البشير شو... عندما تُكسَر التابوهات ويُسخَر من "المقدس"

البشير شو... عندما تُكسَر التابوهات ويُسخَر من "المقدس"

"تمكّن برنامجنا من كسر التابوهات التي لم يتمكن البعض من انتقادها في أوقات سابقة، خاصة الشخصيات التي تلبس عباءة الدين ولديها جماعات مُسلحة"، يقول أحمد البشير مُقدم ومخرج برنامج البشير شو العراقي الشهير.

في العراق، وبعد أن كان صدام حسين وحزب البعث هما الخط الأحمر، نشأت خطوط حمراء كثيرة اصطبغت هذه المرة بصبغة دينية، مع تشظي المجتمع العراقي ويقظة الهويات الطائفية.

يتحدث الصحافي عمر الجفال المتابع لعمل البشير منذ بدايته عن هذه الخطوط في المجتمع العراقي، ويقول إن "الأحداث في العراق خلقت خطوطاً حمراء من زعامات دينية وميليشياوية وسياسية".

1914975_1268246996535152_842684493913026674_n

ويعتبر أن "أحمد أطلق نمطاً جديداً في الإعلام الساخر ودمّر كل ما بُني من تلك الخطوط من خلال كشف ملفات وتناقضات هؤلاء، وكيف ترتبط مصالحهم بالفساد".

عام 2014، ظهر الإعلامي العراقي أحمد البشير عبر قناة الشاهد المستقل بحلقته الأولى من برنامج البشير شو وعنوانها "دجاج طائفي"، متزامنة مع سيطرة تنظيم "داعش" على أجزاء من العراق وانتشار الخطاب السياسي الطائفي.

ولكن القيود على حرية التعبير عبر القنوات العراقية، التي تضع قيوداً على شخصيات وملفات يُريد البشير أن يتطرق لها، اضطرته إلى التعاون مع شركة إنتاج خاصة واتخاذ يوتيوب فضاءً مفتوحاً لحرية التعبير.

أقوال جاهزة

شارك غردأحمد البشير: تمكّن برنامجنا من كسر التابوهات التي لم يتمكن البعض من انتقادها في أوقات سابقة

شارك غردبرنامج البشير شو ساهم في تجاوز الخطوط الحمراء في العراق وكسر الخوف من انتقاد "المقدسين"

وفي الموسمين الأخيرين من البرنامج، عاد البشير إلى عالم التلفزيون عبر قناة DW (دويتشه فيله). وبعد أن كانت قناة محلية هي السومرية قد بدأت أيضاً ببث حلقاته، تراجعت عن ذلك أمام الضغوط التي تعرضت لها.

عاد البشير شو عبر بواية قناة NRT عربية التي تبث من مدينة السُليمانية العراقية، إلا أن الأخيرة أيضاً لم تكن قادرة على تحمل الضغوط التي رافقت بث البرنامج عبر شاشتها فتوقفت عن ذلك.

وعقب محاولة ثانية منها للعودة إلى بثه، أجبرت على التراجع، بعد أن طلبت منها هيئة الإعلام والاتصالات العراقية ذلك.

وكانت الحلقة التي تطرّق فيها البشير شو لخبر انشقاق زعيم المجلس الأعلى السابق عمار الحكيم عن المجلس وتشكيله تياراً سياسياً جديداً اسمه "الحكمة"، من بين حلقات أخرى، وراء إيقافه من جديد.

وعن إيقاف البرنامج من جديد، يقول البشير لرصيف22: "كنا نتوقع عدم استمرار البرنامج على أية قناة عراقية، لأننا نعرف حجم الضغوط التي تتعرض لها بعد أن نتطرق لأية شخصية، رغم أننا لم نتجاوز الحدود الأخلاقية لحرية التعبير".

ويعلّق الجفال على "استبعاد" البشير شو عن القنوات العراقية بقوله إن "المشكلة تكمن في البيئة العراقية، فهي لا تسمح بوجود هذا النمط من البرامج وتتعامل مع السياسيين ورجال الدين بمفهوم المُقدَّس".

حالياً، يقيم البشير في عمّان التي غادرها بعيد بدايات برنامجه، ويسخر من رجال دين شيعة وسُنة وسياسيين من كل الأطراف، ويجد في العاصمة الأردنية "مساحة لم يكن ليحصل عليها لو بقي في العراق".

ويقول إن "وجوده خارج العراق أفسح المجال أمامه لانتقاد سلوكيات شخصيات سياسية ودينية وميليشياوية".

ولكن الجفال يقدّر أنه "ما دام أحمد في دولة عربية، ستُخلق أشياء تُعيق عمله، وهو يعيش في الأردن، وهو بلد عربي ولا يمتلك سُمعة جيدة في ملفات الحريات، لذا لديه مخاوف تدفعه لعدم التصرف بكل حرية"، إلا أنه يؤكد "رغم ذلك، كان منصفاً في التعامل مع جميع السياسيين، ووجه لهم الانتقاد بالتساوي".

وبرأي الجفال "لو كان في العراق لما كان تحدث بنسبة 15% مما يتحدث به الآن".

البشير وقيس الخزعلي

وأنت في العراق، من الصعب جداً أن تنتقد شخصيات تمتلك نفوذاً سياسياً وعشرات آلاف الأتباع ومُسلحين. لذلك، كان الاستغراب كبيراً عندما تحدث البشير شو عن شخصيات بارزة مثل قيس الخزعلي وأبو مهدي المهندس وعمار الحكيم، وغيرهم من "القيادات" الشيعية والسُنية والكردية.

سخر البشير من شخصيات ربما لا يتجرأ البعض على التفكير في انتقادها بينه وبين نفسه. ففي إحدى الحلقات التي تزامنت، بحسب ما ذكره في البرنامج، مع ذكرى ولادة زعيم عصائب أهل الحق قيس الخزعلي، قال البشير إنه سيُقدّم هدية للشيخ الخزعلي، وهي "سنّي" (أحد أسنانه).

ولفظة "سِنّي" لها معنيان، الأول السنّ، مفرد أسنان، والثاني الشخص المُنتمي إلى المذهب السُني.

وكانت في هدية البشير لزعيم عصائب أهل الحق إشارة إلى اتهامه وفصيله المسلح بقتل العراقيين السُنّة، عاملاً برمزية فهمها الجميع.

وكان لهذا التجرؤ على الشخصيات "المقدسة" إيجابية كبيرة برأي أحمد البشير الذي يعتبر أنه "ساهم في تشجيع عدد من الشباب على عدم التردد في توجيه الانتقاد لشخصيات تتغطى بعباءة الدين".

البشير شو يُغضب تيار الحكيم

قلّد أحمد البشير في الحلقة الـ14 من الموسم الرابع زعيم تيار الحكمة عمار الحكيم بكل تفاصيل ظهوره في الكلمات التي يُلقيها بالمناسبات الدينية أو السياسية.

وسخر البشير من طريقة الحكيم في الوصول إلى منصة الخطابة، والشاشة التلفزيونية المفترضة التي ظهرت في برنامجه أتت مشابهة تماماً لقناة الفرات التي يموّلها زعيم تيار الحكمة عندما تُبَث خطبه في المناسبات.

ولم يتأخر ردّ تيار الحكمة على قناة NRT وبرنامج البشير شو، وقال القيادي فيها بليغ أبو كلل: إن "الحلقة التي بُثت جرحت التيار وأتباعه وإن القناة التي بثته ليست مستقلة".

سخر البشير من شخصيات ربما لا يتجرأ البعض على التفكير في انتقادها بينه وبين نفسه...

ويُعلق الممثل والكاتب في البرنامج محمد شكري على الانتقادات الموجهة للبرنامج واتهامه بتجاوز حدود حرية التعبير بقوله إن البشير شو يطرح نقده بطريقة ساخرة يُفترض أن تكفلها الحريات و"لكن للأسف غالبية تلك الحقوق مفقودة في العراق".

ويقول أحمد البشير إنه رغم الضغوط التي يواجهها، "سنستمر بالعمل والبث وإن لم نجد قناة عراقية تبث حلقاتنا".

ردة فعل من منبر ديني

سخر أحمد البشير من رجل الدين صباح شُبر الذي تحدث عن قضية الرضاعة في المذاهب الإسلامية وهل ستكون المُرضعة أماً للرضيع أم لا.

فما كان من الخطيب الديني المثير للجدل صلاح الطُفيلي إلا أن تناول البشير شو في مناسبة دينية، إذ قال في خطبة: "أحمد البشير امتداد لشخصيات طعنت أمة النبي مُحمد"، ولم يكتفِ بذلك، فوصفه، هو والمشاركين في برنامجه، بـ"القردة"، وراح أبعد من كل ما قاله عندما هدد ضمنياً قناة السومرية التي تبث البرنامج بتذكيرها بأنها تقع في "مُحيط شيعي".

وكانت هناك ردة فعل لرجل الدين جعفر الإبراهيمي على أحمد البشير، ولكنها كانت عقلانية ولم تتضمن إساءات على غرار ما جرى مع صلاح الطفيلي.

نتيجة كل ذلك، تم امتناع القنوات العراقية عن بث برنامجه. يقول أحمد البشير: "نبحث الآن عن قناة عراقية لديها القدرة على تحمل محتوى البشير شو، دون أن تتدخل بتفاصيله".

ويُضيف أن "قناتي السومرية وNRT عربية لم تتدخلا بمحتوى البرنامج طوال فترة بثه على الشاشتين، وهذا ما تسبب لهما بإحراج وضغوط".

أبو مهدي المهندس والبشير

يفخر أحمد البشير بـ"كسر التابوهات" الذي تمكن منه البرنامج بحسب قوله، وقد تجرأت سُخرية وانتقاد البرنامج على أبرز شخصية في الحشد الشعبي، أبو مهدي المُهندس، وسخر منه أكثر من مرة.

ومرات عدة، أصدرت هيئة الإعلام والاتصالات العراقية قراراً بوقف بث برنامج البشير شو على قنوات عراقية بحجة "عدم تطابقه مع مدونات ممارسة المهنة"، لكن كادر البرنامج يواجه تلك القرارات بالسخرية.

ويتمنى أحمد البشير وكادره المكون من 25 فرداً، تسجيل برنامجهم من العراق، لكن حياتهم "ستبقى في خطر"، بحسب قوله.

مصطفى سعدون

صحافي عراقي معني بصحافة حقوق الانسان، ومؤسس ومدير المرصد العراقي لحقوق الانسان.

كلمات مفتاحية
العراق الكوميديا

التعليقات

المقال التالي