تركيا وإيران... هل يستمر التقارب بين "الأعداء"؟

تركيا وإيران... هل يستمر التقارب بين "الأعداء"؟

على مدار السنوات الست الماضية، جرت في نهر العلاقات الإيرانية التركية مياه كثيرة. تقلبات دراماتيكية حصلت منذ انطلاق ثورات الربيع العربي، قبل الوصول حالياً إلى تقارب براغماتي توّجته زيارة الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان إلى طهران في الرابع من أكتوبر الجاري.

ورغم أن أكثرية التصريحات خلال الزيارة عن التنسيق بين الدولتين دارت حول تنسيقهما للرد على استفتاء إقليم كردستان العراق على الاستقلال، إلا أن هناك تحديات أخرى وقفت وراء التقارب الجديد بين أنقرة وطهران.

بل إن الترتيبات المتعلقة بالأوضاع في سوريا والموقف شبه الموحد من الأزمة الخليجية الأخيرة وملفات التعاون الاقتصادي والعلاقات مع موسكو ومواجهة سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تمثل، برأي محللين كثر، أبرز الدوافع لتحسن العلاقات الإيرانية التركية.

ويذهب البعض إلى أن تطورات الأحداث في المنطقة والتغيرات في خريطة السياسات الدولية والإقليمية تدفع نحو إعلان تحالف تركي إيراني قد يضم روسيا والصين، فيما يؤكد آخرون أن التباين بين طهران وأنقرة وتضارب أهدافهما يمنعان ولادة أكثر من تعاون حذر وتقارب مؤقت.

مراسيم استقبال اردوغان في طهران، 2017 مراسيم استقبال اردوغان في طهران، 2017

الربيع العربي... المفصل القريب

حمل الربيع العربي وما أعقبه من تغيرات في المنطقة العربية نذر تنافس بين نموذجين ومشروعين لقوتين إقليميتين إسلاميتين. فالمشروع الإيراني سوّق لنموذج حكم ثيوقراطي وقاد "محور الممانعة" للتصدي لما يعتبره مؤامرات تحاك ضد العالم العربي والإسلامي، ولم يتوانَ عن التدخل في شؤون دول الجوار مستخدماً الأدوات العسكرية والاقتصادية، فضلاً عن القوى الناعمة كالأدوات الثقافية والمذهبية.

أما النموذج التركي فكان، منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم، يستخدم القوة الناعمة المتمثلة في نموذج إسلامي تحديثي ليبرالي يجمع بين الإسلام والعلمانية، وشعر في بداية الربيع العربي بالارتياح لصعود حركات الإخوان المسلمين في دول الربيع، وهي حركات قريبة إيديولوجياً من الحزب التركي الحاكم.

ومع سقوط أنظمة زين العابدين بن علي في تونس وحسني مبارك في مصر ومعمر القذافي في ليبيا، تلمست إيران تحركاً تركياً لتسويق نموذجها بغية تقليص النفوذ الإيراني.

ورأت إيران في احتضان أنقرة للمعارضة السورية محاولة لفرض نظام سوري موال للأتراك يفتح الطريق أمامها للسيطرة على المنطقة العربية مثلما حدث في الحقبة العثمانية.

ولكن تركيا ما لبثت أن شعرت بأنها محاصرة مع تحجيم الإخوان، ومع تقارب مصر والسعودية على حسابها، فتوتّرت وراحت تتدخل بأدواتها الصلبة وقوتيها العسكرية والاقتصادية في بعض الصراعات، وبشكل خاص في سوريا.

أقوال جاهزة

شارك غردهل تدفع تطورات الأحداث في المنطقة نحو إعلان تحالف تركي إيراني؟

شارك غردأصبحت القضية الكردية السبب الرئيسي في ما يمكن تسميته بتحالف الأعداء بين إيران وتركيا

سوريا... بداية المواجهة

مع اندلاع الثورة السورية، اتخذت كل من إيران وتركيا موقفاً متناقضاً لأقصى درجة مع الأخرى، برأي الباحث بالشؤون الإيرانية أسامة الهتيمي.

ويلخّص رئيس مركز تكامل مصر لدراسات الرأي العام مصطفى خضري لرصيف22 الصورة بأن طهران أعلنت دعمها الكامل للنظام السوري، في ظل التحالف القائم بينهما منذ أكثر من ثلاثة عقود، فيما تحركت أنقرة بعكسها تماماً في كل الاتجاهات لإسقاط النظام السوري.

ولكن التداخلات والتعقيدات التي شهدها الملف السوري، فضلاً عن الدورين الأمريكي والروسي هناك، أسفرا في نهاية الأمر عن حدوث ولو تقارب نسبي بين الموقفين التركي والإيراني "لكنه تقارب لا يعني تخلي كل منهما عن هدفه المراد في سوريا وإنما يعني تغيير في طريقة التعاطي مع القضية"، يقول الهتيمي لرصيف22.

فالأمريكيون الذين أعلنوا في بادئ الأمر وقوفهم مع المعارضة السورية ودعمهم للجيش الحر الذي يحظى بالدعم التركي، غيّروا فجأة وبدون مقدمات أولوياتهم وراهنوا على قوات سوريا الديموقراطية التي تشكل وحدات حماية الشعب الكردية عمادها، ما أثار قلق أنقرة التي تعتبر هذه القوات الكردية السورية تابعة لحزب العمال الكردستاني الذي يخوض صراعاً مسلحاً معها منذ عام 1984.

هذا التغيّر دفع الأتراك إلى تغيير سياسة التعاطي مع الملف السوري والقبول بدور أكبر لروسيا وبدعم لعبة المباحثات والمفاوضات التي تجري في أستانا "وهو بالطبع تطور يصب في مصلحة الموقف الإيراني من سوريا"، بحسب الهتيمي.

روحاني واردوغان في مؤتمر صحفي خلال زيارة اردوغان لطهران، أكتوبر 2017 روحاني واردوغان في مؤتمر صحفي خلال زيارة اردوغان لطهران، أكتوبر 2017

الأزمة الخليجية... التقاء آخر

تسبب ملف العلاقات التركية الخليجية بشرخ كبير في جدار العلاقات التركية الإيرانية بسبب تأزم العلاقات بين الرياض وطهران، وظهر هذا الشرخ بوضوح عام 2015، مع تقارب الرياض وأنقرة.

إلا أن الأزمة الخليجية التي تفجرت أخيراً بعد إعلان السعودية والبحرين والإمارات ومصر مقاطعة قطر، كانت بمثابة "نهر جيد تجري فيه مياه العلاقات الإيرانية التركية إذ اتفقت الدولتان على دعم ومساندة قطر وعدم التخلي عنها في مواجهة تجمع عربي أعلن أن من بين ما دفعه لاتخاذ هذا موقفه من قطر تقاربها مع كل من تركيا وإيران"، يشرح الهتيمي.

الشمس الإيرانية والقمر التركي

بين تركيا وإيران صراع تاريخي سياسي ومذهبي، وحروب دموية ومعارك على مدى قرون، يمكن مشاهدة آثارها في ما غنمه العثمانيون من الفرس ويعرضونه الآن في متحف طوب كابي.

حالياً، يتفق الطرفان بشكل كامل على محاربة نزعات الأكراد الاستقلالية، خوفاً من وصول هذه النزعة إلى أكراد البلدين، وبالتالي يتفقان على منع قيام دولة كردية بشتى الوسائل، "لتصبح القضية الكردية السبب الرئيسي في ما يمكن تسميته بتحالف الإخوة الأعداء"، وفق وصف الباحث بالشؤون الكردية محسن عوض الله.

ولكن التقارب بين طهران وأنقرة "طارئ ومؤقت ويرتبط بتداعيات سياسية ومتغيرات إقليمية معينة"، يقول عوض الله لرصيف22 مضيفاً أن "الشمس التي تتصدر علم إيران منذ أيام حكم الشاه لا تقترب من القمر الذي يعلو علم تركيا منذ أيام الخلافة العثمانية إلا في حالات الكسوف والخسوف التي تحدث على فترات متباعدة".

ويشكل إقليم كردستان العراق، برأي عوض الله، إحدى ساحات صراع النفوذ وأيضاً التعاون بين طهران وأنقرة خاصة في ظل العلاقة التي تربط معظم أحزاب الإقليم بالعاصمتين الإقليميتين.

شمس علم إيران لا تقترب من قمر علم تركيا إلا في حالات الكسوف والخسوف التي تحدث على فترات متباعدة

فالحزب الديقراطي الكردستاني بزعامة مسعود برزاني ارتبط بعلاقات قوية مع أنقرة، حتى فترة قصيرة قبيل الاستفتاء، بصورة جعلت أربيل، عاصمة كردستان العراق، سوقاً مفتوحة أمام الشركات التركية وتجاوزت استثمارات أنقرة في الإقليم 10 مليارات دولار، إلى حد دفع معارضي بارزاني إلى تداول صور للعلم التركي داخل المصالح الحكومية بالإقليم.

أما حزب الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة الراحل جلال طالباني، والذي تعتبر مدينة السليمانية معقله، فيخضع بشكل كبير للنفوذ الإيراني ولا تتوقف زيارات قاسم سليماني قائد الحرس الثوري إلى المدينة، عدا وجود بعض عناصر حزب العمال الكردستاني فيها، وفق عوض الله.

ويرجع عوض الله إصرار حكومة كردستان العراق التي يسيطر عليها بارزاني على إجراء الاستفتاء برغم علاقاتها القوية بأنقرة، إلى تدهور الأوضاع داخل الإقليم سياسياً واقتصادياً. فبارزاني انتهت ولايته الرئاسية عام 2015 ولا يجوز التجديد له، والبرلمان فيه معارضة قوية ترفض تعديل الدستور لمصلحته ما دفعه إلى حل البرلمان ليصبح الإقليم عملياً بلا مؤسسات سياسية.

وفي وسط هذه المعمعة، "كان برزاني بحاجة إلى حدث جلل يستعيد به شعبيته وشرعيته ويجمع الشعب حوله، ولم يكن هناك أفضل من فكرة الدولة الكردية"، بحسب عوض الله.

التعاون في سوريا

ترتبط تركيا بسوريا بحدود يبلغ طولها أكثر من 800 كيلومتر، ومنها يطل ما تعتبره أنقرة "خطراً كرديا" يعمل على خلق كيان مستقل على أنقاض الدمار السوري. وترى أنقرة أن أبرز أحزاب سوريا، حزب الاتحاد الديمقراطي، مرتبط بعدوها حزب العمال الكردستاني، ومنها أيضاً يطل خطر الوجود الإيراني والميليشيات الشيعية التي يحركها على الأراضي السورية.

وبرغم التقارب أخيراً بين الدولتين، فإن التعاون بينهما، برأي عوض الله، ربما يعجز عن إحداث تغيير أو تأثير في وضعية الأكراد بشمال سوريا في ظل علاقتهم المتينة بواشنطن واعتبارهم جناحاً عسكرياً برياً للتحالف الدولي لمكافحة الإرهاب.

ويعتبر أن أقصى ما يمكن أن تفعله إيران لأجل تركيا في مواجهة أكراد سوريا هو الإيعاز لقوات النظام السوري بالدخول في مناوشات مع قوات سوريا الديمقراطية، كما سبق وحدث في دير الزور والحسكة.

أما غير ذلك، يتابع، فالتعاون بين البلدين داخل سوريا يظهر بشكل أكبر في تنسيق مواقفهما حول مناطق خفض التوتر في ظل رغبة تركيا بالتحكم بمحافظة إدلب.

وبرأي خضري، ربما تكون القضية الكردية عاجلة، لكنها ليست أهم الملفات المطروحة بين الدولتين، فهناك ملفات كثيرة مهمة مثل اليمن والسيطرة على باب المندب، سوريا وبقاء بشار الأسد، الصراع الخليجي والقواعد العسكرية التركية في المنطقة، وأخيراً وليس آخراً المشروع النووي الإيراني وإمكانية التعاون فيه مع تركيا.

آفاق التحالف

التقاربات بين تركيا وإيران لن تدوم طويلاً وفق توقعات الهتيمي، فأحداث التاريخ تدلّ على أن مثل هذه التحالفات حدثت في فترات كثيرة، لكنها سرعان ما تنهار وتعود العلاقة بين البلدين للفتور وأحياناً إلى الصراع، وذلك بسبب العداء التاريخي بينهما وتنافسهما على النفوذ، ومن ثم فإن التقارب الحالي ليس إلا انعكاساً لمشاعر القلق مما يحدث في العراق.

لكن الهتيمي لا يستبعد أن تسعى الدولتان بالفعل إلى تكوين تحالفات إقليمية ودولية تعمل على فرض الأمر الواقع ومنع التوجهات الانفصالية لدى أكراد العراق وهي التحالفات التي يمكن أن تضم كلاً من الصين وروسيا، مع أن الأخيرة لم تعلن موقفاً ضد استقلال كردستان وعلّقت بعموميات حول الاستفتاء.

ويرى الهتيمي أن التقارب بين تركيا وإيران سيكون بطبيعة الحال على حساب المصالح العربية، خاصة الخليجية منها، والتي ترى أن السياسيات الإيرانية ليست إلا تعبيراً عن مشروع طائفي توسعي يستهدف مدّ النفوذ وبسط السيطرة والهيمنة على البلدان العربية السنية.

وبرأيه، جاء التقارب التركي مع إيران بمثابة داعم قوي لاستمرار إيران في تنفيذ مشروعها بدلاً من أن تكون تركيا، باعتبارها إحدى أهم قوى المحور السني، في مواجهة هذا المشروع.

كلمات مفتاحية
إيران تركيا

التعليقات

المقال التالي