ماكرون لن يعطي السيسي دروساً... البيزنس يتفوّق دائماً على الحقوق

ماكرون لن يعطي السيسي دروساً... البيزنس يتفوّق دائماً على الحقوق

ليس ماكرون في وارد إعطاء السيسي دروساً في مسألة حقوق الإنسان. "أؤمن بسيادة الدول ولا أعطي الآخرين دروساً"، قال الرئيس الفرنسي، فاستفز البعض وأثار حنق المتطلعين إلى اكتساب الحقوق من خلال ممارسة الدول الغربية ضغوطاً على سلطات بلادهم.

ولكن نظرة سريعة إلى تاريخ علاقات الغرب بالعرب تُظهر أنه لا يوجد أساس لوهم انتظار أن تضع الدول الغربية ثقلها في سبيل تحقيق الديمقراطية في بلدان العالم العربي.

في حديثه السابق نفسه، لدى لقاء الرئيسين في فرنسا، تحدّث ماكرون عن أن مصر أرض خصبة للمشاريع والاستثمار، وهي أيضاً، ككل الدول العربية، أرض خصبة لتجارة الأسلحة. ففي السنوات الماضية، ناقشت مع فرنسا إنفاق مليارات الدولارات على شراء سفن وفرقاطات حربية ومقاتلات رافال وقمر اتصالات عسكرية وأنظمة تسلح مختلفة.

من غير الواقعي توقّع أن تتفوق المطالبة بالالتزام بمعايير حقوق الإنسان على التجارة.

INSIDE_SisiMacron

فإذا كانت الأولى تحمل رغبات البعض في عالم ديمقراطي، تؤسَّس فيه العلاقات بين البشر على فكرة الحقوق، فإن الثانية، أي التجارة، هي أحد الأسباب الرئيسية لتواصل شعوب العالم بشكل سلمي. ولولاها لكانت علاقات الشعوب تتشكّل وفق أحد احتمالين: إما نهب شعب لموارد شعب آخر أو الانعزال عنه.

الأمثلة عن تفوّق البيزنس على الحقوق وافرة جداً، وأكثر من أن تُحصى. تاريخ علاقة الأنظمة التسلطية العربية بالغرب يؤكد ذلك من المغرب إلى المشرق مروراً بالخليج. ولعلّ صداقات معمّر القذافي بزعماء دول أوروبية خير مثال.

لن تغامر أية دولة بخسارة شركاتها صفقات تجارية أو بخسارتها السيطرة على موارد تحتاجها من أجل توفير الحقوق لشعب من الشعوب، بالبساطة التي يظنّها البعض.

فكل فرصة تخسرها الدولة في هذا المجال لن تنتظر وستذهب إلى دول منافسة على الأموال والموارد التي تتحرك حول العالم، ما يعني إعطاء الأخيرة فرصاً لتوسيع نفوذها على حسابها.

أقوال جاهزة

شارك غردلماذا تغض الدول الغربية النظر عن كل قمع يجري في دول تحقق أنظمتها انسيابية حركة البيزنس؟

شارك غردمن غير الواقعي توقّع أن تتفوق المطالبة بالتزام معايير حقوق الإنسان على المصالح التجارية والبيزنس

وإذا ذهبنا في منطق معاقبة دولة لأخرى على ما تمارسه من انتهاكات إلى النهاية، فسنصل إلى مرحلة تنقطع فيها العلاقات بين الدولتين، ما يعني غياب أية فرصة لممارسة المقايضات المتبادلة في ملفات تجارية أو حقوقية أو أي نوع آخر من الملفات.

ولذلك، كثيراً ما يكون السجال الحاد بين دول حول قضايا حقوقية نتيجة لفشل بناء علاقات اقتصادية تحقق مصلحة متبادلة، فيُستخدم كنوع من الضغط الهادف إلى نيل تعويض عن الصمت.

وزاد من عدم اهتمام الغرب بالديمقراطية وبحقوق الإنسان في المنطقة العربية خوفه في حقبة الحرب الباردة من نمو اليسار، وبالتالي اتساع نفوذ الاتحاد السوفياتي، وخوفه في مرحلة لاحقة من نمو الإسلام السياسي ذي التوجهات غير الواضحة، بدءاً من تجربة الجزائر. فالسوق لا تحب اللايقين.

وإذا كانت هذه هي القاعدة الرئيسية التي تحكم العلاقات بين الدول، فهناك أمثلة تخالف ذلك.

فقد شهد العالم العربي مدّاً مفاجئاً للدعوة إلى الديمقراطية في حقبة الرئيس الأميركي جورج بوش الابن، ارتبط بتيارات تتبنى أفكاراً غير واقعية وشبه دينية، تحالفت مع تيارات أخرى تتبنى أفكاراً عن ضرورة انتشار الديمقراطية حول العالم ليعمّ السلام. ولكن لفرط لاواقعية هذه التيارات، انتهت تجربتها بتوريثنا عالماً أكثر اضطراباً وأقل أمناً.

وبين الاثنين، هناك ما يعرفه العرب من ازدواجية معايير تفتح ملفات حقوقية في دول لا تُرضي سياسات أنظمتها الدول الغربية وتغض النظر عن ملفات في دول أخرى تحقق أنظمتها انسيابية حركة البيزنس.

والآن، مع نمو التيارات المتطرفة في العالم العربي ووصول أذاها إلى دول الغرب نفسه، تنامت القناعة بغض النظر عن أية انتهاكات لحقوق الإنسان في الدول العربية بشرط التزام أنظمتها مهمة منع وصول المتطرفين إلى أوروبا.

وبالتزامن مع هذا القلق، ظهر القلق من الاضطراب الذي يؤدي إلى تدفق المهاجرين إلى القارة العجوز، ما ساهم بدوره أيضاً في غض الغرب نظره عن يد القمع الحديدية التي تضبط حركة المجتمعات.

وتجلت هاتان القناعتان بشكل واضح في حوار تصريحات السيسي وماكرون. فالرئيس الفرنسي قال: "أنا مدرك للظروف الأمنية التي يتحرك فيها الرئيس السيسي، لديه تحدي استقرار بلاده ومكافحة التطرف الديني"، والسيسي عقّب: "نحن حريصون على حقوق الإنسان، لكن يجب أن تأخذوا بالاعتبار أننا في منطقة مضطربة جداً، وهذا الاضطراب كاد يحوّل المنطقة إلى بؤرة تصدّر الإرهاب إلى العالم كله".

والخلاصة أن الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان لا يمكن أن يأتيا بضغوط يمارسها الغرب من أجل أبناء الدول العربية.

الديمقراطية واحترام الحقوق لا يمكن أن يتحققا إلا بنضال داخل كل دولة لبلوغهما، وقد يلاقي الغرب هذه الجهود إذا قدّر أن هناك بديلاً يحقق الديمقراطية ولكن يضمن له مصالحه في الوقت نفسه.

عماد هاشم

كاتب لبناني مقيم في فرنسا

كلمات مفتاحية
فرنسا مصر

التعليقات

المقال التالي