جماعة "التبليغ والدعوة" في مصر... الدين كما يريده الأمن وترضى عنه الجماعات الإسلامية

جماعة "التبليغ والدعوة" في مصر... الدين كما يريده الأمن وترضى عنه الجماعات الإسلامية

في قرية صغيرة بأول طريق الصعيد، على بعد 25 كيلومتراً عن القاهرة، يدخل المئات من أصحاب اللحى الكثيفة والجلابيب الآسيوية مبنىً مشيّداً على مساحة ثلاثة أفدنة، حاملين حقائبهم وأمتعتهم وتاركين وراءهم أهلهم وأعمالهم، ليخرجوا بعد ذلك بأيام، عقب إنهاء رحلة "الخروج في سبيل الله".

في المركز العالمي للدعوة الإسلامية التابع لجماعة التبليغ والدعوة في طموه بالجيزة، لا مجال للتطرق إلى السياسة، ولا غياب عن رقابة الأمن. والحديث كله يدور حول جهاد النفس وإصلاح الفرد كطريق لـ"إصلاح الأمة".

أينما تكونون تدرككم "الجولات"

قبل فترة قصيرة، فوجئ كثيرون من المصريين بعناصر التبليغ ينتشرون أمام السينمات والمقاهي، وبشكل خاص في منطقتي 6 أكتوبر ووسط القاهرة، وينصحون المارة بالصلاة و"ترك اللهو"، قبل أن يختفوا سريعاً.

كان عاصم درويش في طريقه للخروج من منزله في الحي الخامس بأكتوبر، قبل أن يستوقفه عجوزان وأربعة شباب من الجماعة، طالبين منه التوجه معهم لصلاة العشاء في زاوية تدعى "الإسراء"، في المجاورة الأولى بالحي السادس.

حينما أخبرهم بأنه مجرد زائر للمنطقة، نصحوه بالصلاة في أي مسجد يقابله، تاركينه في حيرة من الظهور المفاجئ لذوي الوجوه غير المعروفة في المنطقة.

تابعت عينا عاصم هؤلاء الأشخاص يمرّون بالمتاجر والمارة، قبل أن يتواروا عن الأنظار. وقال لرصيف22 إنه علم في ما بعد أنهم طائفون غير دائمين أقاموا في المنطقة لأيام قبل أن يختفوا نهائياً.

احتكاك التبليغ والدعوة بعاصم لم يبدأ من هذه اللحظة. فحينما كان طالباً في جامعة الأزهر، دعاه عناصر الجماعة للمشاركة في أنشطتهم. وعلى الرغم من عدم وضوح نشاطهم بشكل بارز داخل الحرم الجامعي، كان انتشارهم مكثفاً داخل المساجد والمدن الطلابية.

لم يكن عاصم وحده الذي مرّ بهذا الموقف، فالطالب الجامعي حسين علي مر أيضاً بالموقف ذاته في عزبة شاهين، جنوب مدينة المنيا، حيث كان شيوخ التبليغ والدعوة يطوفون على شقق طلاب المنطقة، بعد كل صلاة مغرب ليتحدثوا معهم.

"في أحد الأيام طرقوا باب شقتنا، ومن بينهم إمام الزاوية التي نقيم بجوارها، سألونا كيف تسير الدراسة معنا، داعين لنا بالتوفيق، بعدها أخذوا يحدثوننا عن فوائد الصلاة والعبادة وأثر ذلك على تحصيلنا العلمي، ولم يتركونا حتى ارتدينا ملابسنا وذهبنا معهم للصلاة. كانوا يفعلون الأمر ذاته في الشقق والمناطق المجاورة أيضاً"، يحكي حسين لرصيف22.

أقوال جاهزة

شارك غردتعمل في مناطق عدة، بينها مصر وإسرائيل. ترضى عنها الحكومات والجماعات الإسلامية. تعرّفوا على التبليغ والدعوة

شارك غردجماعة التبليغ والدعوة... تدعوا بطريقة سلسة إلى الدين ولا تتدخل في السياسة ولكن خبراء يتخوفون من أن تتحول محطة ترانزيت نحو الإرهاب

"رومانسية الهداية"

"حينما كنت في المرحلة الابتدائية عام 1993، كانوا يحضرون لنا البونبون لترغيبنا في الصلاة داخل إحدى زوايا منطقة إمبابة، وكانوا يشاركوننا في لعب الكرة، وفي أولى مراحلي الثانوية انضممت إليهم وخرجت معهم لثلاثة أيام للدعوة في سبيل الله في منطقة جزيرة الوراق، وفي أحيان كثيرة، كان يخرج معنا دكاترة ومهندسون وأساتذة جامعة"، يروي عبد الله سعداوي قصة دخوله الجماعة لرصيف22.

برنامج جولات "أبناء الدعوة"، بحسب عبد الله، يبدأ بالوصول إلى المنطقة المستهدفة، بعد العشاء في أغلب الأحيان، ثم يتم ترتيب مكان النوم، فقيام الليل، وبعد ذلك يؤدون صلاة الفجر، ويتلون الأذكار حتى شروق الشمس، ويتبع ذلك اجتماع صباحي لتحديد خطة العمل، مع وجود مرشد من المنطقة يقودهم نحو وجهتهم تجنباً للمضايقات، وبعد صلاة العصر يقدم أحدهم درساً دينياً لا تزيد مدته على ربع ساعة، على أن يخرجوا في الشوارع بعد صلاة المغرب".

ويضيف: "في المنطقة المستهدفة، جميع الأماكن مباحة لنشر الدعوة، بما فيها محلات البلاي ستيشن، وصالات البلياردو، والمقاهي، والسينمات، كما أن جميع المواطنين أهداف للهداية، خاصة اللصوص، والبلطجية، ومدمني المخدرات، بل إنه من الرومانسية الدينية للداعين أن عدداً من الشيوخ أحضروا مدمن مخدرات للصلاة معهم في إحدى الزوايا، وبمجرد أن ناموا قليلاً استيقظوا ليجدوه قد سرق أموالهم وهرب، وحين وجدوه أدخلوه معهم مرة أخرى، لكنهم شددوا المراقبة عليه هذه المرة".

عدم معرفة "جوالي الدعوة" بمناطق رحلتهم قد يعرّضهم أحياناً لمواقف محرجة، مثل أن ينصحوا شخصاً بالصلاة فيكتشفوا أنه مسيحي. بهذه الحالة، يوضح عبد الله أن الشيوخ الكبار كانوا ينصحونهم بتغيير الحديث إلى المودة بين الأديان، وإذا لم يقبل الطرف الآخر استكمال الحوار، يدعونه لتناول "شيء لطيف" ويذهبون.

نشاط عناصر "التبليغ والدعوة" ليس بعيداً عن أعين الشرطة المصرية. يجب عليهم الحصول على تصريحات من جهاز أمن الدولة وتقديم تقارير له عن فعالياتهم في المناطق التي يتوجهون إليها، بحسب ما كان يعرفه عنهم عبد الله الذي ترك الجماعة في ما بعد لرفضها اتخاذ موقف من مقتل الناشط سيد بلال على أيدي عناصر من الجهاز ذاته، قبل أيام من ثورة 25 يناير، بدعوى التركيز على إصلاح المجتمع أولاً.

هذا التنسيق يؤكده العضو الحالي في الجماعة محمد المحلاوي، موضحاً أنه ذات مرة دعاه عدد من عناصر أمن الدولة لزيارة لواء شرطة في أحد مستشفيات منطقة العجوزة، فأكد له أنه كان يرسل ضباطاً بدعوى الخروج معهم في سبيل الله لكتابة تقارير عنهم، وحينما جاءت تقييماتهم إيجابية ظن أن عناصر الجماعة يعطونهم أموالاً لفبركة التقارير.

ولكن لقصة المحلاوي تكملة رومانسية. فهذا اللواء بحسب قصته، "قرر الخروج مع الضباط، إلا أنه تأثر بفكرهم فتقدم باستقالته من جهاز الشرطة ولجأ إلى طريق الدعوة".

ويشرح المحلاوي أن هناك ست صفات مميزة في منهج التبليغ والدعوة يفرق من خلالها أمن الدولة بين أبناء الجماعة وعناصر الجماعات الأخرى، بسؤالهم عنها وعن مقاصدها، وهي: اليقين على كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله، والصلاة ذات الخشوع والخضوع، والعلم مع الذكر، وإكرام المسلمين ومحبتهم في الله، وتصحيح النية وإخلاصها لله، فضلاً عن الدعوة والخروج في سبيل الله، ولدى ذكرها وثبوت انتماء العضو يتم الإفراج عنه.

ليس هذا فقط ما يطمئن الأمن من نشاط الجماعة، بل معارضتها أيضاً للحديث في السياسة والانتخابات. فلم يحظ المحلاوي بدعمها لترشحه في انتخابات الرئاسة عام 2013 علماً أنه انسحب منها قبل بدايتها، وحينما اقترح تغيير هذا الفكر واستغلال المعترك السياسي في "خدمة الدين" قوبل اقتراحه بالرفض.

منهج الجماعة... ومشاهير على الطريق

"ليست لدينا عضوية أو اشتراكات. الكل يشارك بنفسه ووقته وماله الحلال، ومَن يرغب في الخروج في سبيل الله نرسله إلى المركز الرئيسي في طموه، ومن هناك يتم توجيهه إلى أماكن خروج الإخوة"، يقول المحلاوي.

ويشير إلى أن تعداد الجماعة في مصر يبلغ نحو ربع مليون، وأنها مقسمة داخلياً إلى سبع مناطق يترأسها أمير واحد، وهو حالياً طه عبد الستار.

تعقد جماعة التبليغ والدعوة اجتماعاً سنوياً عالمياً يشارك فيه مئات الآلاف من أتباعها، في ما يوصف بأنه ثاني أكبر تجمع إسلامي بعد الحج

ومن قادتها ومؤسسيها السابقين إبراهيم عزت، وشكري عرفة، وغيرهما، كما تضم عدداً من المشاهير البارزين منهم لاعب نادي الزمالك والأهلي السابق جمال عبد الحميد، والفنان محمود الجندي، ورجل الأعمال الشهير أشرف السعد.

ويعد "حياة الصحابة" أبرز الكتب المعروفة في منهج الجماعة، بحسب المحلاوي. ويضيف إليه الخبير في الحركات الإسلامية أحمد بان كتب "رياض الصالحين"، و"الترغيب والترهيب"، و"الأدب المفرد".

وتعقد الحركة الأم اجتماعاً سنوياً عالمياً، كان في بنغلاديش هذا العام، يشارك فيه مئات الآلاف من أتباعها، في ما يوصف بأنه ثاني أكبر تجمع إسلامي بعد الحج.

ترانزيت نحو الجماعات الإسلامية؟

في منتصف عام 2014، استقبل شيخ الأزهر أحمد الطيب، الداعية سعيد عرفة، وأوصاه بالاهتمام بفقه الواقع وخطاب "الفئات التي تجهل أمر دينها"، وعدم قصر الدين على العبادات دون المعاملات. ولم يعترض الطيب على نشاط الجماعة، التي سار في ما بعد على نهجها بحملات التوعية في المقاهي والأماكن العامة.

وقال مستشار مفتي الجمهورية إبراهيم نجم لرصيف22 إنه ليست هناك مشكلة في نشاط الجماعة، وإن اختلاف وسائل الدعوة إلى الله أمر مقبول يقتضيه اختلاف طبائع البشر، مؤكداً أن عناصرها مشهود لهم بصحة العقيدة، وبالتسابق في حمل همّ الإسلام.

ويوافق نجم حديث مؤسس الجماعة، الهندي محمد إلياس الكاندهلوي، ببشارتهم بأن أجر الواحد منهم في طريق الدعوة مثل 50 صحابياً، موضحاً أنه موافق لحديث الرسول، وليس فيه ما يخالف عقيدة المسلمين.

ويؤكد أحمد بان أن انتشار الجماعة في الفضاء الدعوي أمر طبيعي في ظل عدم تمثيلها أي تهديد للنظام، إلا أنها في الوقت ذاته تثير المخاوف من تحولها إلى محطة ترانزيت تمهد الطريق أمام عناصرها للانضمام إلى جماعات إسلامية أخرى قد تكون متطرفة.

هذا الأمر، بحسب بان، كشف عنه مؤسس الحركة ذاته في مصر إبراهيم عزت، حينما وعد قيادات الجماعات الإسلامية بجلب الناس للمساجد على أن يتولوا أمرهم على طبق من ذهب.

بحسب منهج جماعة التبليغ والدعوة، حتى مجرم الحرب آرييل شارون ليس شخصاً سيئاً بطبيعته، فقد كان بإمكانه أن يصبح أفضل مما كان عليه إلا أن نور الهداية لم يصله

وهو ما أكده أيضاً زعيم الجهاد الأفغاني عبد الله عزام، حينما قال إنهم يأتون بالسكارى من المقاهي إلى المساجد ويمشون معهم نصف الطريق، داعياً "الشباب المسلم" إلى الإمساك بأيدي "المهتدين" لإكمال نصف الطريق الثاني و"إيصالهم للجهاد ومعسكرات التدريب"، بحسب دراسة بعنوان "جهود الدكتور عبد الله عزام في نشر الدعوة الإسلامية".

ويتخوف بان من تأثر عناصر الجماعة بأفكار القيادات في الهند وباكستان وبنغلادش، وعودتهم بأفكار مغلوطة تشوّه صورة الدين خلال جولاتهم الخارجية، موضحاً في الوقت ذاته أنه لدى حدوث الأمر سيتم تحجيمهم سريعاً بسبب الرقابة الأمنية.

مع ذلك، لا يرى الداعية السلفي ناصر رضوان انتشار أبناء التبليغ شيئاً مقلقاً، مؤكداً أنهم موجودون في كل وقت، حتى بعد فترة التضييق على عناصر الحركات الإسلامية عقب 30 يونيو 2013.

ويؤكد رضوان أن لا خوف أيضاً من تأثير سلبي محتمل للجولات العالمية، لأن الجمهور الذي تخاطبه الجماعة لا يفكر في هذه الإشكاليات، وأفراده غالباً من عوام الناس الذين لا يفقهون شيئاً عن الدين، ولا يفضلون الخوض في قضايا جدلية.

في إسرائيل... تخوف يهودي وتسهيلات حكومية

بحسب منهج الجماعة، حتى مجرم الحرب آرييل شارون ليس شخصاً سيئاً بطبيعته، فقد كان بإمكانه أن يصبح أفضل مما كان عليه، إلا أن النور الذي هدى غيره لم يصله.

من هنا ترسل الجماعة أبناءها للدعوة في إسرائيل، عبر مركزها في جنوب إفريقيا، بسبب منع السلطات المصرية المواطنين من السفر إليها مباشرة، وفق ما يؤكده المحلاوي.

هذه التحركات دعت عدداً من المنظمات اليهودية المتطرفة، ومن أبرزها "يد للإخوة"، إلى التحذير من تزايد نشاط الجماعة على أرض المعركة الروحية، وتأثيرها في اعتناق الكثيرين للإسلام، ومن بينهم الحاخام جوزيف كوهين الذي غيّر اسمه إلى يوسف خطاب، كاشفةً عن هوية أميرها أبو ياسين، فضلاً عن مناطق عملها في كفر مندا، والخليل، ونابلس، واللد، وحي جعفات شاؤول في القدس المحتلة المكتظ باليهود المتديّنين.

ومن بين الناشطين البارزين في الجماعة الذين رصدتهم المنظمة اليهودية، سالم الطويل، وإبراهيم نادر، فضلاً عن عبد الله الفراحين، الذي يشمل نشاطه السفر إلى مصر وغيرها لتمويل أنشطة الدعوة، معتبرةً أن "المبشرين المسلمين" هم الخطر الجديد الذي يهدد الكيان الإسرائيلي.

ترك يوسف خطاب إسرائيل بعد اعتناقه الإسلام مع زوجته وأبنائه الخمسة، إلا أن نشاط "التبليغ" متواصل حتى الآن، دون تضييق من الحكومة الإسرائيلية، الأمر الذي يعد إشارة بقبول عملها الذي من شأنه صرف المسلمين في المنطقة عن "جهاد السلاح" إلى "جهاد النفس".

كلمات مفتاحية
الإسلام مصر

التعليقات

المقال التالي