عن تعامل الإعلام اللبناني مع واقع اللجوء السوري...

عن تعامل الإعلام اللبناني مع واقع اللجوء السوري...

"الإعلام اللبناني يلقّن “مفوضية الأمم المتحدة” دروساً في تغطية واقع اللجوء السوري" يختصر هذا العنوان نقاشات حادة كثيرة حصلت خلال ورشة عمل عُقدت الأربعاء الماضي بعنوان: "تغطية قضايا اللاجئين"، نظمتها وزارة الإعلام بالتعاون مع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين".

العنوان أعلاه، جاء في مادة "نقدية" للورشة نُشرت في موقع "مصدر دبلوماسي" للصحافية مارلين خليفة التي سبق أن عملت في جريدة السفير اللبنانيّة. خليفة اتهمت الصحافيين السوريين بالمسؤوليّة عن إقفال السفير، وفق ما أكّد عدد من المشاركين في الورشة. إلا أن خلاصة هذه الورشة كانت تعبيراً عن واقع لا يرغب كثيرون في معرفته، وهو: تعامل الإعلام اللبناني بفائض من التسييس مع ملف اللجوء.

بحسب الصحافية دارين الحلوة التي شاركت في الورشة وتحدثت إلى رصيف22، فإن مناخ النقاش لم يكن صحياً أبداً بل هجومياً واتهامياً، خصوصاً عندما قدمت إحدى العاملات في المفوضية شرحاً تقنياً حول حقوق اللاجئين.

ماذا حصل؟

لفهم القصة أكثر، لا بد من عرض جزء من كلمة وزير الإعلام اللبناني، ملحم رياشي ومقارنته بجزء من التغطية التي نشرها موقع الصحافية مارلين خليفة.

قال رياشي في كلمته الافتتاحية: "أردنا ورشة العمل مع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من أجل تسويق الإعلام الإيجابي في لبنان، وعندما نقول الإعلام الإيجابي لا نعني إخفاء الحقائق ولا مخالفة الموضوعية، ولكن عدم التسويق وكأنه إذا كان هناك شخص قاتل يصبح الشعب برمته قاتلاً، وعدم تسويق العنصرية والأفكار المعاكسة للحقائق التاريخية بين الناس والأفراد". وأضاف: "أنتم إعلاميون محترفون وهناك مسؤولية كبيرة تقع على عاتق كلٍّ منكم حتى عودة النازحين السوريين إلى بلدهم عودة سليمة، آمنة أمينة، وعلينا العمل معاً بمنطق إيجابي وبمنطق تخفيف شروط التشنج وأسبابه تحت سقف القانون، لأن عملية وجود السوريين وتفاعلهم مع اللبنانيين في لبنان بين الضيف والمضيف تحتاج إلى الكثير الكثير من القانون وتحت سقفه، لكنها أيضاً تحتاج إلى الكثير الكثير من شجاعة الحب".

في المقابل، جاء في المادة التي نشرها موقع "مصدر دبلوماسي": "إذا كان هدف ورشة العمل التي نظمتها المفوضية، وهي الراعي الدولي الرسمي لقضايا اللجوء السوري في لبنان، التخفيف من التشنجات في المجتمع اللبناني بين اللبنانيين والسوريين، عبر تلقين الإعلام المعايير في التغطية السلمية لمشكلات اللجوء السوري، فإن ما نجحت فيه فعلياً هو تظهير الفجوة العميقة بين أفكار المنظمات الدولية، وفي طليعتها المفوضية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وبين الصحافة اللبنانية التي تنقل صورة الواقع اللبناني المزري، والذي زاده اللجوء السوري بؤساً".

الجملة المفتاح في ما سبق هي: "تصدّى الإعلام اللبناني لمحاولة تدجينه في نقل واقع تتستر عنه المنظمات الدولية، بل تصنعه تحت مسمّى المساعدة الإنسانية، ولم يتردد الزملاء في قول الحقيقة المرّة: أنتم تسعون إلى توطين مقنّع للنازحين، أما حجّة أن التوطين يحتاج إلى موافقة ثلثي أعضاء المجلس النيابي فغير مقنعة لأن التوطين يحصل على الأرض قبل النصوص".

تتحدث الناطقة باسم المفوضية ليزا أبو خالد بكثير من الدبلوماسية عن الورشة، وتُشير إلى أن هناك صحافيين انفعلوا وظنوا "أننا نحاول فرض أفكار، لكن الأكيد أن هذا لم يكن الهدف".

الإعلام اللبناني...

لم تكن هذه المرة الأولى التي يُطرح موضوع التوطين فيها بهذا الشكل، على الرغم من تأكيد كل الجهات المعنية، محلياً ودولياً، عدمَ وجود قرار بتوطين اللاجئين في لبنان.

تُعبّر النسبة الكبرى من وسائل الإعلام والإعلاميين في لبنان عن القوى السياسيّة، بحيث تحوّلت أجهزةَ دعاية بدل توفير المعلومات للرأي العام.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك، نشر جريدة الديار في أيار/ مايو الماضي، خبراً عن احتمال أن تلد 300 ألف سيدة سورية عام 2017 في لبنان، وهو خبر غير صحيح أبداً، خصوصاً أن عدد الولادات منذ بداية اللجوء عام 2011 إلى اليوم، لم يتجاوز الـ100 ألف ولادة. وقد نقلت مواقع إلكترونية عدة هذا الخبر عن جريدة الديار من دون التحقق منه.

أقوال جاهزة

شارك غردتعبر النسبة الأكبر من وسائل الإعلام في لبنان عن القوى السياسية وتحولت إلى أجهزة دعاية بدل توفير المعلومات

شارك غردعن النقاشات الحادة التي حصلت خلال ورشة عمل عُقدت الأربعاء الماضي بعنوان: "تغطية قضايا اللاجئين"...

في السياق عينه، يأتي اتهام اللاجئين برفع معدلات الجريمة في لبنان، في حين أن لو استعان أي صحافي بأرقام قوى الأمن الداخلي، لاكتشف أن الأمر ليس كذلك. وقد يكون إصرار الجزء الأكبر من الصحافيين والمؤسسات الإعلامية على اعتماد مصطلح "نازح" بدل "لاجئ"، وهو المصطلح الذي تعتمده الحكومة، مؤشراً إلى هذا التماهي.

تُشير المعطيات كلها، إلى أن ملف اللجوء سيكون أحد أهم المحاور التي يستند إليها الموالون عهدَ الرئيس ميشال عون في كسب التعاطف والتأييد الشعبي على أبواب الانتخابات النيابية، في ظلّ تراكم اتهامات هذا العهد بالفساد وقمع الحريات العامة والارتهان لحزب الله. لذلك، سنكون أمام موجة إضافية من التحريض على اللاجئين السوريين يتولاها الصحافيون اللبنانيّون.

"السنكري السوري"...

قد يكون المثل الذي استخدمه أحد المشاركين في الورشة، هو الأكثر تعبيراً عن الازدواجية في الخطاب اللبناني؛ إذ قال أحد الصحافيين أنه استعان بـ "سنكري" سوري لأنه طلب مبلغاً أقل مما يطلبه اللبناني، لأن الأخير عنده التزامات ماليّة كبرى.

وأضاف الصحافي: "إنني ألجأ إلى السنكري السوري لأنني غير قادر على الدفع للسنكري اللبناني". لكنه اختتم كلمته بتحميل اللاجئين مسؤولية تردي الأوضاع في لبنان.

قد لا يكون كلامه ذا صلة، لكنه قال هذا الأمر. فالسلطة في لبنان تُريد إعادة اللاجئين السوريين، وقد اعتبر وزير الخارجية اللبناني، جبران باسيل، في أحد تصريحاته وجودهم احتلالاً، وتفاخر بكون تياره عنصرياً، معتبراً أن العنصرية أمر وطني.

في الوقت عينه، تسعى هذه السلطة جاهدة إلى الحصول على دعم دولي، وهي تحصل على مئات ملايين من الدولارات دعماً للبنان في مواجهة تداعيات اللجوء السوري. وقد خلق هذا اللجوء أكثر من 12 ألف فرصة عمل دائمة وغير دائمة عام 2016، وهو رقم يوازي فرص العمل التي يوفرها القطاعان العام والخاص سنوياً.

قد يقول البعض أن هذا اتهام غير مستند إلى وقائع علمية، لكن الدراسة التي أعدتها منظمة أبعاد تحت عنوان "نيغاتيف" (صورة النساء اللاجئات من سوريا إلى لبنان في الإعلام اللبناني بين عامي 2015 و2016)، تُظهر إصرار الإعلام اللبناني على أحكامه المسبقة. فقد شكّلت المصادر الخاصة النسبة الكبرى بـ71% للمواد المنشورة في صحف ثلاث، وهي موضوع الدراسة (السفير، النهار والأخبار)، مقابل لجوء هذه الصحف إلى الوكالات والبيانات بنسبة 27%، في حين لم تتجاوز الدارسات نسبة الـ0.1%. لكن الأهم أن المصادر السياسيّة شكّلت نصف المصادر الخاصة، فيما لم يشكل اللاجئون واللاجئات سوى 10% من المصادر.

ولفتت الدراسة إلى أن المواد الصحافية تعاملت مع ملف اللاجئين، في أغلب الأحيان، بوصفها كتلة واحدة، بالإشارة إليهم كلاجئين بشكل عام بنسبة 84%، من دون لحظ العامل الجنوسي (نساءً أو رجالاً) أو العامل العمري؛ بما يعني أن التعامل مع هذا الملف حصل وفق مبدأ التعميم. في حين أُشير إلى الأطفال بـ11% من المواد، وإلى النساء بـ3% فقط.

وعومل ملف اللاجئين واللاجئات من سوريا في الإعلام اللبناني وفق هذا المبدأ، حيث لم يلقَ متابعة مفصَّلة من خلال التحقيقات الصحافية التي لم تشكِّل إلا 3% من المواد المنشورة وبورتريه واحد.

التعليقات

المقال التالي