لمن الحكم في مصر؟ للشريعة أم للقانون؟

لمن الحكم في مصر؟ للشريعة أم للقانون؟

"مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع". هذه الجملة هي جزء من نص المادة الثانية من الدستور المصري، التي أثارت الكثير من الجدل قبل سنوات قليلة. فقد طالبت تيارات ليبرالية ومدنية عدة بحذفها أثناء الاستفتاء على التعديلات الدستورية في مارس 2011 وأثناء إعداد مشروعي الدستور في 2012 و 2014 لأنها تُرسّخ الوجود القانوني للدولة الدينية.

بينما دافعت التيارات الإسلامية عن الإبقاء عليها بدعوى أنها تحمي "الهوية المصرية". وحينها قال الداعية الإسلامي "محمد حسين يعقوب" جملته الشهيرة، "الصناديق قالت للدين نعم"، في إشارة إلى الموافقة على التعديلات الدستورية التي تُبقي على مادة "الشريعة الإسلامية" على حالها.

وبين الرأيين، طالب فريق ثالث بضرورة حذف حرفي الألف واللام من نص المادة لتصبح "مصدراً رئيسياً للتشريع" بدلاً من المصدر الرئيسي، في محاولة وسطية للتوفيق بين المتنازعين، بما يضمن تقليص حجم التدخل الديني في تشريع القوانين.

فهل تُعتبر مصر دولة مدنية تُحكم بالقانون أم دولة دينية تُحكم بالشريعة الإسلامية أم بين بين؟

ضوابط لتدخل الشريعة في القوانين

يعتبر الباحث القانوني في وحدة القانون والمجتمع بالجامعة الأمريكية بالقاهرة مصطفى شعت أن تدخل الشريعة الإسلامية في المنظومة القانونية المصرية ليس له ضوابط محددة، ويضيق ويتسع بحسب الأحوال أو القوانين نفسها.

فكل ما يتعلق بقانون الأحوال الشخصية على سبيل المثال، محجوز حصراً للشريعة الإسلامية لتنظمه بشكل كامل، وجميع المعاملات المتعلقة بالزواج والطلاق والمواريث تكون على الشريعة الإسلامية، فالإسلام يستحوذ على سلطة التشريع في هذا المجال.

أحكام الإعدام أيضاً يجب أن يؤخذ فيها رأي مفتي الجمهورية قبل تطبيقها. وبالرغم من أن رأيه استشاري فهو يُعبّر عن التدخل الشرعي، ولو بشكل محدود، في المسائل القانونية البحتة التي يجب أن يُعاقب فيها المتهمون وفقاً للقانون الوضعي فقط.

وحين لا تحيل المادة القانونية نصاً إلى الشريعة، يختلف مقدار الاقتداء بأحكامها باختلاف شخصية القاضي، "فالقاضي حرّ في تكوين عقيدته واختيار النصوص التي يحتكم إليها لتكييف أسباب حكمه"، بحسب شعت.

ضبط النظام العام من مدخل شرعي

يرى شعت أن تداخل الشريعة الإسلامية بالمنظومة القانونية يمكن النظر إليه في إطار محاولات الدفاع عن التركيبة الاجتماعية للمصريين، فجانب كبير من القضاة يستخدم الشريعة من منطلق "هوياتي"، باعتبار أن الدين الإسلامي جزء لا يتجزأ من الهوية.

ويوضح رؤيته إلى ارتباط الشريعة بالنظام العام بالقول: "جميع الأحكام التي صدرت في ما يتعلق بالممارسات الجنسية المثلية، تتبنى تفسيرات شديدة المحافظة استناداً إلى مخالفة تلك الافعال لـ"النظام العام"، وهو ما يتصل بالشريعة الإسلامية اتصالاً وثيقاً، بدعوى أن تلك الممارسات لا يمكن أن تُشاع على نطاق عام، لأن ذلك يرتد إلى المساحات الشرعية الإسلامية"، ويضيف: "الأحكام هنا تصدر على أساس ضبط النظام العام من مدخل شرعي".

مؤخراً، أثيرت قضية أطلق عليها الإعلام المصري اسم "حفل المثليين"، وهي لا تبتعد عن هذا السياق. فقوات الأمن قبضت على سبعة أشخاص لاتهامهم بحمل علم "الرينبو"، ثم سرعان ما توسعت الاعتقالات، وتم توجيه اتهام رسمي لأشخاص بـ"إشاعة الفجور" ومخالفة النظام العام، وهي اتهامات تستمد شرعيتها من الدين، نظراً لعدم وجود نص قانوني صريح يُجرّم ممارسة الجنس المثلي.

كيّفت جهات التحقيق الاتهام للمعتقلين تحت دعوى ممارسة "الفسق والفجور"، وهي تهمة تستخدم في القانون المصري للدلالة على ارتكاب عدد من الأفعال من بينها الدعارة أو الجنس مقابل المال، وتشمل العلاقات الجنسية المثلية التي تتم برضى الطرفين من دون دفع المال.

وتراوح العقوبات الصادرة في هذه القضايا بين السجن لمدة عام والسجن لمدة 12 عاماً بحسب التكييف القانوني للاتهام. وتنص الأحكام على عبارات تؤكد دور القضاء والقانون في حماية "الفضيلة"، وهو المفهوم الذى يرتبط بأصول شرعية، وأبعد ما يكون عن القانون والنصوص الدستورية التي تحفظ الحريات الفردية للمواطنين.

في عام 2015، صدر حكم بإدانة خمسة متهمين في ما عرف إعلامياً بقضية "شبكة الشذوذ" واستخدمت المحكمة حينها عبارات من قبيل أن المتهمين ارتكبوا أفعالاً "تزلزل عرش الرحمن"، وأن الله "لعن الرجال المتشبهين بالنساء"، كما استشهدت المحكمة بالحديث النبوي عن ابن عباس في قوله: "لعن رسول الله المخنثين من الرجال" والحديث النبوى عن أبي هريرة: "لعن رسول الله الرجل يلبس لبسة المرأة والمرأة تلبس لبسة الرجل".

أقوال جاهزة

شارك غردالشريعة والقانون في مصر... استخدام سياسي للدين واستحضاره حين يحتاج "النظام العام" إلى أحكامه

شارك غردهل تُعتبر مصر دولة مدنية تُحكم بالقانون أم دولة دينية تُحكم بالشريعة الإسلامية أم بين بين؟

قرارات منع إدارية

ويأتي تدخّل الشريعة في قضايا منع عرض ونشر أعمال فنية وأدبية. هذا ما حصل على سبيل المثال لا الحصر حين صدر قرار، بناءً على طلب الأزهر، يمنع عرض فيلم "نوح" في مصر.

حينذاك، نشب صراع بين وزير الثقافة الأسبق الدكتور جابر عصفور من جهة والأزهر والتيارات الإسلامية من جهة أخرى. وردّوا على اعتراضه على منع الفيلم بأنه يتعمّد مخالفة مواد الدستور والقانون التي تنص على أن الأزهر هو المرجعية الوحيدة في الشؤون الدينية الإسلامية وفي كل ما يخصّ الشأن الإسلامي سواء في الفن أو غيره.

وكانت القاعدة الفقهية التي تحرّم "تجسيد الأنبياء والصحابة" المبرر الرئيسي لمؤسسة الأزهر في منع هذا الفيلم وسواه.

ويظهر هذا الميل أيضاً في قرارات قضائية مثل حكم حبس الروائي المصري أحمد ناجي عامين، بسبب روايته "استخدام الحياة"، بتهمة خدش الحياء العام. واستخدم القاضي مفردات من أدبيات إسلامية وشرعية في تكييفه لأسباب الحكم منها "أنه "نشر مادة كتابية نفث فيها شهوة فانية، ولذة زائلة، وأجّر عقله وقلمه لتوجه خبيث حمل انتهاكاً لحرمة الآداب العامة".

ويرى شعت، أن هذه المفردات تخص الأدبيات الدينية وخطاب الإسلاميين.

استحضار الدين في الاجتهاد القضائي

وهنا نجد أنفسنا أمام استحضار الشريعة في أحكام قضائية كثيرة. وبالرغم من أن المادة 53 من الدستور المصري تنص على أن "المواطنين لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين، أو العقيدة، أو الجنس .. إلخ"، فإن الممارسات الفعلية وكذلك الأحكام القضائية تكشف بجلاء عن أن دعاوى حماية "النظام العام" تستخدم لتبرير استحضار الدين في الاجتهادات القضائية، خاصة ما يتعلق منها بالملفات الدينية أو التي لها أبعاد اجتماعية وأمنية.

ويشير شعت إلى أن هناك أحكاماً كثيرة درجت على استخدام واقتباس آيات قرآنية بعينها، ويتكرر ذلك بوضوح في مرافعات النيابة في القضايا الخاصة بالإرهاب. فأحكام المؤبد والإعدام الصادرة في قضايا قيادات جماعة الإخوان المسلمين، تحتوي على اتهامات شرعية مثل "حد الحرابة"، ودائماً يتلازم الاتهام مع استحضار نص الآية القرآنية التي تقول "إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف.. إلخ"، وهو ما يكشف بجلاء عن تأسيس الأحكام على الشريعة.

ويشير الباحث القانوني إلى أن غالبية القضاة لهم توجهات محافظة بسبب خلفيتهم الاجتماعية أو الدينية، وبالطبع لا يمكن فصل ذلك عن توجهاتهم في أحكامهم.

الشريعة الإسلامية حاضرة في ذهن قضاة مصر وتُستحضر في اجتهاداتهم القضائية ليؤكدوا أن "دين الدولة هو الإسلام"

ويؤكد أن هناك قضايا بعينها تُستدعى فيها الشرعية الإسلامية أكثر من غيرها. فبالنظر إلى قضايا من نوعية تغيير الديانة وتغيير الطائفة ومنع إقامة الشعائر الدينية للشيعة في مصر، نجد أن الاتجاهات التشريعية والقضائية تمنع ذلك تعللاً بالمادة الثانية من الدستور المصري التي تنص على أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة.

ويتم النظر إلى هذه النوعية من القضايا كملف أمني له علاقة بالبنية الاجتماعية ويتصل بالنظام العام الذي يتم ضبطه من خلال المداخل الشرعية الإسلامية بصفتها المصدر الرئيسي للتشريع ودين الأغلبية في مصر.

ويلفت إلى أن مجمع البحوث الإسلامية يعتبر الشيعة "طائفة" وهو بذلك يرسل رسائل للحفاظ على النظام العام تستند إلى الشريعة.

ومن هذه المنطلقات، منعت السلطات المصرية إقامة أية شعائر شيعية خلال الاحتفال بمولد الإمام الحسين، بدعوى أنها تخالف الشريعة الإسلامية. وقالت أن المنع لا يوجه للشعائر الشيعية فقط بل يشمل أية شعائر مذهبية.

وتم إغلاق المسجد حينها، في عام 2015، باتفاق بين وزارة الأوقاف ووزارة الداخلية، وفُتح فقط أثناء أوقات الصلاة حتى لا يتم استغلاله في أية أعمال "مخالفة للشريعة الإسلامية"، بحسب ما نشر على لسان مسؤولين رسميين. وقد تكرر الأمر في العامين اللاحقين.

التوظيف السياسي للشريعة

للقضاء المصري أحكام عدة متناقضة في الموضوع الواحد، فهناك أحكام تستند تارة إلى النص القانوني الصريح وتارة أخرى إلى الشريعة الإسلامية، في تداخل واضح لا يُعرف له ضابط أو معيار.

فالمحكمة الإدارية العليا أصدرت حكماً أشارت فيه إلى أن الإضراب حق دستوري لكل الموظفين والعمال، وأن استعماله حق مشروع ولا يستوجب عقاباً، مؤكدةً أن "الإضراب السلمي" من الحقوق الدستورية المكفولة لكل العمال سواء بالقطاع الحكومي أو الخاص.

لكن بالعودة إلى الأحكام السابقة، نجد أن القضاء المصري لم يكن رأيه كذلك في الإضراب، وكانت هناك أحكام وصلت إلى حد تجريم حق الإضراب لـ"مخالفته الشريعة الإسلامية"، إذ أصدرت المحكمة ذاتها حكماً في 28 أبريل 2015 بإحالة ثلاثة موظفين على المعاش، لإضرابهم عن العمل، وذلك تطبيقاً للشريعة الإسلامية بشأن الإضراب عن العمل.

وقالت المحكمة حينذاك إن مصر ملتزمة بكفالة حق الإضراب عن العمل طبقاً للاتفاقيات الدولية، لكن هذا يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية، واستندت إلى قاعدة شرعية إسلامية تقول إن "درء المفاسد مُقدم على جلب المنافع"، كما قالت إن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، وهو ما يستتبع بحث مدى مطابقة الاتفاقيات الدولية لأحكام الشريعة.

ويشير شعت إلى أن تناقض الأحكام برز كثيراً في النظرة إلى الإضراب عن العمل، ويضيف: "الظرف السياسي والسياق العام يمكن أن يجعلا الأحكام تختلف في موضوع واحد. ففي عامي 2014 و2015، كانت الدولة ترى أن هناك حاجة لضبط إيقاع الإضرابات عن العمل، في ظل تصاعدها وحاجة نظام الحكم للسيطرة على مفاصل الدولة".

ويرى أن مثال تناقض الأحكام بشأن قانونية "حق الإضراب عن العمل"، يبرز لنا كيفية تأثير السياق السياسي على فهم النص أو تفسيره، فالشريعة الإسلامية استخدمت استخداماً سياسياً بامتياز في هذه القضية، إلى أن جاء حكم تالٍ يقر مبدأ أن الإضراب حق دستوري وليس جريمة، بعدما هدأت الأمور نسبياً ولم يعد هناك مُضربون أو متظاهرون كما كان الأمر في السابق.

أحمد الجمل

صحافي مصري متخصص في الشأن القضائي ومهتم بالأدب وقضايا التجديد الديني، وصدرت له مجموعة قصصية بعنوان "موتٌ أرقُّ".

التعليقات

المقال التالي