عملية عسكرية تركية جديدة في سوريا... هذه هي مواقف القوى المحلية والدولية

عملية عسكرية تركية جديدة في سوريا... هذه هي مواقف القوى المحلية والدولية

في 30 مارس 2017، أعلنت الحكومة التركية انتهاء عملية "درع الفرات" التي تُعتبر العملية العسكرية التركية الأولى من نوعها في الداخل السوري. حينذاك، أكدت أن هذا الإعلان لا يعني إغلاق صفحة التدخل التركي في سوريا بالكامل.

وبعد مرور ما يقارب خمسة أشهر من ذلك، فتحت تركيا صفحة جديدة من عملياتها العسكرية مع إعلانها بدء تحركاتها في محيط مدينة إدلب، في خطوة تندرج ضمن إطار مُخرجات محادثات آستانا الخاصة بعملية التسوية السياسية للأزمة السورية بين تركيا وإيران وروسيا.

أهداف العملية التركية

وبالركون إلى التصريحات التركية، لا سيما تصريحات رئيس الجمهورية التركي رجب طيب أردوغان، نلاحظ أن أنقرة تحدد أهداف العملية في تنفيذ مُخرجات محادثات آستانا ذات الصلة بمناطق تخفيف التصعيد، وأيضاً في منع وحدات حماية الشعب الكردية من الوصول إلى مناطق ارتباط مع النظام تؤهلها للوصول إلى مياه البحر المتوسط، وتُمهد لها الأرضية لتأسيس دولة مستقلة، بالإضافة إلى حماية المناطق التركية الحدودية من تهديد قذائف هذه المجموعة التي تعتبرها أنقرة منظمة إرهابية.

غير أن الباحث في العلاقات الدولية، نشأت الشوامرة، يؤكد أن أهداف العملية التركية تتجاوز ذلك، لتتضمّن تحقيق سيطرة ميدانية ترفع من أرصدة أنقرة السياسية والاقتصادية والجغرافية في عملية "تقاسم النفوذ" التي تبدو أنها آخذة في التبلور في إطار محادثات آستانا.

ويشير الشوامرة إلى وجود رغبة لدى القيادة التركية في إظهار أن النظام الرئاسي الذي تم إقراره في استفتاء 16 أبريل المنصرم فعال ويوفّر سرعة وسلاسة في عملية اتخاذ القرار، معتبراً أن الإدارة التركية تسعى إلى توظيف هذه العملية في تمهيد أرضية مناسة للحصول على دعم شعبي عارم خلال انتخابات 2019 البرلمانية والرئاسية والمحلية.

وطبقاً للصحف التركية، فإن العملية التركية الجديدة تتألف من خطتين:

  • الأولى تتمحور حول "نقل ونشر" القوات التركية في محيط إدلب، تنفيذاً لمُخرجات محادثات آستانا الأخيرة.
  • الثانية ترمي إلى إنشاء قواعد عسكرية مُحصنة في ريف حلب الشمالي، وبالأخص في أعزاز ودارة عزة ودير جمال بالقرب من مناطق السيطرة الكردية على مدينة عفرين ومحيطها، وذلك بهدف منع قوات حماية الشعب الكردية من التمدد في المناطق العربية المجاورة لعفرين، ومن استهداف المدن الحدودية التركية.

موقف كردي قلق

وبالتعمن في تصريحات الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، يمكن استنتاج أن الهدف الأساسي من التحرك التركي المباشر في إدلب هو منع القوات الكردية من تأسيس "حزام كردي" على طول الحدود التركية ـ السورية.

وتعليقاً على العملية وموقف قيادة وحدات حماية الشعب الكردية منها، يوضح الباحث السياسي ورئيس الحركة الوطنية لأبناء منطقة الجزيرة "المعارضة"، نواف الركاد، أن التحالف الاستراتيجي الروسي ـ الإيراني ـ السوري استطاع إدراك نقطة الضعف التركية المتعلقة بأمنها القومي، لذا استخدم ورقة خوف أنقرة من هذه الوحدات التي تحظى بدعم أمريكي لإجبارها على الخضوع لشروطه.

ويضيف أنه، بطبيعة الحال، دخلت تركيا معمعة محادثات آستانا، وتدخل اليوم إدلب، ليس كقوة "منتصرة"، بل كقوة تسلّم "بإملاءات" التحالف الثلاثي المذكور.

ويُضيف الركاد أن هذا التحرك، حتماً، أثار امتعاض القوات الكردية الشديد، كونه حال دون تمكنها من ربط كانتوناتها الثلاثة، عفرين وكوباني (عين العرب) والجزيرة، فضلاً عن كونه بات يُشكل حائلاً أمام تمددها نحو مياه البحر المتوسط.

أقوال جاهزة

شارك غردموسكو تريد استخدام أنقرة، الإيرانيون يريدون تقاسم النفوذ.. مواقف القوى الفاعلة من التدخل التركي في سوريا

شارك غردأمريكا قلقة من التدخل التركي في سوريا ولكنها ترى أنه سيوازن نفوذ إيران وروسيا... فماذا عن الأطراف الأخرى؟

براغماتية هيئة تحرير الشام

وضمن الإطار ذاته، يتحدث الباحث في الشأن السوري سعد الشارع عن أن هيئة تحرير الشام التي تتشكل من مجموعة فصائل أبرزها جبهة فتح الشام (جبهة النصرة سابقاً) وافقت، خلال اجتماع جرى بينها وقيادات من الاستخبارات التركية، قرب معبر باب الهوى، مساء السابع من أكتوبر، على دخول القوات التركية إلى إدلب، بدون مواجهة عسكرية، مُرجعاً ذلك إلى السمة البراغماتية لشخص قائد الهيئة، أبو محمد الجولاني، الذي يبحث عن مصالح جماعته، في ظل الحصار المفروض على مناطق سيطرته في الشمال السوري، وحالة الاستعصاء العسكري التي فرضت عليهم.

ويتابع أن غياب الرؤية المستقبلية لدى الهيئة اضطرت الجولاني إلى الانصياع للطرح التركي "المرحلي" الذي يرتكز على مبدأ "التغلب الناعم"، وعدم الاصطدام المباشر مع عناصر الهيئة الذين قد تكون أنقرة تهدف إلى توظيفهم "كشوكة وظيفية"، أي إلى استخدامهم في المرحلة القادمة بحال حصل خلاف بينها وبين الدول الضامنة الأخرى، مضيفاً أن تركيا على صعيد استراتيجي قد تحاول "تعويم" عناصر الهيئة ذوي الهوية السورية.

حاجة روسيا إلى شريك

وفي ما يتعلق بالموقف الروسي من العملية، يعيد الركاد سبب موافقة روسيا على دخول تركيا إلى إدلب، إلى حاجتها "لشريكٍ" أو "وكيلٍ" يحظى بروابط دينية واستخباراتية مع فصائل وسكان تلك المنطقة التي أضحت مأوى أغلب الفصائل العسكرية المعارضة، مضيفاً أن التوافق التركي ـ الروسي "المُطلق" على ضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي السورية هو أحد الدوافع المُحفّزة لدعم روسيا للعملية التركية.

ولكنه يعتقد أن روسيا غير موافقة على التوافق الجاري بين هيئة التحرير وتركيا، مبيناً أن روسيا تريد من تركيا أن تكون "وكيلاً" وليس "شريكاً كامل القوة" يملك "شوكة وظيفية" يمكن أن يواجه بها النظام السوري في بعض المناطق، أو يمكن أن يُبقيها كورقة مساومة خلال محادثات التسوية السياسية.

ويطرح الشارع سيناريو غض روسيا النظر عن انتقال بعض عناصر داعش للتقدم عبر طريق أوستراد السعن ـ خناصر في البادية، والذي تسيطر عليه قواتها بشكل مباشر، نحو مناطق سيطرة الهيئة، في سبيل إحياء حالة عراك بينها وبين داعش.

وبهذه الحالة، يرى أن تركيا ستضطر إلى محاربة داعش، لا سيما مع وجود مؤشرات ملموسة على اختراق بعض عناصر هذا التنظيم الذين هربوا من ريف حماة الشرقي إلى إدلب، لصفوف الهيئة، وظهور ملامح امتعاض لدى تيارات الهيئة المهاجرة التي تطالب بمحاربة القوات الروسية والسورية، وحتى التركية التي دخلت بموجب تفاهم مع الروس والإيرانيين إذ ينظرون إلى هؤلاء كأعداء للدين، تجب محاربة كل مَن يدور في فلكهم.

لا شك في أن السيناريو الذي يطرحه الشارع، إن تحقق، سيغيّر الخطط التركية، وسيفقد تركيا جزءاً كبيراً من القوة نتيجة اضطرارها إلى محاربة "داعش" في إدلب، خاصةً مع ورود أنباء عن تأسيس حمزة بن أسامة بن لادن لجماعة "أنصار الفرقان"، ما سيزيد من اضطرار تركيا للتوافق مع روسيا للقضاء على هذه التيارات، الأمر الذي سيُرجح كفة الميزان لصالح روسيا على حساب تركيا.

ولكن قد تتخذ أنقرة إجراءات احترازية وقائية تستند إلى "حرب الوكالة"، فتخوض المعركة ضد داعش والتيار المتشدد في القاعدة عبر الفصائل المعتدلة المحسوبة عليها.

ترقّب أمريكي

وعن طبيعة الموقف الأمريكي، يقول عبد الوهاب عاصي، الباحث في مركز جسور للدراسات الاستراتيجية، إن التصريحات الأمريكية حيال العملية تتسم بالتردد، وتعبّر عن أن العملية لا تروق لواشنطن التي تمرّ علاقتها بأنقرة بمرحلة متوترة.

ويفيد عاصي بأنه على الرغم من التوتر الذي يشوب علاقات الطرفين، إلا أن الولايات المتحدة قد لا تُبدي اعتراضاً ميدانياً أو دبلوماسياً كبيراً على العملية، مُرجعاً ذلك إلى سلم أولويات مصالحها الجغرافية التي تتركز في جنوب سوريا وشرقها وشمال شرقها، وليس في محيط منطقة إدلب، بالإضافة إلى نظرة الولايات المتحدة لتركيا على أنها عنصر جيّد لموازنة النفوذ الإيراني والروسي في سوريا، بالرغم من شدة الخلافات الدائرة بينهما.

الموقف الإيراني راضٍ بالقسمة

"إن الطرفين، تركيا وإيران، أضحيا على قناعة تامة بأن سياسة الحل الصفري التي تعني جني دولة ما مكاسب كاملة على حساب ندها، باتت صعبة التطبيق في الأزمة السورية"، يستهل الكاتب والمحل السياسي، طه عودة رأيه حول الموقف الإيراني حيال العملية.

ويبيّن أن انعدام الأفق في سياسة "الندية المتشددة" التي اتبعها الطرفان منذ بداية الأزمة السورية، دفعهما إلى اتباع سياسة توافقية تقوم على معادلة "رابح - رابح" تجلت في عقد صفقة تقضي بمنح الشمال لتركيا مقابل منح جنوب دمشق لإيران، وفقاً لما سربته بعض وسائل الإعلام التركية والإيرانية.

ويتابع عودة مبيناً أن رفض الطرفين لنشوء كيان كردي مستقل سواء في العراق أو سوريا، خوفاً من انعكاسات هذه الخطوة على أمنهما القومي، كونهما يحتضنان عدداً واسع من المواطنين الأكراد، شكل عاملاً آخر في موافقة إيران، نسبياً، على تحرك تركيا في الشمال التركي.

ولكنه يستدرك أن طهران قد تعارض تدخلاً تركياً موسعاً في الشمال السوري لسببين أساسيين:

  • الخوف من تنامي النفوذ السياسي التركي بما يؤثر سلباً على مشاريعها السياسية والجيو ـ اقتصادية في سوريا.
  • رغبتها في الحفاظ على ميزان قوى التعاون مع روسيا في صالحها.

ويتوقع عودة أن يتمخض عن العملية التركية المذكورة تسريع في عملية الحل في إطار محادثات آستانا الجارية بضمان روسي تركي إيراني، ومن ثم انتقالها إلى مؤتمر جنيف ذي الصبغة الدبلوماسية الدولية، وإنهاء حلم تأسيس "الفدرالية الكردية السورية" على طول الحدود التركية السورية، لكن، على الأرجح، من دون إنهاء الحكم الذاتي الكردي شرق الفرات، وهي منطقة تحميها الولايات المتحدة.

جلال سلمي

باحث سياسي واقتصادي سوري، يعمل في مركز الشرق للسياسات.

التعليقات

المقال التالي