المرأة السعودية تنتصر في إحدى أطول معاركها: وأخيراً سُمح لها بقيادة السيارة

المرأة السعودية تنتصر في إحدى أطول معاركها: وأخيراً سُمح لها بقيادة السيارة

في مثل البارحة (26 سبتمبر) من العام 2011 استدعت هيئة قضائية سعودية الناشطة نجلاء حريري لبدء التحقيق معها بتهمة قيادتها السيارة في المملكة العربية السعودية.

لم تكن تدرك حريري يومها أنه في اليوم الذي بدأت فيه محاكمتها ولكن بعد مرور ست سنوات، ستصدر المملكة قراراً تاريخياً يجيز للمرأة قيادة السيارة.

فقد أصدر العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز أمراً سامياً أمس الثلاثاء، وصفه مراقبون بالتاريخي، يقضي باعتماد تطبيق أحكام نظام المرور ولائحته التنفيذية، بما فيها إصدار رخص القيادة للرجال والنساء.

وبحسب وكالة الأنباء السعودية الرسمية، يقضي الأمر بتشكيل لجنة على مستوى عالٍ من وزارات الداخلية، والمالية، والعمل والتنمية الاجتماعية لدراسة الترتيبات اللازمة لإنفاذ ذلك، على أن ترفع توصياتها خلال 30 يوماً، ويكون التنفيذ في 24 يونيو 2018.

رخص قيادة للنساء السعوديات؟

لم تكن حريري هي الوحيدة التي قررت تحدي قرار منع السعودية لسنوات طويلة نساءها من القيادة. فقد سارت في سباق التحدي عدة ناشطات من ضمنهن أمجاد محمد التي قادت سيارتها وسط الرياض دون اعتراض من دوريات الأمن، وسبقتها إلى ذلك منال الشريف التي اعتقلتها السلطات بعد أن قادت سيارتها في شوارع مدينة الخبر.

كان جميع الناشطات اللواتي يقررن قيادة السيارة يحاكمن ببيان كانت المملكة قد أصدرته رسمياً في العام 1990 ينص على "عدم السماح بقيادة المرأة السيارة".

فجأة ومن دون سابق إنذار وجد السعوديون وسائل إعلامهم الرسمية تقول مساء أمس إن أمراً من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بإصدار رخص قيادة السيارات للمرأة.

التفاصيل...

تقول تفاصيل الخبر إن هناك "أمراً سامياً باعتماد تطبيق أحكام نظام المرور ولائحته التنفيذية، بما فيها إصدار رخص القيادة، على الذكور والإناث على حد سواء".

وستشكل لجنة وصفتها وسائل الإعلام السعودية الرسمية بأنها "على مستوى عالٍ" مكونة من وزارات الداخلية والمالية والعمل والتنمية الاجتماعية لدراسة الترتيبات اللازمة لإنفاذ ذلك.

ردود الأفعال...

كانت ردة الفعل الخارجية الأولى، من وزارة الخارجية الأمريكية، التي رحبت على الفور بالقرار، أما داخلياً، فقد كان اللافت للنظر اختفاء الأصوات المعارضة، إلا القليل منها، ولم تكن كافية لكتم الفرحة.

وتؤكد الإعلامية سكنية المشخص، مقدمة البرامج في قناة الحرة، أن ما حدث كان أمراً لا يُصدق، وقالت لرصيف22 :"ماحدث أمر غير متوقع، كنا نأمل بذلك، ولكن لم أتوقع أن يكون بهذه السرعة، القرار قفزة هائلة للسعوديات".

وكانت ردة فعل الدكتورة هيا المنيع هي الأكثر قوة، خاصة أنها كانت من ضمن النساء اللواتي كن أول من تحدى المنع في عام ١٩٩١، وتعرضت للسجن بسببه. قالت الدكتورة المنيع لصحيفة عكاظ السعودية: "يقف القرار التاريخي ليس لصالح المرأة السعودية فقط بل هو للأسرة السعودية عموماً"، مستنكرةً قول من يصف المجتمع بعدم الجهوزية.

أقوال جاهزة

شارك غردأصدر العاهل السعودي، الملك سلمان بن عبدالعزيز أمراً سامياً يسمح بإصدار رخص قيادة للرجال والنساء...

الهدف أن تظهر السعودية كدولة عصرية

يقول الباحث السياسي محمد التهامي لرصيف22 إن القرار الذي وصفه بالصادم يتماشى مع الخطوات الإصلاحية التي اتخذتها المملكة بهدف أن تظهر بمظهر الدولة العصرية، ومن ضمن هذه الخطوات ما يتعلق بالسياحة الشاطئية والتراثية، رغم موقف السعودية في الماضي من كل ما يتعلق بالسياحة.

ويضيف التهامي أن المملكة، بعد وصول ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، بدأت في اتخاذ العديد من الخطوات المتصلة الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي لتضمن لنفسها مصادر دخل بعيداً عن البترول.

ويشير إلى أن قرار السماح للمرأة بقيادة السيارة يخفف الكثير من الأعباء الاقتصادية عن الأسر خصوصاً من الطبقة المتوسطة، لكن الأهم أنه يحسن صورة المملكة خارجياً لأن الأمر كان يتم التعاطي معه في الغرب باعتباره دليلاً على أن السعودية دولة رجعية.

"القرار بالتأكيد خطوة مهمة في مصلحة المرأة السعودية، التي حققت بالفعل خلال السنوات الماضية نجاحات عدة في المجال الاقتصادي"، يقول التهامي.

أقوى سيدات العالم؟

في يوليو من العام الجاري حجزت المرأة السعودية لنفسها مكانة مميزة في قائمة "فوربس الشرق الأوسط" ضمن أقوى سيدات الأعمال في العالم العربي، إذ حلت السعودية لبنى العليان في المركز الأول في القائمة بسبب تميزها في إدارة واحدة من أكبر الامبراطوريات التجارية في السعودية. والعليان حاصلة على شهادة الماجستير من جامعة إنديانا بالولايات المتحدة الأمريكية في مجال إدارة الأعمال.

كما حلت السعودية سارة السحيمي في المركز الرابع، وهي رئيس مجلس الإدارة للسوق المالية السعودية "تداول"، وأتت في المركز الخامس رانيا محمود نشار، أول امرأة تشغل منصب رئيس تنفيذي في مصرف تجاري سعودي.

التعامل مع المتشددين

القرار السعودي الذي صدر أمس ويسمح للمرأة لأول مرة بقيادة السيارة حمل بعض العبارات الذكية، التي قد تحمي المملكة من مزايدة بعض المتشددين داخلها.

فقد أشار القرار إلى أن هناك سلبيات من عدم السماح للمرأة بقيادة السيارة، مضيفاً أن قيادة المرأة للسيارة سيكون مع مراعاة "تطبيق الضوابط الشرعية اللازمة والتقيد بها" لكن القرار لم يعط تفاصيل بخصوص هذه الفقرة.

وحتى لا تثير السعودية ردود فعل غاضبة من المتشددين داخلها، ذكرت في قرارها أن الأمر يعتمد على "ما رآه أغلبية أعضاء هيئة كبار العلماء بشأن قيادة المرأة للمركبة من أن الحكم الشرعي في ذلك هو من حيث الأصل الإباحة، وأن مرئيات من تحفظ عليه تنصب على اعتبارات تتعلق بسد الذرائع المحتملة التي لا تصل ليقين ولا غلبة ظن، وأنهم لا يرون مانعاً من السماح لها بقيادة المركبة في ظل إيجاد الضمانات الشرعية والنظامية اللازمة لتلافي تلك الذرائع ولو كانت في نطاق الاحتمال المشكوك فيه".

وأضاف القرار أن المملكة باعتبارها "حارسة القيم الشرعية فإنها تعتبر المحافظة عليها ورعايتها في قائمة أولوياتها، سواء في هذا الأمر أو غيره، ولن تتوانى في اتخاذ كل ما من شأنه الحفاظ على أمن المجتمع وسلامته". وحمل القرار توقيع سلمان بن عبدالعزيز آل سعود رئيس مجلس الوزراء السعودي.

بدون شك يعدّ هذا القرار في مصلحة آلاف النساء السعوديات، وقد يفتح الباب لمزيد من الحريات للنساء في دولة تصفها منظمات حقوقية دولية عدة بأن حياة النساء فيها أقرب للجحيم. بسبب غياب الحريات والتمييز على أساس النوع.

ويعدّ القرار أيضاً بداية حقيقية لسعودية تريد أن تظهر بصورة جديدة في خريطة الشرق الأوسط الجديد.

خالد الشايع محرر وصحافي سعودي. مصطفى فتحي صحافي مصري حاصل على الماجستير في الصحافة الإلكترونية من كلية الاعلام في جامعة القاهرة، و"المركز الدولي للصحافيين" في واشنطن.

التعليقات

المقال التالي