكار الباحث الإسلامي، والبعض الآخر أخذ عليه تشتت أفكاره وتناقض بعض حججه.

المناظرة الأخرى الشهيرة لبحيري كانت مع عبد الله رشدي ممثلاً مؤسسة الأزهر، وتبادل فيها الطرفان الاتهامات في مسائل الدين، وقال مراقبون حينها إن الحلقة غلفت بالحدة والانفعالات، أكثر مما كانت عليه المناظرة الأولى، بسبب طبيعتي شخصيتي رشدي والبحيري الحادتين.

"الأزهر يدافع عن سلطته"

يقول المفكر سيد القمني إن الأزهر بعدما يئس من مناظرة البحيري، تفرغ لمحاربته بسلاح القضاء "كعادته في محاربة المثقفين"، لافتاً إلى أن الأزهر ليس من حقه رفع مثل تلك القضايا لأنه "ليس حامي الإسلام كما يدعي".

برأي القمني، "الأزهر يدافع عن سلطته، وإسلام بحيري يهاجم سلطة الفقهاء وبالتالي سلطة الأزاهرة ويخلع عنهم قداستهم، فكان من الطبيعي أن يهاجموه".

ويوضح القمني لرصيف22 أن بحيري لم يزدرِ الدين الإسلامي، بل "انتقد فقط مجموعة من الأعمال والأفكار لبشر غير معصومين عن الخطأ، لكنه لم يمس القرآن أو الدين الإسلامي في شيء، لكن الأزهر يرى أن مهاجمة تراث البخاري ومسلم يقلل من سلطته الفعلية على المواطنين، إذ يستند مشايخ الأزهر على أقوال البخاري ومسلم وغيرهما في تأييد سلطتهم الدينية المزعومة لنشر وتكريس أفكار" لم تعد مناسبة في الواقع.

ويشير إلى أن الحكم بمنع عرض حلقات برنامج بحيري هو "نوع من الردة التي لا محل لها"، لأنه يرسخ تدخل مؤسسة "سلطوية كهنوتية" في الشؤون العامة للبشر.

وقال: "في حين يستمد المشايخ سلطتهم الروحية الحالية من أقوال السابقين، فإنهم يستمدون قوة مادية أخرى هي 11 مليار جنيه سنوياً كإجمالي موازنة المؤسسة المدرجة في الموازنة العامة للدولة، ولذلك، من الطبيعي أن يدافعوا عن كل هذه المصالح وليس عن الإسلام وأن يقفوا ضد تنقيح التراث".

ولا يستغرب القمني إصدار القضاء مثل هذا الحكم، لأنه يرى أن هناك وفاقاً دائماً بين الأزهر والحاكم، "فهم المشترعون لأفعال الحاكم والمبررون الشرعيون لها"، متابعاً أنه من الطبيعي أن يصدر حكم لمصلحة شيخ الأزهر أحمد الطيب "فهذا متوقع في ظل احتماء مؤسسات الدولة السلطوية بعضها ببعض".

"يتحدث بلا أدلة"

ولكن عضو مجمع البحوث الإسلامية الدكتور محمد الشحات الجندي يرى أن الحكم مستحق، وأنه كان يجب منع بحيري من الظهور بعدما تجرأ على علماء المسلمين وآئمتهم، مؤكداً فى الوقت ذاته أنه يتحدث بلا أدلة ويطلق الكلام على عواهنه في أمور حساسة لتعلقها بالدين.

ويلفت الجندي إلى أن المشكلة ليست في إسلام بحيري كشخص، إنما في ظاهرة التطاول والتعدي السافرين على مقدسات الإسلام، معتبراً أنها أصبحت "موضة" حالياً، "فكل مَن قرأ كتابين في التراث ولم يفهم ما فيهما يعتلي المنابر والفضائيات ويتحدث بغير علم".

ويضيف: "لكل منا تخصصه، فهل يحق لي أن أفتي في مسائل الطب، وأنا لست طبيباً أو أن أقول بعدم مناسبة إقامة جسر على طريق ما وأنا لست مهندساً؟ بالطبع لا، فلماذا يحق لكل مَن هب ودب أن يتحدث في الدين بغير علم ولا تخصص؟ إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة".

ويوضح أن مجمع البحوث الإسلامية أصدر تقريراً كاملاً شارك في إعداده كبار أساتذة الفقه المقارن بجامعة الأزهر، وأثبت التقرير في رده على إسلام بحيري أنه تعمد إثارة بعض الشبهات وأنه تطاول على القرآن بقوله عبارة "هزيمة القرآن"، كما تعمد تسفيه الآئمة وحرق كتب البخاري ومسلم والكتب التراثية، مشيراً إلى أن الإمام أبا حنيفة له فتوى بالحجر على المفتي الماجن والطبيب الجاهل، حتى لا ينتشر الجهل في المجتمع.

"أسلوبه ليس علمياً ولكن..."

وبرأي الباحث في التراث الإسلامي جمال عمر إن الحكم على إسلام بحيري بحبسه أو بعدم عرض حلقات برنامجه، إنما هو "أحكام ترسخ للدولة الدينية وليس لدولة القانون، فليس هناك شيء في القانون يعاقب على "استفزاز مشاعر المسلمين".

ويختلف عمر مع بحيري منهجياً وفكرياً، لكنه يرفض في الوقت ذاته أن يتم سجنه أو منع عرض حلقات برنامجه لأن الفكر يواجه بالفكر وليس بالمنع.

ويرى أن بحيرى لم يتعمق في الدين الإسلامي "فما يقوله من أحاديث مجرد قشور، وهي مجرد رد فعل على ما يعيشه المسلمون والعرب من حالة ضعف رسخت إسلام النص".

"لا يمكن لأحد من المثقفين أو الباحثين أن يسعد بالحكم ضد بحيري مهما اختلف معه فكرياً" يقول عمر، لافتاً إلى أن تراث الأزهر يمتلئ بأمثلة عن الاحتكام للقضاء في خصوماته الفكرية مع المثقفين والباحثين المختلفين معه، "فالأزهر يظن أننا ما زلنا في عصر المحاكم الشرعية، لكن واقع الأمر يقول إن الأحكام تصدر لمصلحته كثيراً، وهذا لأن الدولة لم تنتقل بالكامل من الحكم بالفقه إلى الحكم بالقانون، وما زلنا في منزلة بين المنزلتين".

ويذكّر عمر بقضية محمد أبي زيد الدمنهوري حينما كان جالساً مع رشيد رضا وآخرين وطرح فكرة أن لا أدلة على أن آدم نبي أو رسول، فأقام أحد مَن كانوا معه في الجلسة دعوى قضائية لمحاكمته وحكمت المحكمة الشرعية حينها بردته وبالتفريق بينه وبين زوجته، إلا أن محكمة الاستناف ردت الحكم. "هذا هو تراث الأزهر فى التصدي للفكر المخالف"، يقول عمر.

انتقائية بحيري

يرى عمر أن الإشكالية الأكبر في فكر بحيري هي انتقائيته، فهو ينتقي من التراث ما لا يعجبه ويعظم منه، ثم يقول إن الإسلام أكثر الأشياء كمالاً، ومطلق وخارج عن الزمان والمكان، ولا يمكن أن تصدر أفعال مثل زواج القاصر من نبي الإسلام وبالتالي فالفقهاء والتراثيون هم على خطأ وليس الإسلام، متناسياً أن الفقهاء والآئمة كانوا أبناء بيئتهم وزمانهم.

ويبيّن عمر أن الاختلاف الرئيسي مع أفكار بحيري يكمن في أنه يجعل معايير العصر الحالي معيار الحكم على الأشياء، فيقول إنه لا يُقبل عقلاً زواج أحد من بنت الـ9 سنوات، ويستنتج من ذلك أن يكون البخاري والآئمة التراثيون قد أخطأوا في رواياتهم، ثم يبحث عن مرويات أخرى تثبت أن عائشة كانت أكبر من 9 سنوات حينما تزوجها النبي، في حين أن من الصحابة مَن تزوج ببنات في السن نفسها.

ويعتبر عمر أن فكر بحيري "في حقيقة الأمر أصولي وعنصري، لكن تحت شعار التنوير"، فمواقفه كلها سلطوية، ومواقفه من المخالفين حادة.

ويضيف أن هناك فريقين في التكفير والإقصاء، الأول يكفّر الناس بالدين، والآخر يكفّر الناس تحت راية التنوير، و"الإشكالية الأكبر لدينا هي أننا نشترك في السلطوية، ولا نسمتع للآخر المخالف".

 

أحمد الجمل

صحافي مصري متخصص في الشأن القضائي ومهتم بالأدب وقضايا التجديد الديني، وصدرت له مجموعة قصصية بعنوان "موتٌ أرقُّ".

كلمات مفتاحية
حرية التعبير مصر

التعليقات

المقال التالي