يا عم حمزة، الليلة يا سمرة... وأغنيات أخرى كتبت في السجون العربية

يا عم حمزة، الليلة يا سمرة... وأغنيات أخرى كتبت في السجون العربية

بين أربعة جدران ونافذة صغيرة يتمدد منها ضوء خافت يشير إلى بارقة أمل في الخلاص، لم يجد مسجونون سوى الأغنية لوصف تجربتهم والتعبير عن أحوالهم، وربما لم يدرك هؤلاء المبدعون وقتذاك أن أغانيهم ستعيش في وجدان الشعوب وتكون جزءاً من تاريخ بلادهم.

يا عم حمزة، محمود الحفني

شهدت ثورة 1919 ميلاد أغنية شهيرة جداً هي "يا عم حمزة". وقال الشاعر المصري زين العابدين فؤاد لرصيف22 إن الأغنية كتبها الدكتور محمود الحفني عندما كان معتقلاً في سجن القلعة أثناء أحداث الثورة، وكان حينذاك طالباً، ولحّنها من خارج السجن سيد درويش، وغناها الطلاب في ذلك الوقت.

يا عم حمزة/ احنا التلامذة/ ما يهمناش في السجن نبات/ أو في المحافظة/ واخدين على العيش الحاف/ والنوم من غير لحاف/ مستعدين/ ناس وطنيين/ دايما صاحيين/ إحنا التلامذة.

و"حمزة" هو حارس السجن الذي تعاطف مع الطلاب، ولم يستجب لأوامر الإنجليز بمعاملة المعتقلين معاملة سيئة.

وقال فؤاد إن هذه الأغنية عاشت في وجدان المصريين، حتى أن أحمد فؤاد نجم استدعاها في السبعينيات من القرن الماضي أثناء تظاهر الطلاب ضد سياسات الرئيس الراحل أنور السادات، وكتبها مرة أخرى بصيغته "يا عم حمزة/ رجعوا التلامذة/ يا عم حمزة/ للجد تاني"، وغنّاها الشيخ إمام.

الليلة يا سمرة، فؤاد حداد

جزء كبير من إنتاج الشاعر فؤاد حداد كتبه داخل السجون، فقد كان معتقلاً من 1959 حتى 1964، وله أغنية شهيرة كتبها أثناء سجنه بعنوان "الليلة يا سمرة" وغناها محمد حمام في السجن، وبعده غناها المطرب النوبي أحمد منيب ثم محمد منير، روى فؤاد.

مصر يا أمة يا بهية، أحمد فؤاد نجم

أنتج أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام جزءاً كبيراً من فنهما أثناء سجنهما الذي استمر من سنة 1969 حتى 1972، وكان أشهر ما أنتجاه خلال هذه الفترة "مصر يا أمة يا بهية"، ذكر فؤاد.

مصر يا أمة يا بهية/ يا أم طرحة وجلابية/ الزمن شاب/ وانتي شابة/ هو رايح/ وانتي جية/ جية فوق الصعب ماشية/ فات عليكي ليل وميه/ الليل جزاير جزاير/ يمد البحر يفنيها/ والفجر شعلة حتعلا/ وعمر الموج ما يطويها.

وأغنية "اتجمعوا العشاق في سجن القلعة" كتبها نجم أيضاً في السجن ولحنها وغناها إمام، بحسب فؤاد.

اتجمعوا العشاق في سجن القلعة/ اتجمعوا العشاق في باب الخلقوالشمس غنوة من الزنازن طالعة/ ومصر غنوة مفرعة في الحلق/ اتجمعوا العشاق بالزنزانة/ مهما يطول السجن مهما القهرمهما يزيد الفجر بالسجانة/ مين اللي يقدر ساعة يحبس مصر.

يا المنفى، آكلي يحياتن

قال الباحث في التراث الجزائري فوزي سعد الله لرصيف22 إن أغنية "يا المنفى" كتبها ولحنها المغني الجزائري آكلي يَحْياتَنْ (يحياتن مشتقة من يحيى بصيغة أمازيغية، والمغني جزائري أمازيغي يغني بالعربية والأمازيغية)، أثناء سجنه خلال الثورة الجزائرية في نهاية الخمسينيات، وهي تحظى إلى اليوم بشعبية كبيرة حتى أن الشاب خالد مغني الراي، أعاد غناءها قبل نحو  10 سنوات.

وأشار إلى أن يحياتن كان عازفاً على العود والموندول أيضاً، وما زال على قيد الحياة ويقيم في فرنسا.

قد يصعب على كثيرين فهم بعض كلمات الأغنية، لأنها بعامية مدينة الجزائر بشكل خاص وتمزج العربية بعبارات فرنسية. مثلاً التريبينال تعني المحكمة والجدارْمِية تعني الجندرمة، بحسب سعد الله.

قولو لأمى ما تبكيش... يا منفي/ ولدك ربي ما يخليش... يا منفي/ ويا داخل وسط البيبان... يا منفي/ والسبعة فيها الجدعان... يا منفي.

وهذه صيغة الشاب خالد مع الشاب راشد طه والشاب فضيل.

يا المقنين الزّين، أحمد الباجي

قام الفنان الجزائري أحمد الباجي بتأليف وتلحين كلمات هذه الأغنية أثناء حبسه في سجن "سِرْكاجِي" بمدينة الجزائر، حيث كان محكوماً عليه بالإعدام من إدارة الاحتلال الفرنسي، لأنه كان من المقاتلين خلال الثورة الجزائرية، قال سعد الله.

وذكر الباحث أن الباجي أُخذ مرتيْن أو ثلاثاً إلى المقصلة ليُقطَع رأسه، ثم كانت تحدث أمور طارئة في آخر لحظة فيُؤجَّل تنفيذ الحكم فيه، إلى أن جاء الاستقلال، فنجا من الموت مثلما نجت جميلة بوحيرد والكثير من المحكوم عليهم بالإعدام.

أقوال جاهزة

شارك غردقصة "أحن إلى خبز أمي" كما يحكيها محمود درويش، وقصص أغانٍ أخرى كتبت في السجون

شارك غردقصائد كتبت في السجون ولم يعرف أصحابها أنها ستتحول إلى أغانٍ تعيش في وجدان الشعوب وتصبح جزءاً من تاريخهم

في "المقنين الزين" يناجي الشاعر طائر الحسون الذي يسمى في الجزائر "المقنين" ويشبه نفسه وهو في زنزانته بالطائر في قفصه، أضاف سعدالله.

يا المقنين الزين/ يا أصفر الجنحين/ يا حمر الخدين/ يا كحيل العينين/ هادي مده وسنين/انت في قفص حزين/ تغني بصوت حنين/ لا من يعرف غناك منين.

ضابط السجن، محمد حامد عبد الله

في حوار له مع الموقع الرسمي لوزارة الدفاع السودانية ذكر الشاعر محمد حامد عبد الله قصة أغنية "ضابط السجن" التي كتبها أثناء اعتقاله بسجن الأبيض في عهد الرئيس الأسبق جعفر النميري، وقال: "كتبتها بقلم الرصاص على ورقتين انتزعتهما من صناديق السجائر بعد مرور خمسة أشهر في المعتقل، ولم أخاطب ضابطاً معيناً وإنما شخصية اعتبارية تجسد سلطة السجون".

وأوضح أنه عندما نُقل إلى المستشفى بسبب إضرابه عن الطعام وإرجاعه مرة أخرى للمعتقل أعطى بعض قصائده، منها "ضابط السجن" لشخص كان يعمل في سلك التمريض بمستشفى الأبيض، ولم يقصد تلحين جزء من هذه الأعمال أو توصيلها إلى شخص آخر من معارف المغني عبد الرحمن عبد الله ليعطيها له.

وتابع: "نسيت الموضوع وفي إحدى الأمسيات وكنا في باحة العنبر وكانت أمسية شديدة الحر تهادى إلينا صوت المايكرفون من حي مجاور للسجن يغني فيه عبد الله:

صبرك لحظة واحدة يا ضابط السجن/ أتزود بنظرة وأرجع أتسجن/ أسمح لي أشوفو يا ضابط السجن/ ولا الطبع غالب والقانون علن.

وقال "تعالت صيحات الدهشة بعنبر الأبيض وانبهر المعتقل من هذه اللغة الجديدة، وبدا لي ما سمعته كالحلم، وقفزت وقلت إنها كلماتي كتبتها في هذا العنبر، وقرأت بقية القصيدة للتأكيد، فانقلب العنبر إلى حفلة حقيقية شارك فيها حتى الحراس من فوق أبراج المراقبة".

ارحل، محمد وردي

على صفحات جريدة سودانية كتب الناقد الأدبي أنس العاقب سيرة حياة المغني السوداني محمد وردي على عدة حلقات، وتطرق في إحداها إلى قصيدة "قلت ارحل" التي كتبها التيجاني سعيد، وانفعل بها وردي وفهمها بعمق وهو حبيس سجن كوبر عام 1971 في عهد النميري.

الأغنية كما ذكر وردي لحنها فى السجن دون اعتماد على آلة موسيقية، ولم يغير السلم الذي كانت عليه بعد إطلاق سراحه.

وأشار إلى أنه كان يغني الأغنية لرفاقه في السجن أثناء مراحل تلحينها الأخيرة بغرض الحفظ والتجويد ولأجل الترفيه أيضاً، إلى أن عاد إلى جمهوره وأداها في أول حفل يقام في شتاء 1973 بحدائق المقرن، بعد أن نال حريته.

قلت أرحل/ بدون عينيك/ رحلت وجيت/ زمان الغربه والتبريح بسيبو/ وانت معايا لا بندمأصلو العمر كان كان كان/ سقيتو بكا وقبضت الريح/ رحلت وجيت/ في بعدك لقيت/ كل الأرض منفى.

أحن إلى خبز أمي، محمود درويش

في جريدة "اليوم السابع" المصرية استعرض الكاتب سعيد الشحات تفاصيل حوار أجراه مع الشاعر الفلسطيني محمود درويش أثناء جلسة جمعتهما بأشخاص آخرين منهم الشاعر سميح القاسم.

واستعرض درويش قصة قصيدته "أحن إلى خبز أمي" التي كتبها فى سجن معصيان عام 1964 وغنّاها الفنان اللبناني مارسيل خليفة، وقال: "كان عندي مشكلة وأنا صغير، كنت أعتقد أن أمي لا تحبني، فأنا الثاني فى ترتيب أشقائي، أخي الكبير تحميه أمي، والأب يحمي الأصغر مني، وأنا ضائع، وعند حدوث أي مشكلة كبيرة، كنت أنا من ينزل عليه العقاب، كبرت ولا أعرف ما إذا كانت عقدتي نحو أمي لها علاقة بالإحساس أم لا، واستمر الحال هكذا، حتى اعتقلتني قوات الاحتلال أول مرة".

وأضاف درويش: "ذات يوم أبلغني سجاني أن هناك زيارة لي، خرجت لأجد أمي وكانت مفاجأة، دخلت في حضنها، قبلت يدها ورأسها ووجهها، أمي التي كنت واهماً أنها لا تحبني هى الآن أمامي، كان إحساساً مفاجئاً أشعر به، انفجر حبي لها، ولما انصرفت تأملت القصة كلها ولم أجد أجمل من الاعتذار إلا بكتابة قصيدة اعتذار عن ظلمي لها طوال السنوات السابقة".

أحنُّ إلى خبزِ أمّي/ وقهوةِ أمّي/ ولمسةِ أمّي/ وتكبرُ فيَّ الطفولةُ/ يوماً على صدرِ يومِ/ وأعشقُ عمري لأنّي/ إذا متُّ/ أخجلُ من دمعِ أمّي.

يا حريمة، ناظم السماوي

روى الشاعر العراقي ناظم السماوي قصة أغنية "يا حريمة" التي كتبها في سجن نقرة السلمان عام 1963 حين كان معتقلاً على خلفية اتهامه بالانتماء إلى الحزب الشيوعي العراقي، وذكر أن فتاة جميلة كانت تزور أخاها في السجن، فتوددت إليه وتحولت الزيارات إلى حب قوي، لكن بعد عدة شهور اختفت وحين سأل عليها، عرف أنها تزوجت، فوقع عليه النبأ كالصاعقة.

وبعد أيام كتب السماوي القصيدة وظلت معه، ثم أعطاها للملحن محمد جواد أموري، فبقيت عنده عاماً ونصف العام، ثم لحنها بعد وفاة زوجته،
وأسند غناءها للمطرب حسين نعمة.

ياحريمه أنباكت الجلمات/ من فوكَ الشفايف/ ياحريمه ياحريمه/ ياحريمه أسنينك العشرين/ مامرها العشكَ والعشكَ خايف/ ياحريمه ياحريمه/ لا ولك/ لا لا على بختك ماني سالوفه صرت بين الطوايف.

أنت تدري، مجيد مرهون

على صفحات جريدة الوقت البحرينية، دوّن الكاتب يوسف محمد السيرة الذاتية للموسيقار البحريني مجيد مرهون الذي روى له تفاصيل من محطات حياته الرئيسية، منها فترة اعتقاله.

وقال مرهون إنه انضم إلى جبهة التحرير الوطني البحرينية، وفي عام 1966 نفّذ مهمة تفجير سيارة ضابط المخابرات البريطاني بوب لانغديل ومساعده الأردني أحمد محسن (كانت القوات الإنجليزية في منطقة الخليج العربي في ذلك الوقت)، وبعد سنتين تم اعتقاله وحوكم في 8 فبراير 1969، وصدر الحكم عليه بالمؤبد، وبقي في السجن 22 عاماً حتى ذاق الحرية في 26 أبريل 1990.

وذكر مرهون أنه في عام 1965 نُشرت في أحد أعداد مجلة نشرة الجماهير أبيات تدعو الشعب للسير نحو تحقيق الاستقلال فتفاعل معها، وقام بتلحينها، وكان ذلك قبل دخوله المعتقل:

طريقنا انت تدري/ شوكٌ، وعرٌ، عسيرُ/ موتٌ على جانبيه/ لكننا سنسيرُ/ إلى الأمام، إلى الأمام، إلى الأمام سنسيرُ.

وأشار مرهون إلى أنه بعد محاكمته ودخوله السجن سنة 1968، أضاف إليها عدداً من الأبيات لتكون جزءاً مكملاً للنص الأول بعد أن أضاف إليها لحناً جديداً:

فهُبوا جميعاً أسود النضال/ وضحَوا وثوروا لأجل أوال (اسم البحرين القديم)/ وزكوا دماءً وحققوا المحال/ لتحرير شعبٍ من الاستغلال.

وأضاف يوسف أن الفنان البحريني سلمان زيمان ذكر في ورقة قدمها في 20 مارس 2005 أنه في العام 1985 التقى أحمد الشملان برفيقه مرهون بين جدران المعتقل، وتناغما معاً في فنون الموسيقى والشعر المقاوم، فكتب الشملان شطراً جديداً من هذا النشيد، ولحنها مرهون احتفاءً بمرور ثلاثين عاماً على تأسيس جبهة التحرير الوطني البحراني.

كما أضاف زيمان أبياتاً جديدة، ولا يزال هذا النشيد يردد في الكثير من المناسبات.

التعليقات

المقال التالي